القنوات الفضائية العربية.. نحو رؤية ثقافية جديدة

لا نكاد نجد في هذه الأعداد الكبيرة من القنوات الفضائية العربية المنتشرة من المحيط إلى الخليج، قناة واحدة، تهتم بالشأن الثقافي الخاص بالبلدان التي تبث منها أو التي تلقى منها تمويلا، أو اهتماما ما بالشأن الثقافي العربي بشكلٍ عام، استثناءات قليلة تبرز بين حينٍ وآخر، ولكنها تعتبر قليلة جدا بالمقارنة مع عدد البرامج المخصصة للغناء والمسابقات المتنوعة، والسيل الجارف من الأفلام التركية والمكسيكية والهندية، وغيرها من الجنسيات الدخيلة على المشاهد العربي، الذي أصبح يرى من خلال هذه المسلسلات ثقافات غريبة عليه وعادات لم يكن يعلم عنها أي شيء، يشاهدها وهي مترجمة بالعامية الشامية أو اللبنانية، فتصل إليه الرسالة بشكلٍ كامل لا نقصان فيها، أضف إلى عملية ترجمة هذه الأعمال، جودتها من الناحية الفنية، ما يجعلها ذات قيمة فنية كبيرة، رغم أن القصة يمكن أن تكون هزيلة وليست ذات مغزى من جانب السيناريو والحبكة القصصية وإدارة الممثلين وغيرها من الجوانب التقنية.

الفضائيات العربية تجسيد صارخ لحالة الانفصال التي يعيشها العرب، عن الكتاب والثقافة وكل ما يمت إليها بصلة، فكيف تريد من قنوات فضائية لا يقرأ مشاهدوها إلا دقائق معدودة في السنة الكاملة، أن تسهر على إنتاج برامج ثقافية حقيقية تلامس هموم المثقفين، وتضع قضاياهم على طاولة النقاش، نسبة قليلة هي التي تتابع هذه النوعية من البرامج، ولهذا لا يغامر مالكو هذه القنوات في صرف أموال كبيرة على برامج لا يشاهدها إلا النزر القليل من الناس والذين يكونون غالبا من النخبة المثقفة التي تدرس وتحلل أي رسالة إعلامية قبل تقبلها أو التأثر بها، المال أولى لدى مالكي غالبية هذه القنوات أن يصرفوه في أمور أخرى تدر الملايين، مثل مسابقات الغناء واقتناء حقوق البطولات الرياضية المختلفة، التي تعود بالنفع الكبير على خزائن هذه القنوات، وتجني أموالاً طائلة من عائدات الإشهار والإعلانات المصاحبة لتلك المسابقات أو البطولات.

أزمة الثقافة العربية تتجسّد أيضا في القنوات الدينية، التي يسميها البعض عن وعي أو عن غير وعي بالقنوات الثقافية التي تلعب دوراً في تثقيف المجتمع وتوعيته بخصوص عدد من القضايا المجتمعية ذات الصيغة الدينية، فيما الحقيقة أنّ هذه القنوات بدورها تكون الثقافة والنقاش الثقافي الحقيقي، هما الغائب الأكبر فيها، فهي في الأساس قنوات دينية تعمل أساساً على الوعظ والإرشاد، وتقديم النصح الديني للناس على الهواء مباشرة والإجابة عن تساؤلاتهم وفتاواهم، وهي عملية لا تخلو من تجارة بدورها، فالعديد من الدراسات المنجزة في تتبع أرباح القنوات المصرية الدينية من عائدات الرسائل القصيرة عبر الهاتف تقدّر بملايين الجنيهات، وهو ما يفسِّر تهافت هذه القنوات على “دعاة” إسلاميين معينين، لأنهم مثل نجوم كرة القدم والسينما والبرامج الترفيهية، يرفعون عائدات هذه القنوات ويجعلون مداخيلها ترتفع بسبب تواجدهم على شاشاتها، فيما الدور الحقيقي لغالبية هؤلاء هو دغدغة مشاعر الناس عبر خطاب وعظي عاطفي لا يسمن ولا يغني من جوع، ويكون مفعوله لحظياً ليبقى المشاهد المسكين المغلوب على أمره مرتبطا ومرتهنا لهذه البرامج والأشخاص الذين يقدمونها، ما يوفر للقناة نسبة مشاهدة كبيرة ومستقرة في نفس الآن، أما النقاش الثقافي الحقيقي الذي يتناول قضايا ثقافية شائكة ومصيرية، من قبيل هجران القراءة ومقاطعة الكتاب وضعف المتابعة لدى عدد كبير من أفراد الشعوب العربية، ولا تستحق أن يخصص لها أي حيز زمني مهما كان صغيرا، لتبقى المناسبات الثقافية التي تشهدها هذه المدينة أو تلك السبب الذي نرى فيه واحدة من هذه القنوات تتجاوز برنامجها الوعظي الحافل، لتبث بعض البرامج الثقافية أو التي تتسم بالطابع الثقافي.

في الدول التي تحترم نفسها، وتنعم بالربيع الديمقراطي الحقيقي، تكون للبرامج الثقافية في قنواتها الفضائية العمومية والخاصة، نفس الأهمية أو أكثر، التي تعطى للبرامج الرياضية والفنية، وخير مثال على ذلك القنوات الفضائية الفرنسية التي تبث عدداً كبيراً من البرامج الثقافية المهمة، حول الشأن الثقافي الفرنسي عموماً، إلى برامج متخصصة بالعشرات، منها ما يهتم بالسينما الفرنسية والأوروبية وحتى الإفريقية، ومنها من يهتم بالرسم والمسرح والكتابة والإبداع بكل أشكاله، وهي برامج تخصص لها ميزانيات ضخمة بدءاً من بناء الأستوديوهات العملاقة التي تؤوي الجمهور الذي يحتج بكثافة لمتابعة هذه النوعية من البرامج، إلى حجم الضيوف الكبار الذين يحضرون إلى “البلاتو” من أجل سماعهم وتقديمهم للمشاهد ليطلع على جديدهم، أو مناقشتهم لإبداعات أخرى أو تقديم رأيهم في قضية ثقافية شائكة تبرز على سطح الأحداث ناهيك عن قيمة المعلنين الذين يحجزون لحظات زمنية مهمّة قبل وأثناء بث هذا البرنامج أو ذاك، من أجل عرض الوصلات الإعلانية لشركاتهم ومؤسساتهم المالية.

لدى الأوروبيين والأمريكان وغيرهم من أبناء الديمقراطيات العريقة، تبدو الصورة متناسقة وجميلة، قنوات فضائية تؤمن إيماناً راسخاً بأهمية البرامج الثقافية، فتخصص لها مبالغ مالية مهمة من أجل تقديمها للمشاهد على أحسن صورة، هذا الأخير يكون وفياً لكل ذلك المجهود المبذول من أجله، فيتابع في كل مرة تلك النوعية من البرامج بشغفٍ ووفاء، ومن ثمّ تحظى بمتابعة كبيرة من قبل أناس آخرين ما يجعلها ذات طابع جماهيري، وحديث الناس في كل مكان.

أليست هذه هي اللحظة التاريخية التي يجب أن يعيد فيها القائمون على الشأن الثقافي العربي حساباتهم مع الثقافة وأهلها؟ أم أن لحظة التغيير التي عصفت بكثيرين من على كراسي الحكام ستكون فقط حالة تغيير للجالسين على الكراسي، وليس تغييراً في الذهنيات والعقليات التي يعشعش فيها التخلف والجمود، وللأسف يبدو السيناريو الثاني هو الأقرب إلى الوقوع، فقد تغيرت أنظمة ووصل أناس آخرون غير الذين كانوا من قبل إلى السلطة، ولم نر غير معارك سياسة أكثر شدة وقسوة، وجشعاً لم يسبق له مثيل للسلطة والتحكم، الأكيد أنها ستجعل الجميع ساكنين لزمن طويل في المربع الأول، لن يبرحوه ما دامت قنواتهم الفضائية خالية من البرامج الثقافية الحقيقية التي تطرح للنقاش قضاياهم الثقافية التي بدون صلاحها لا يمكن للمجتمع أن يسير إلى الأمام، فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان كما قال من سبقنا، وما لم تعالج الجوانب الثقافية في عقول وأدمغة المواطنين العرب، فلا يمكن بأي حال من الأحوال التحرر من الاستبداد السياسي والتسلط، وأي فصيل يصل إلى سدة الحكم سيعمل بمقولة “المقربون أولى” ويشعل ناراً جديدة من التيه والتخبط لا تخمد إلا وهي بادئة من جديد.

إن القنوات الفضائية العربية أصبحت مطالبة اليوم وبشكل ملح للغاية، على العمل على إحداث تغيير في نظرتها وتعاملها مع البرامج والقضايا الثقافية، لأن الشعوب أصبحت تتحلى بكثير من الوعي والذكاء يجعلها تميز بين الغث والسمين من البرامج، والأكيد أنه سيأتي يوم تطالب فيه القائمين على هذه القنوات سواء كانت تابعة للدول والحكومات أو قنوات خاصة، بالعمل على تقديم مادة إعلامية ثقافية حقيقية تستجيب لمتطلبات العصر وتقدّمه وتغيره الدائم، وتساهم في رفع الوعي بين فئات الشعب، وتنتقل بالدول وبالشعوب سوية إلى مصاف الدول المتقدمة التي تستحق الاحترام والتقدير.

جديدنا