تنوير العقول من خلال تحرير القرآن

يُعَدُّ القرآن الكريم معجزة الرسالة المحمَّدية التي واجه بها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام الجاحدين من قومه، وتحدّاهم في أكثر من مناسبة لكي يأتوا بمثله فعجزوا، بل وصل التحدِّي إلى أن يأتوا بآيةٍ من مثله، فلم يستطيعوا أن يأتوا بآيةٍ واحدة، فكان القرآن بحقّ معجزة فريدة من نوعها، تميَّزت عن كل المعجزات التي أتى بها الأنبياء والرسل قبل محمد عليه الصلاة والسلام، والتي كانت في أغلبها معجزات ملموسة مادِّية تُرى بالعين المجردة، عكس القرآن الذي بُنيَ سياقه الإعجازي على منظومة من التفكير والتأمُّل واللغة والبلاغة، ولأن القرآن هو آخر الكتب السماوية، كان لا بد أن يحمل بين طياته أسباب استمراره وصلاحيته للأزمة اللاحقة التي تلت زمن البعثة،  والتي سيعيشها لامحالة أتباع هذه الديانة بكل تحدّياتها ومشاكلها ومستجدّاتها، وأن يجد حلولا لكل التساؤلات التي برزت وستبرز في تاريخ أتباع الديانة المحمَّدية، ولأن المسلمين يجزمون بأنَّ كتابهم منزَّل من رب العالمين على محمد ابن عبد الله، فلا يساورهم الشكّ في أنَّ هذا الكتاب صالح لكل زمان ومكان، ولديه القدرة على التفاعل مع متغيِّرات العصر والتطوُّر الذي يشهده العالم، وقابل للتكيُّف مع تغيُّر الأماكن والأزمنة وتطوّرها.

لكن الذي حصل هو العكس تماما، حيث اجتهد بعض الناس في تدوين فهمهم للقرآن وتفاعلهم مع آياته، وسمُّوها تفسيرات للقرآن، رغم أن المعني الأوَّل بتفسير القرآن هو محمد عليه السلام، لم يقم بذلك، وأمر أصحابه أن يمحوا كل شيء كتبوه عنه إلا القرآن مخافة أن تختلط أشياء أخرى بالقرآن، ومات عليه السلام وترك هذا الكتاب مفتوحا، حمّالا لوجوه متعدِّدة، وترك باب التفاعل معه مفتوحا على مصراعيه، وأكَّد دعوة القرآن نفسه، بأنَّ آليَّة الدخول إلى هذا الكتاب والسباحة في عالمه هي التفكير فيه والنظر في الآيات وتدبُّرها وتأمُّل معانيها ورسائلها وقراءة الكون من خلال آيات الآفاق والأنفس، والاعتبار من قصص وما تريد إيصاله للناس من معانٍ وعبر.

لقد كان لبعض التفاسير دور كبير للأسف في تجميد معاني القرآن وإعطاء تفسيرات واحدة لآياته، ممَّا قلَّص مهام القرآن وإعطاء تفسيرات واحدة لآياته، ممَّا قلَّص مهام القرآن، في الاكتفاء بقراءته والتبرُّك به والحصول على قدر معين من الحسنات، فغرق النص القرآني في تفسيرات بشرية محدودة، أثَّر فيها الزمن والوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكاتبها، لكن الخطأ الأكبر هو اعتبار هذه التفاسير-رغم كثرتها- هي القصد الإلهي، والبحث عن مراد الله تعالى في هذه الآية أو تلك، ممَّا جعل الإنسان المسلم يرتهن لهذه التفاسير، ويعتمد في فهمه للقرآن عليها وحدها، بل رفع البعض هذه الكتب إلى درجة التقديس، وأن أي انتقاد لها أو مخالفتها يُعتبر انتقادا للقرآن نفسه أو أكثر من ذلك، واعتبر من يجتهد أو يُحاول تجاوز تلك التفسيرات، عدوا للدين ولله وللمسلمين، فيواجه بكل الوسائل المتاحة بدعوى الحفاظ على بيضة الإسلام ومواجهة أعدائه، فقُتلت أغلب محاولات الجديد في فهم النص القرآني في مهدها، ونُعِتَ أصحابها بشتَّى النعوت السلبية، واتُّهِموا بمخالفة إجماع الأمَّة، ونال العديد منهم الأذى الجسدي من جراء ذلك، بل إن بعضهم قدَّمَ روحه فداء فهمه المختلف لآيات القرآن الكريم.

إنَّ المطلوب الآن هو تحرير القرآن من معضلة الزمن الأوَّل، أي القرنين الأوَّل والثاني، تحرير القرآن لن يكون بالارتهان لهذا الزمن بشكل كلي، والتحرير ليس دعوة للقطيعة الشاملة، لكن هي دعوة لكي نفهم القرآن من خلال المتغيِّرات الحالية، لأن ذلك سيجعل استمرارية إعجاز الرسالة أمرا واقعا لا يُجادل حوله اثنان، وتحرير القرآن أيضا يتمّ من خلال الغوص فيه، والتجاوب مع دعواته المتكرِّرة لاستعمال العقل والتفكير والنظر والسمع والسير في الأرض، عبر آليَّة التدبُّر التي تضمن مخاطبة الإنسان للقرآن بشكلٍ مباشر دون وسطاء، لأن رب العالمين لا يحتاج لمن يتوسَّط بينه وبين عباده، فبوابة التدبُّر تُدخل الإنسان إلى رحاب الله دون وصاية من أحد، ودون ادِّعاء أحد بأفضلية الفهم والمعرفة، فربّ العزَّة يُؤكد دائما أنَّ القرآن ميسِّر للذكر فهل من مذكر.

تحرير القرآن من التفسيرات الجامدة يعني فتح آفاق جديدة أمام العقل المسلم للسفر في عوالم جديدة لها صلة مباشرة بما يشهده العالم من تغيير مضطرد، وتقلبات متسارعة، وسينسج علاقة سليمة بين القرآن، والكون، يقرأ من خلالها حركة الكون من خلال القرآن وآياته عن الآفاق والأنفس، ويفهم حركة الكون وقوانينه من خلال تفاعل عقلي وعلمي مع القرآن الكريم، حينها فقط سيكون للمسلمين دور كبير في عمارة الأرض وتحقيق الاستحلاف فيها.

إنَّ كتاب الله مفتوح لمن أراد الدخول إلى أعماقه، وهي دعوة مفتوحة لا نهاية لها، لا يخاف من كثرة الداخلين إليه والباحثين في أغواره، وكم هي قوية مقولة للدكتور محمد شحرور يقول فيها “اقرؤوا كتاب الله بكل جرأة، لا تخافوا منه ولا تخافوا عليه، فإن الله لا ينهزم”.

إنَّ الدعوة إلى تحرير القرآن من الأفهام المغلقة، هي دعوة لإعادة الاعتبار لكلام الله، وجعله منارا يهتدي بها الانسان المعاصر لمساعدته على بناء حضارة إنسانية قائمة على الحبّ والسلام وقبول الإنسان سواء كان مؤمنا بهذا الكتاب أم لا، لأن رسالة القرآن هي رسالة لكل البشر وليس للمؤمنين به فقط، قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (28). سورة سبأ.

جديدنا