صراعات منطقة الشرق الأوسط؛ المخاض الأخير

تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ عقود حالة من عدم الاستقرار، فمنذ قيام ما يسمّى بدولة إسرائيل في نهاية الأربعينات من القرن الماضي والمنطقة تعيش حالة غليان لا نظير له، لا تهدأ حتى يشتدّ لهيبها مرّة أخرى، وفي كل مرّة يندِّد العرب بما يقع في فلسطين المحتلّة من قتل وتنكيل بالشعب الفلسطيني الأعزل، وبقيت فصول القصَّة تتكرَّر عبر السنوات الماضية، إلى أن شهدت المنطقة مؤخّرا ما يسمَّى بـ”الربيع العربي” الذي تحرّكت فيه الشعوب ضدّ عدد من أنظمتها المستبدَّة والديكتاتوريَّة في تونس ومصر وليبيا وسوريا وغيرها من دول المنطقة.

كان هذا الحراك بداية لكسر عدد كبير من المسلّمات كانت معشعشة في أذهان شعوب المنطقة، وعلى رأسها هاجس الخوف الذي كان يتملّكها من أنظمتها وعدم قدرتها على فعل أي حركة تغييريَّة تساعد على حلحلة الوضع إلى الأفضل، وتحسين الأوضاع الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة لها، وجاء الحراك ليعري هشاشة هذه الأنظمة وعدم ارتباطها بشعوبها، وأن فرقاً شاسعاً في التصورات والأفكار تعاظم طيلة أربعين سنة بين هذه الشعوب والأنظمة الحاكمة في دولهم، مما جعل الحراك في عدد من الدول يكتسي طابعاً مسلّحاً أدخلها في حالة حرب أهليَّة لم تنته حتى الآن، كما هو واقع في سوريا وليبيا، والذي كان وسيكون أكبر ضحاياها هم من الأبرياء العزّل الذين كانوا فقط يحلمون بتقدّم وازدهار بلدانهم، فإذا بها تنهار على رؤوسهم وتدمّر كل شيء أتت عليه وكأنّها فيضان جارف لا يبقي ولا يذر.

منطقتنا المسكينة مصائبها كثيرة ولا تعد ولا تحصى، فقد ابتلت ببعض الحكّام وهمهم الوحيد هو العمل على النيل من جيرانهم ومحاولة قيادة المنطقة، فبرزت خلافات أقل ما يقال عنها إنها تافهة، ضربت قيم الصداقة والتعاون والتآخي في مقتل، فالكل يعلم الصراعات التي طغت على منطقة الخليج وعكّرت في أكثر من مرَّة صفو العلاقات بين بلدان هذه المنطقة، دون أن ننسى صراع هذه الدول مجتمعة ضدّ النفوذ الإيراني في المنطقة، ولا يخفى أيضاً للجميع ما يقع في سوريا من تناحر أطراف إقليميَّة على الأرض السوريَّة، مما زاد الأمور تعقيدا، وأدخل المنطقة كلها في حالة من التيه والفوضى، لا يستطيع أحد التنبّؤ بنتائجها ونهاياتها، فالصورة قاتمة والقتلى بعشرات الآلاف ولا أحد يحرِّك ساكناً لتجاوز هذا الوضع المأساوي.

إنَّ المتأمّل فيما وقع ويقع في هذه المنطقة يرى عدم وجود أي حلول في الأفق المنظور، فالحالة مزرية بكل المقاييس، لكنني أرى من وجهة نظري أن أي مخاض عسير يأتي بعده انفراج لا محالة، فتاريخ المنطقة مليء بالصراعات الدامية والتناحر، وفي كل مرّة يعتقد الناس أنّ الحالة ستبقى كذلك إلى الأبد، ولكن تأتي تغييرات جديدة فتحوّل مسار المنطقة إلى اتّجاهات فكريَّة جديدة تساعد في تجاوز الأزمة والعيش في حالة من الاستقرار لمدّة قد تطول وقد تقصر، لكن ما يقع الآن يعطيني الانطباع بأنّه ربما هو ذلك المخاض الأخير الذي تشهده المنطقة قبل الخروج من النفق، حينها ستؤمن الشعوب كما السياسيّون في المنطقة أن لا جدوى من الصراع، فوجود عالم منفتح ومتواصل بطريقة غير مسبوقة، سيساعد الشعوب على تقرير مصيرها بنفسها، رغم كل التراجعات في عدد من دول المنطقة، فالعالم الآن، وليس المنطقة العربيَّة فقط، مفتوح على مصراعيه وأصبح صفحة مكشوفة يتشارك فيها الجميع الأفكار والرؤى والمعتقدات، فلن ينفع بعد ذلك وضع “غيتوهات مغلقة” للناس والإقفال على عقولهم، بعدما أدرك الجميع الآن أن السير نحو التعايش هو الأفضل للجميع، وأن البقاء في هذه الحالة كفيل بتدمير الجميع وإنهاء وجودهم، منطقتهم أمام المزيد من التشرذم والاحتلال والتبعيَّة.

لا شكّ أن التاريخ حابل بعدد كبير من الشواهد التي تبيّن أن المتصارعين غالباً ما يجلسون في الأخير من أجل البحث عن مخرج لصراعهم وإنهائه، وكل من يقرأ التاريخ سيدرك حجم الصراع الدموي الذي كان مثلاً بين الكاثوليك والبروتستانت، حيث كانت مجازر رهيبة بين الطرفين استمرّت قروناً من الزمن، ليدرك بعدها الجميع أن الصراع لا يؤدّي إلا إلى المزيد من الدماء والهلاك للجميع، فجلس الطرفان إلى الطاولة واتّفقا على إنهاء كل أشكال الصراع، وإبداع أشكال جديدة من التعايش مع الطرف الآخر دون صراع معه أو سعي لنفيه وسلبه حياته، وهي الأفكار التي ما زالت غائبة عن السياسيّين والشعوب في منطقة الشرق الأوسط، حيث الجميع يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة، وأن الآخر ليس على حقّ، وإنه خارج المنظومة والدين والملّة، وهو ما نتج عنه ظهور تيّارات متطرّفة أكثر راديكاليَّة تأتي على الأخضر واليابس وتذهب بالمنطقة إلى غياهب المجهول، وما وقع في العراق يدقّ ناقوس الخطر، ويرسل رسالة للجميع بأن التطرّف سيأكل الجميع وسينهي وجود الجميع إذا لم يقم كل طرف بمراجعة نفسه والاستعداد للتعايش في جو ديمقراطي مع الآخرين.

لقد فشل السياسيّون في معالجة معضلات منطقة الشرق الأوسط فشلاً ذريعاً، وأثبتت الشواهد أنهم عاجزون كل العجز عن فعل أشياء تنقذ المنطقة من هول ما تعيشه من دمار، والحالة هذه فلا حل إلا بتغيير طرق تفكير الشعوب من أجل أن تؤمن بالتغيير، وتتعايش معه وتروض أذهانها من أجل أن تقبل هذا التغيير، فالله تعالى لن يغِّر من هذا الحال السيّء إلا باستعداد الكل للتغيير والإيمان به حقيقة لا زوراً، تغيير يبدأ من تغيير النظرة إلى أنفسنا فما زال هناك خلل كبير في نظرتنا لأنفسنا، وتغيير إلى نظرتنا للآخرين، نظرة يجب أن نؤمن من خلالها بحقّ الآخر في العيش والحياة، مهما كانت أفكاره وتوجّهاته، فكل ميسّر لما خلق له، كما يتطلّب الأمر أيضاً تغييراً في مستوى الثقافي الذهني للشعوب العربيَّة من أجل أن تؤمن بالتشارك والمشاركة في الأفكار وقبول الآخر مهما اختلف معنا ذلك الآخر، ومنحه الفرصة في التعبير عن نفسه في جو من السلم واللاعنف، حتى نحقّق فعلاً الرفاه الذي نتمنّاه لأنفسنا ونعيش في جو من التسامح والرحمة والمودّة، ولعل هذا الظلام الحالك الذي يسود المنطقة ويغطّيها، يأتي من بعده فجر جديد يفرح الجميع بقدومه، ولعله يكون ذلك المخاض العسير الذي يتوّج بولادة جديدة تدخل السعادة والبهجة على القلوب والنفوس، والأمل معقود في ذلك على الجيل الجديد من الشباب الواعي بأهمّيّة وجوده ودوره الحضاري في بناء أنساق جديدة مغايرة تماماً لما وضعه الأولون، وهو أمر سهل وميسّر إذا تضافرت الجهود وآمن كل فرد منّا بدوره في تحريك عجلة التغيير لتبدأ الدوران، فالعمل الجماعي يجعل المخاض ينتهي بخير ويكون حقاً ذلك المخاض الأخير قبل الخروج إلى النور.  

جديدنا