انطولوجيا التأويل واستطيقا التشريح عند ابن رشد

انتهت فلسفة المشرق إلى أهل المغرب وتلقّاها منهم أهل الأندلس وانتهت فلسفة أهل المغرب إلى أبي الوليد بن رشد، وعلى يــــده وصلت الفلسفة الإسلاميّة إلى آخـــر أدوارها وبموته خبت جذوتها وانطفأ إشعاعها، وانتقل نورهـــا إلى أوروبّا بعـد أن ترجمها اليهـــود في الأندلس إلى العبريّـة، ومنهـا انتقلت إلى أهـــل أوروبا، فدرسوها، واقتبسوا منـــها، وعلّقوا عليها، وشرحوها، ونسبوا كثيـــرًا من آراء المسلمين إلى أنفسهم كمـــا فعل توماس الاكويني بآراء ابن رشــد.

والمهمّ في هذا الموضوع هو أنّ فلسفة اليونان كمـــا عرفهــا المسلمون، وفلسفة المسلمين أنفســـهم وصلت إلى أبي الوليد محمّد بن أحمــد بن رشد الحفيـــد، وإذا أردنـــا أن نلتمس كلامـًا في موضــوع “التأويل” بوجه عام فلن نجـــد خيرًا ممّـــا خلّفه أبو الوليـــد،  لقــد تكــلَّم المسلمون قبله في هذا الموضوع، وحـــاولوا أن يفهمـــوا الفلسفة بروح الديــن وأن يتعمّقوا الدّيــن بمنطق العقــل ولكنّهم لم يضعوا لنا في ذلك كتـابًا خاصًّا بهذا الموضوع خصوصا إذا وسمناه “انطولوجيا التأويل واستطيقا التشريح لدى ابن رشد”، فلا نجد فيلسوفا وضــع لنـا كتابًا خاصًّـــا في هذا المـيدان، على هذا الأساس فموضوع بحثنا يقتضي عملًا دقيقًا يجمع بين مبحثي “السيميولوجيا”، و”الاستطيقا” في التعاطي مع الأثر الرشديّ، يستند على رأي ابن رشد في التوفيق بين “الدّين” و “الفلسفة”.

والتأويل هنا ليس بحثًا عن معنى أوَّل، وإنما فرض أولويَّات وأسبقيَّات، وتفاضلات تعود لإرادات المعرفة التي هي إرادات قوة وتسلُّط. “لا تأتي القوة هنا بعد حين، وإنما هي تتلبَّس التأويل ذاته.” هنا يغدو إنتاج المعنى خوضًا لحرب. على هذا النحو فليست هناك درجة صفر للمعنى، ليست هناك درجة صفر للدلالة. ليس هناك إلاّ منظورات متفاضلة متناحرة. والواقع ذاته ليس إلا كمية من القوَّة سبق الاستحواذ عليها بعنف “التأويل”. أما الاستطيقا فهي حسب ستيفان كروبر: “بحث عن قوانين التذوُّق الجمالي وموضوعه هو تلك الأشياء لذاتها”. وسنهتم خلال دراسة الاستطيقا الرشديّة بجمال “المفهوم وتشريحه”.

لا شكّ أنّ ابن رشد هو الشّارح الأكبر لفلسفة أرسطو، فهــــــو الذي وضع لأغلب كتب المعلِّم الأوَّل شروحًا ثلاثة، ومن ناحية أخرى فإن ابن رشد أحد رجال الدين إلى جانب ولعه بالفلسفة كأسلوب حياة. وقد حاول  التوفـيــق بين “الدين والفلسفة” وفي كتبه الباقية بذور لهذا التوفيق الذي كتب فيه ابن رشد كتاب “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتِّصال”، وكتاب الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّـــة، وكتاب تهافت التهافت الـــذي عرض فيه لهذا الموضوع أيضًا، وله أيضًا مقالة في أنّ ما يعتقده المشّاؤون وما يعتقده المتكلّمون من أهـــل ملتنا في كيفيّة وجـــود العـــالم متقـــــارب في المعنى، وهـــذا إن عنى شيئـــا فهـــو يعني أوَّلًا وبالــــذات أنّ ابن رشد من خير من عرف الفلسفة وقدّرها حقّ قدرها وأعجب بأربابها والمتكلّمين فيها. فكيف نشأت فكرة التوفيق بين الفلسفة والدين عند ابن رشد وما هي آليّات التوليف بينهما؟ ثم ما هي منزلة التأويل في التوفيق بين الفلسفة والدين؟ وماهي مقوّمات وأسس التشريح في المتن الرشديّ؟

أنطولوجيا التأويل الرشديّ:

ظهرت الفلسفة قديمًا واشتهرت شهرة عظيمة في بلاد اليونان، وقد عُرف من بين الفلاسفة أرسطو وأفلاطون وسقراط، وقد كان لكل فيلسوفٍ منهم منهجه وطريقته في التفكير الفلسفيّ، وبعد أن وصلت الفتوحات الإسلاميَّة إلى أوروبا، وفتح المسلمون بلاد الأندلس ظهر الكثير من الفلاسفة العرب الذين أخذوا علم الفلسفة القديمة عن اليونان، وانكبُّوا على كتبهم ودراستها ومحاولة إخراج علم فلسفة يدعم الدّين والأخلاقيّات، ويكون ضمن منظومة العلوم الإسلاميّة، وقد عُرف من بين هؤلاء العلماء ابن رشد والفارابي وابن طفيل. وما يهمنا ههنا هو المتن الرشديّ وكيفيَّة تعاطيه مع هذه المسألة لما تحمله من التباسات جمَّة. وهو ما يطرح جملة من الإحراجات نتمثَّلها في حزمة الأسئلة التالية: ماهي آليَّات وحجج ربط الفلسفة بالدّين؟ وما هي العلاقة الحقيقة بينهما؟ وما منزلة التأويل في ذلك؟ وماهو التأويل أصلاً؟

من التأويل إلى السيميولوجيا:

قبل الحديث عن التأويل لا بد أن يبدأ البحث بهذا السؤال: هل التأويل هو نفسه التوفيق بين الدين والفلسفة؟ أو أنّ التأويل غير التوفيق؟ وأي منهما موضوع قائم بنفسه؟ مستقلّ بذاته؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا بــُدَّ من أن نسلّـــم أوَّلًا بأنَّ المسلمين في أوّل عهدهم بهـــذا الدين السمــاويّ الجديد كانوا في الحضر والبـــدو يفهمون القـــرآن وحسب ما كانوا عليه من الفطــــرة وما عندهم من معاني الكلام الغربيّ من حقيقة ومجاز، واستعارة، وكتابة، وإيمـــاء وإشارة. ولا شـــكَّ أنَّهـــم حيـــن قـرأوا قولـــه تعالى: “ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ “ لم يؤولوها تأويل “الكنـــدي” بالأفــــلاك ودورانها في هذه الأفلاك والتزامها حركاتها الثانيّة وما ينشأ عنها من الظواهر الجويّة، ولم يقــــولوا  هذه الكواكب ذات نفوس أو عقول .

العرب فهموا الشريعة بمقدار مـا أوتوا من العلم القليل الذي عندهم ولم تنشأ عندهم مشكلات حتى يخوضوا فيها، ويجادل بعضهم بعضـــًا إلاّ حين عـــرفوا الفلسفة، عندئـــذٍ وجد المسلمون أنفسهم أمام آراء جديدة ومذاهب مباينــــة للإسلام، ومـذاهب أخـــرى تبــدو في خــــلاف مع الدين، وتسلَّحوا بسلاح خصومهــــم مرَّة ورفضوه مرَّة أخرى، وتأثَّر بعض المسلمين بهذا الســلاح فأراد أن يسلَّطه على الدين ليفهمه فهمًا جديدًا لا يحطّ من قدره بل يزيد من شأنه ويقوّي حجّته.

سيميولوجيا الشرع:

لكي يفهم ابن رشد الدين فهمًا فلسفيًّا، كـــان عليه أن يكون ناظــرًا من نظّـار الشريعة، وقاضيًا من قضاتها، يحكُم حكمَ الدين على هذه الفلسفة، حكمًا شرعيًّا خالصًا لا للفلسفة فيـــه إلا بمقدار مــا تعلّـــــم العقل تمرّنه على الفهم الدقيق، لذا كان أوَّل سؤال يضعه ابن رشد هو: ما حـكم الفلسفة في الشريعة؟ هــــــــل هي مباحــــة؟ أو بهـــا؟ أو منهي عنها؟ وإذا كانت مأمورا فهـــل الأمــر بها على وجـــــــــه الوجوب؟ أو الندب؟ وإذا كانت منهيًّا عنها فهل النهي عنها على سبيل التحريم؟ أو الكراهة؟

هـــــذه أوَّل خطــوة يخطوها ابن رشــد لكي يبيح لنفسه أن يأوّل الشّرع حسب قوانيــن المنطق ومذاهب الفلسفــة، ولا شكّ أنه ليس من وسيلة لنحكم على الفلسفة في عصــــــره غير الشرع لأن القانون الــذي يحكــــم به في الإسـلام هـو قانون الشريعة، فهـــل التفلسف مــا يجيزه الشّــرع؟ لا بـدَّ أن يحكم ابن رشـــــد على التفلسف كما يحكم في البيع، والشراء والزواج والطلاق والربــا والخلـــع والرضاع والظهار والإيلاء وغيرهما.

وللإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من أن يعرف ما هي هذه الفلسفة؟ ومــا هو التفلسف؟ حتّـــى يتسنّى الحكــم للفلسفة أو عليها والقضاء للمتفلسف أو عليه. فيعرّف الفلسفة قائلا: ” فعل الفلسفة ليس أكثر من النظــــر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع أعني من جهة ما هي مصنوعات “. وبعد أن يحــــدّد الفلسفة حاصرًا فعلها في عمليتي النظر والاعتبار، وحاصــرًا موضوعها في الموجودات والمصنوعات، وموجدها أو صانعها، يحاول أن يبيّن موقف الشرع من النظــــر والاعتبار في المصنوعات والصّانع. فيقول: “الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات، فالاعتبار إمّـــا واجب وإمّــــا مندوب في الشّرع.  ويحتجّ على ذلك بقوله تعالى: “ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ “ ويعتبر ابن رشـد هذه الآية نصًّا على وجوب استعمال القياسين: العقليّ والشرعيّ، ثم يحتجّ بقوله تعالى: ” أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ “. ويعتبر هذه الآية نصًّا على البحث والنظر في جميــــــــع الموجودات لأنّـــه ” إذا كـــان الاعتبار ليس شيئــًا أكبر من استنباط المجهول من المعلوم”. ألم يكن الاستنباط خطّة، ونهجًا سيميولوجيًّا هو أساس قراءة النصّ؟

ويمكن الحديث في المتن الرشديّ عن بنيتين: “البنية السطحيَّة” و”البنية العميقة”. فعلى المستوى السطحيّ ندرس النصّ في ظاهره. أما البنية العميقة تتجلَّى في صعيدين منهجيين: الصعيد، ويتجسَّد في تصنيف قيم المعنى بحسب العلاقات أو التشكّلات، والصعيد الدلالي وهو سلسلة من الإجراءات للانتقال من قيمة إلى أخرى.

ويُعدّ المربع السيميائيّ، حسب گريماس، المولد المنطقيّ والدلاليّ الحقيقيّ لكل التمظهرات الفلسفيّة السطحيَّة عبر عمليّات ذهنيَّة ومنطقيَّة ودلاليَّة يتحكَّم فيها التضادّ والتناقض والتضمّن أو الاستلزام. ألا يمكن قراءة مفاهيم الاستنباط والقياس قراءة سيميولوجيّة استنادًا لما سبق ذكره؟

كمـا يقـول: والاستنباط يكون بالقياس إذن وجب التفلسف ووجب استعمال القياس. وإذا كنّــا لا نعرف القياس وجب أن نتعلّمه، ولمّا كان القدماء قد وضعوا القياس كان علينا أن نضرب بأيدينا على كتبهم  ونأخــــذ مـــــا كان صوابًا منها، وننبذ ما ليس بصواب وننبّه عليه،  ثمّ نشــرع في الفحص عن الموجودات وقد حصــلنا على الآلة (أي علم المنطق)، وهكذا ينتهي ابن رشد إلى أنّه “يجب على المؤمن بالشرع الممتثل أمــــره بالنظر في الموجودات، أن يتقدّم قبل النظر، فيعرف هذه الأشياء التي تنــزل من النظر منزلة الآلات مـــــن العمل”؛ يعني بذلك المنطق. وكما يستنبط الفقيه من قوله تعالى : “فاعتبروا” وجوب معرفة القياس الفقهيّ،  فأحـــرى  بالعارف بالله أن يستنبـــط منه  وجـــوب معرفة القيـــاس العقليّ، وإذا كان القيـــاس  الفقهيّ ليس بدعة مع أنّه لم يعرف عند الصدر الأوَّل، فكذلك القياس العقليّ لا يكون بدعة.

استطيقا التشريح الرشديّ:    

بعد أن يثبت ابن رشـــد أنَّ النظــر في الموجودات واجـــب بالشرع، وأن المنطق أداة للنظـــر لا بُدَّ منها، يضــع سؤالًا آخر ليجيب عنــه؛ وهو هل يجـــوز النظر في كتب القدماء التي فســـّروا فيها الموجودات ؟  والجواب عن هذا السؤال أنه يجب النظر في هذه الكتب و”مـا كان منها موافقًا للحقّ قبلنـــاه وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان غير موافق للحـقّ نبّهنا عليه وحذّرنا منــه وعذرناهم.” والنظـــر في كتب القدماء واجب بالشّرع إذا كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصــد الذي حثّنا الشّرع عليه ومـــن نهى عـن النظر فيها من كـــان أهلا للنظر فيها فقد صدّ الناس عن البـــاب الذي دعــا الشّرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدّي إلى معرفته حقّ المعرفة وذلك غاية الجهل والبعــد عـــن الله.

استطيقا التوليف بين الفلسفة والشريعة:

“وإذا كانت الشّرائع حقّــا حقـــل وداعية إلى النظـــر المـؤدّي إلى معرفة الحــقّ، فإنّا معشــــر المسلمين نعلـــم على القطع انّه لا يؤدّي النظـر البرهانيّ إلى مخالفة ما ورد به الشّرع فإن الحقّ لا يضــادّ الحـــقّ بل يوافقه ويشهد له. والحكمـة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة. وهما المصطحبتــان بالطبع المتحابّتان بالجوهر والغريزة. “والــرّأي في الشّريعة الذي أعتقـد أنَّه مخالف للحكمة، هو رأي إمّا مبتدع في الشّريعة لا مـــن أظلها، وإمّا رأي خطأ في الحكمة أعني تأوّل خطأ عليها كما عرض في مسألة الجزئيات”. وهـــذا رأي ابن رشــد في الفلسفة والشّريعــة والعلاقة بينهمـــا، فموضوع الفلسفة وموضوع الشّريعة واحد والغاية التي يقصدانها غاية واحدة، فكــلٌّ منهما ينظر في الموجودات لمعرفة الصنعـــــــة فيهـــا للوصول إلى معرفة الصانع “من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع، ومن لا يعــــــرف المصنوع  لا يعـــرف الصانـــع” ، وآلة هـــذه المعرفة هـي القـياس البرهانيّ. ومـــا ينتهي إلـيـه البرهــان لا يمكـــن أن يخالف الشريعة وإذا حسب الحاسبون وظــنّ الظانّون، أن نتيجة القياس البرهانيّ تخالف الحكمة فذلك خطـــأ على الفلسفة أو خطــأ على الشريعة أو جهـــل بالشريعة والحكمــة. هذا رأي ابن رشد في العلاقة بين الحكمة، والشريعة، مع تسليمه بأن الشريعة جـــاءت عن طريـــق الوحي الإلهيّ على النبي الأمّي عليه الصلاة والسلام. ولكنه حين يحاول أن يستدلّ على النبوّة والوحي، ينتهي إلى أن العقل عاجـــز عن البرهنة على إثبات الرسالة.

استطيقا البرهان:

إذا تأمَّلنا الموجودات بحسب النظــر البرهانيّ، أو بحسب النظر في كتب القدمــاء التي بحثــــوا فيها الموجودات ننتهي من هذا وذاك إلى نتائج لا تخلو حالها بالنسبة لما جــاء به ظاهر القرآن من ثلاثة أحوال:

  • ما انتهى إليه البرهان لم يذكره الشّرع فلا تعارض بينهما.
  • ما انتهى إليه البرهان ذكره الشّرع كما أدّى إليه البرهان فلا كلام إذن.
  • ما انتهى إليه البرهان ذكره الشّرع على غير ما أثبته البرهان.

وفي هـــــذه الحالة الثالثــة فقط يصبح التأويل ضروريًّا، ويجب أن نؤوّل الشّـــرع ولا نحمله على ظاهره “إذ لا يؤدّي النظر البرهانيّ إلى مخالفة ما ورد به الشّرع، فإن الحــقّ لا يضادّ الحقّ. ” و”نحــــن نقطع قطعا، أنّ كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهــر الشّرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل العربيّ، وهذه القضيَّة لا يشكّ فيها مسلم، ولا يرتاب فيها مؤمن “.

من هذا الكلام نــدرك أنّ التأويل ضرورة اقتضتها الفلسفة واطّلاع المسلمين على معرفــــــــــة صادرة عن النظر البرهانيُّ في الوجود، لا عن الوحي والاطّلاع على كتب القدماء التي دوّنوا فيهـــــــــــا فهمهم للوجود والموجودات اعتمادًا على العقل والتجربة على الاستقراء والاستنتاج.

وهكذا بعد أن أثبت ابن رشـــد، أنَّ الفلسفة والمنطق وعلوم القدماء أمور حثّ عليها الشّرع بـــل أمر بها، يعود إلى القرآن يؤوّله حسب ما أدّى إليه النظـــر البرهانيّ، لأن ما أدّى إليه حقّ، وما جاء بــــه الشّرع حقّ، وهذا الشّرع الحقّ قد أمر بالنظر والاعتبــار أي بالقياس البرهانيّ والتفلسف، فلا تعارض إذن بيـن البرهــان وما نجــم عنه وبين الشّـــرع وما جاء به، فإذا انتهى بنـــا البرهـان إلى إدراك شيء وكان ظاهر القرآن مخالفا له وجب أن يؤوّل ما جاء به الشّرع. فما هو التأويل أصلا؟

التأويل فنًّا رشديًّا:

عندما يطرح سؤال مــا هو التأويل عند ابن رشد؟ نتمثَّل الاجابة صراحة في القول الرشديّ التالي:”معنى التأويل هو إخراج دلالة اللفــــــــظ من الدلالة الحقيقيَّة إلى الدلالة المجازية من غــير أن يخلّ في ذلك بعادة لسـان العرب في التجوّز مـــــــن تسمية الشيء بشبيهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غــير ذلك من الأشـياء، التي عدّدت في تعريـــف أصناف الكـــلام المجازيّ” ففي الشــّرع ألفـــاظ يـــدلّ على معنـــاها الحقيقيّ في اللغــة، لكنها لا تــدلّ على  المقصـود بها في الشّرع، وإنما تدلّ عليه بالمجاز أو الكتابة أو التخييل  أو الرمـز والبرهان هو الـــــذي يكشف لنا عن المقصود الحقيقيّ بهذه الألفاظ،  ولهـذا يجب أن يؤوّل هذا الظاهر  في الشّرع بما وصــل إليه البرهــان، وبعبارة أخرى نجـــد في الشّرع ألفاظـًا لها مدلول خاصّ قصده الشّـــرع  لكن ظاهرها لا يفهــم منه هذا المعنى الحقيقيّ في الشّرع، ولهذا يجب أن ننقل هذه الألفاظ إلى ما قصده الشّـــــــرع، لكنّ هذا التأويل لا ينبغي أن يكون تحكّميًّا بحيث نؤوّل كما نشاء ونريد، بل علينا أن نتّبــع قانون التأويل وهو اتّباع قواعد اللسان العربيّ في التجوّز، بحيث لا نخلّ لعادة العرب في ذلك”.  وإضافة لذلك، وباعتبار التأويل يرتبط بالمنهج والأسلوب: ما هو منهج هذا التأويل؟ ومَن هو المُأوّل؟ وما هو المؤوَّل أصلا؟ ولمن يكون هذا التأويل؟ وهل يصرَّح به لجميع الناس؟ كل هذه الاسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا الجزء من البحث. أثبتنا أن النظـــر في الموجودات نظـــر قياسي برهاني،  وكذلك النظــر في كتب القدمــاء التي عرضـوا فيها لبحــث الموجودات بطريقة القياس البرهانيّ تؤدّي بنا إلى إدراك أمور قد يخالفها ظاهـــــر النصوص الدينيَّة، وعندئذ يكون هـذا الظاهر ليس مقصود الشّرع بل المقصود هو البــاطن، ويكون المـراد هو المعنى الذي قصده صـــاحب الشّريعة وواضعها . ويعلـّل ابن رشــد ورود نصـوص في الشـــّرع ذات ظـاهر وباطن قائلا: “والسبب في ورود الشّرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتبايـــــــن قرائحهم في التصديق”، والسّبب في ورود الظواهــر المتعارضة فيــه هو تنبيه الراسخين في العــــــلم على التأويل الجامع بينهما. ويقول أيضـًـا: “نقل عن كثير من الصـدر الأوَّل، أنَّهم كانوا يرون أن للشّرع ظــاهرًا وباطنًا، ليس يجب أن يعلم بالباطــن من ليس من أهل العلـم به ولا يقدر على فهمه و متى كـان الحكم في الغائب غير معلــوم الورود في الشاهــد، فالشّرع يزجر عــن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهـور حاجــة إلى معرفته مـثل العلم بالنفس، أو يغرب لهم مثالا من الشاهد، إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم”. ففي الشّرع ظاهــر وباطن والسّبب في ورودهمــا فيه اختلاف فطر الـــناس وتباين قرائحهم في التصديق و تنبيه أهل العلم، والسّبب أيضا أن الشّرع تحدّث عن أمور لا وجـــود لها في الشاهد فضـرب أمثالها ورمـــز إليها رمزًا لأنــَّه لو صـــرّح بها لما فهمها النــاس، فالأشيـــاء الخفيّة التي لا تـــدرك إلاّ بالبرهــان تلطّف الله بعباده الذين لا يقـدرون على الاستدلال البرهانيّ سواء من قبل الفطرة والعــــادة، أو عدم التعلّم فضــرب لهم أمثالها. يقول ابن رشـــد: ” انقسم الشّـرع إلى باطن  وظاهر. الظاهر هو المثال والباطن هو المعاني.”

إثبات التأويلات البرهانيَّة في كتب الجمهور:

إذا كـــان التأويل حقّا من حقوق أهل البرهان، وواجبًا يفرضه عليهم الشّرع وما أوتوه مـــــــن الفهم والعقل، فمن هم هؤلاء العلماء، الذين يعدُّون من الراسخين في العلــم، الذين آتاهم الله من فضله علما يمكّنهم من معرفة غوامض كلمته وأسرار حكمته. هــؤلاء هم الذين عناهم الله بقوله:”والراسخون في العلم”.

هـــؤلاء هم الذين يرتفعون على الجمهور فيخرجون من حــــدود ما يدرك بالحسّ، ومـــا لا  يُفهـــم إلا في حدود المكان والزمان، ويرقون على مـــا يدرك على وجه المخيلة، ويقدرون على تصوّر الوجـــود العقلي، والذاتيّ للشيء دون باقي وجوداته الأخرى وهي الحسيّ والخياليّ والشبهيّ، هـــــؤلاء العلماء في نظر ابن رشد هم من توفّر فيهم الشروط الآتية: “ذكاء الفطرة، ومعرفة الأوائل العقلية، ووجه الاستنباط منها، والعدالة الشرعيّة، والفضيلة العلميّة والخلقيّة، والقراءة بترتيب، وأخذ العلم عن معلّم.

ويرى ابن رشد بأن هـــذا الصنف من الناس هو الذي يقـــدر على التأويل، وهـو الذي لا يحـــقّ لأحد أن يمنعه من التأويـــل  وينهاه عنه، ومن يفعل ذلك فإنــه يصـــدّ عن الشّرع وما يدعـو إليه، ويظلـم أفضل أصناف الناس. وإذا زلّ من زلّ من هؤلاء أو أخطـــأ، فإنما يــــزلّ من قبل نقص في الفطـــرة أو في العدالة الشرعيـّـة والفضيلة الخلقيّة والعلميّة أو من قـــبل سوء الترتــــــيب نظره أو  بسبب غلبة شهواته أو لأنه لم يجـد معلّما يرشده إلى فهم ما فيها.

التأويل بما هو طريقة:

والآن وقـد تبيّن أنَّ النـــاس صنفان خاصّة وعامَّــة، جمهــور وعلماء برهانيّون، وأنَّ الشـــرع جاء لهؤلاء جميعا، وأنَّ الغرض منه بالنسبة للجمهور والعامَّة هو العمل، وأن الغرض منه بالنســبة للعلماء هو العلم والعمل معا، وأن الشرع جـاء لإقناع الجميع من غير إغفال الأقل بعد أن تبيّن كل هذا، فبماذا تمتاز طريقة الشّرع  لتعليم الناس ما يعلمون وما يعملون ؟

تمتاز هـــذه الطريقة الشرعيَّة أوَّلًا بأنها تشمـل التصوّر والتصديق والعلم والعمل للجميع فهـــي تخاطب أصناف الناس جميعا، الخطابيِّين، والجدليِّين، والبرهانيِّين، وهـــذه الطرق المشتركة بين جميع الناس هي التي تثـــبت في الكتاب العزيز فقط، وهي مشتركة للجميع، وإذا أردنا أن نمحو ما أصــــاب الشريعة من البـــدع فلنعمد إلى الكتاب العزيز ولنلتقـــط الاستدلالات الموجودة فيه في شيء وننظـــر إلى ظاهرها دون تأويل ما أمكن، إلا إذا كان التأويل ظاهرًا بنفسه، أعني ظهورًا مشتركًا للجميع.  وتمتاز أقاويل القرآن بأنها، أوَّلًا، أتمّ إقناعًا، وتصديقًا، من ســـواها، وأكثر بساطةً، وثانيـًا، بأنهـا تقبل النصرة بحيث لا يؤوّل ما يقبل البرهـان منها إلا أوّلو البرهـان، وثالثًا، بأنها تنبّـــه أهل الحـــقّ على التأويل الحقّ، وهــذه أمـــور لا وجود لهـا في مذاهب المتكلّمين جميعا الأشاعرة والمعتزلة فطريـق الله وســـط ارتفع عن حضيض المقلّدين وتبسط عن تشغيب المتكلّمين، ونبّـه الخواص على وجـــــوب النظر التام في أصل الشريعة.

انقسام الأدلّة بانقسام الناس :

ينقسم الشـــــّرع إلى ظاهر وباطن؛ لأن طـرق الإقناع انقسمت إلى ثلاثة أقسام أولها: القيــــاس البرهانيّ، وهو يعتمد على مقدّمات يقينيَّة. والثاني: الأقاويل الجدليّة وهي التي تعتمد على مقدّمات مظنونة أو مشهورة،  والثالث: الأقاويل الخَطابيَّة، وهي التي تعتمد على مقدّمات مقبولة لدى العقل والعاطفة، ملائمة للحالة الحاضرة للمتكلّم، وفــنّ الخطابة أحد أنواع الجدل مؤسّس على الشعور أكثر من العقل الخالص، وهو يهدف إلى جعل المخاطب على شيء ما أكثر، من هدايته وتنوير عقله.

وإزاء هذه الأنواع الثلاثة، انقسم الناس إلى ثلاثة أصناف، فمنهم من لا يقنع إلا بالبرهـــان ومنهم من يكفيه القياس الجدلي لإقناعهم وآخــرون يكفي في حقّهـم القياس الخطابيّ. فكل واحد كمـــــا يقول ابن رشد يصدِّق بالقيــاس الذي يوافـق طباعه فالذي يصدِّق بالأقاويل الجدليَّة ليس في طباعه أكثر من ذلك.   والشّريعــة الإسلاميَّة دعت الـــناس جميعا فالنبي بعـــث إلى الأحمـــر والأســـود وذلك لتضمـن شريعته طـــرق الدعــاء إلى الله تعالى وذلك صريح في قولـــه تعالى: “ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ “.  فالناس بحسب أنواع القياس وأصناف الأدلّة ثلاثــــــــة أصناف: خطابيّون، وليس يوجد أحد سليم العقل يعرى من هذا النوع من التصديق وهذا الصنف مــــــن أهـل التأويل، وجدليّون، ســــواء أكانوا جدليين بالطبع أو العــادة، وبرهانيّون، وهم أهل التأويل اليقينيّ وهــم البرهانيّون بالطبع والصناعـة؛ أعني صناعة الحكمة وأهل البرهان هؤلاء هـــم الراسخون في العلم.  

لأن ابن رُشــــــد يختار الوقوف على قوله تعالى: “والرّاسخون في العلم”؛ لأنّهم لو كانوا لا يعلمون التأويل لمــــا كانت لهم مزية تصديق توجب لهم إيمانًا لا يوجــد عند غير أهـــل العلم، والله قد وصفهم بأنّهم المؤمنون به، ويحمل هذا على الإيمان بالبرهان وهو لا يكون إلا مع العلم بالتأويل فغير أهــــــل العلم يؤمنون، لكن إيمانهم بغير برهان.

أمّا غير أهل البرهان مــن الخطابيّين والجدليّين فهــم غير مطالبين بالاقتناع البرهانيّ، و لهــذا قلّل عليه السّــلام في السوداء إذا أخبرته أن الله في السمـاء أعتقها فإنها مؤمنة إذا كانت ليست مــــــــن أهل البرهان. فهناك إذن ظاهر لا يجوز تأويله وذلك أنه إذا كان الشيء معروفا بنفسه بالطرق الثــلاث فإنّــــه لا حاجة إلى تأويله ويحمل على ظاهره كالسعادة والشقاء للآخرين، والمنوال؛ لـــذا الصنف من الظاهـر كافـر. وهنــاك ظاهر يؤوّله أهل البرهان وحدهم ولو حملوه على ظاهره لكفروا، ولو أوّله غير أهـــل العلم لأدّى بهم ذلك إلى الكفر والبدعة. وهنـــاك صنف ثالث في الشّـــرع يلحقه قـوم بالظاهر الذي لا يؤوّل، ويلحقه الآخرون بالباطن الــذي يحلّ تأويله، ولا يجـــوز للعلماء حملــه على ظـــاهره لأنـــه عويص متشابه والمخطئ في تأويله معذور.

فهـذه أصناف النصوص الشرعيَّة بحسب التأويل، أحدهــا يحمل على ظاهره ولا يؤوّل أصــــلًا، وثانيها يؤوّله العلماء فقط، وثالثها مختلف في أمر يؤوّله بعضهم ويحمله آخرون على ظاهره. وهــذه الطريق تؤدّي بنــا إلى معرفة ما يقبــل التأويل وما لا يقبله في نظر ابن رشـــد وأساسها الأدلّة الثلاثة الخطابيَّة، والجدليَّة والبرهانيَّة. وللإشارة هنا، فلابن رشد طريـــق أخرى أساسها النظر في غاية الشّرع وما قصده من وضع الشريعة ومــــــا أراد أن يعلّمه للناس ويعملوه، فمقصد الشّرع في نظر ابن رشد هو العلم الحــقّ والعمل الحقّ والعلـــــم الحقّ هـو معرفة الله والموجودات، والسعادة والشقاء الأخريين. والعمل الحــقّ هو امتثال الأفعــــــــال المفيدة للسعادة، وترك الأفعال التي تجنّب تاركها الشّقاء، والعمل مــنه بدنيّ وهـــــو الفقه ومنه نفسيّ وهـــو الزّهـــد والتعليم تصوّر وتصديق، وطــــرق التصديق هي البرهان، والجـــدل، والخطابة، وطــرق التصوّر هي الشيء نفسه أو أمثاله. ومقصد الشّرع تعليــم الجميع، ولهذا وجب أن يشمــل جميع طرق التصديق والتصوّر لجميع الناس في العلم النظريّ، والعلم العمليّ بقسميه الفقه والزّهد.

ويسمّي ابن رشـد غير أهل البرهان جمهورًا فيقـــول: “أعني بالجمهور كل من لم يعن بالصنائع البرهانيَّة، سواء كان قـــد حصلت له صناعة الكلام أو لم تحصل له… إذ أغنى مراتب صنـــاعة الكـــلام أن يكون حكمه جدليَّة لا برهانيَّة، وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحقّ”.

هـذا الجمهور هل يصــحّ أن يصرّح إليه بالتأويل الذي لا يدركــه إلا أهل البرهان؟  يحــــــــــذّر ابن رشـــد في غير ما موضوع من التصريح بهذا التأويل  للجمــهور، ذلك لأن الجمهور لا يصـــــــــدّق بالشيء إلا من جهـــة ما يتخيّله أو مـــن جهة وقوعه في المكـــان ولا يرتفع إلى إدراك الأمــور المقبلـــة الخالصة، ولهذا يقال لهم لا يعلم تأويله إلا الله. والسبب الذي من أجله لا يصـــرَّح بتأويل أهل البرهـــان إلى الجمهور أن من يفعل ذلك يبطل الظاهر ليثبت  محلّه المؤوّل، ولما كـــان من المتعسّر إثبـات المؤوّل عند هـــؤلاء فإن التصريح لهم بذلك يبطل الظاهر ولا يثبت الباطن، ولهذا كان التصريح به كفرًا إن كـــان في أصلٍ من أصول الشّريعة.

خاتمة:

وبالجملة، أكثر التأويلات التي زعــم القائلون بها أنها المقصود من الشّرع إذا تؤمِّلت، وُجــدت ليس يقوم عليها برهان، ولا تفعــل فعل الظاهــر في قبول الجمهور لهـــا وعملهم عنهـــا.  فإن المقصود الأوَّل بالعِلم في حـــقّ الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل فهو أجـدرُ، وأمَّا المقصود بالعِلــم في حقّ العلماء فهو الأمران جميعًا؛ أعني العلم، والعمل.

وينتقد ابن رشـــد بعــد ذلك طريقة أبي المعالي في رسالته النظامية التي تقـــوم على أساس أن العالم بما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه، والجائز محدث والحـــدث له محدث خصّصه بأحـد الجائزين.

فيرى ابن رشد أنَّ المقدّمة الأولى  خطابيَّة  ظاهرة الكـذب في مثل كون الإنسان على غير خلقته الحاليَّة ومشكوك فيها في مثل كون الحركة الشرقيَّة غريبة أو العكس، وحــــال الإنسان مع هذه الأشياء كحال من نظر إلى المصنوعات وهــو لا يعرف الصانع فيسبق إلى ظنّه إنمـــا يمكن أن تكون بخلاف مـــا هي عليه مع صدور نفس الفعل عنهـــا فـلا حكمة في المصنوع. أمَّا الصانع ومن يشاركه في شيء مـــن عمله فهــو يـــرى في المصنوع شيئًا واجبـًا ضروريًّا ليكون أتم وأفضل. “والظاهر أن المخلوقـــات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع فسبحان الخلاق العظيم”. فالمقدّمة خطابيَّة تقنع الجميع من جهة لكنها كاذبة ومبطلة لحكمـــة الصانـــع الخالـق، لأن الحكمـــة هـــي معرفــــة أسبـــاب الشيء. “فـــإن انعدمت الأسبــاب انعدمت الحكمـــة.” والمقدّمة الثانيـــة وهــي قولـــه الجائـــز محـــدث ليست بيّنـــة بنفسها، فأفلاطون أجاز أن يكون شيء جائز أزليًّا، وأبو المعالي يرى أن الجائز حادث لأنـه لا بدّ له من مخصص والمخصص لا بُدّ لـــه من أن يكون مريدًا، والموجـــود عن الإرادة حـادث فالجائــــز حـــادث، والعالم في موضعه ممـاثل لكونِـــه في موضع آخر فهو قد خلق عن إرادة، والقول بأن الإرادة لا يكون عنها إلا أمر محدث غير بيّنة، فالإرادة التي بالفعل، والفعل من المضاف، فإن كانت حادثة فالمراد حــادث وإن كانت قديمــة فالمراد قديم، والإرادة التي بالـــقوَّة تصبح على نحو من الوجود لم تكن عليه حين يحزم مرادها.

جديدنا