التنويريفكر وفلسفة

العلاقة بين الإنسان والإله في فلسفة مارتن بوبر 

فلسفة "الأنا والأنت": كيف يُعدّ العالم والآخرون طريقاً للوصول إلى الله؟

إن الأنا حين يحب الأنت الأبدي Toi Éternel فإنه عندئذ لا يستطيع أن يرى أي شيء خارج الله، بل هو يستوعب كل شيء – بما في ذلك العالم – داخل ذلك الأنت. ومعنى ذلك هو أن الإنسان لا يملك الوصول إلى الله بالعمل على تجنُّب العالم أو تحاشيه، أي إنه مضطر إلى الاعتراف بأن العالم أيضا يوجد في الله. فليس ثمة شيء منفصل أو قائم بذاته، سواء كان أرضا أو سماء، أشياء أو كائنات، بل الكل متضمن في تلك الرابطة أو العلاقة المطلقة. يقول بوبر Martin Buber: «وكما أن المرء لا يجد الله إذا بقي داخل العالم، فإنه أيضا لا يجد الله إذا خرج من العالم. وأما ذلك الذي يمضي بكل جوارحه نحو لقاء الأنت، والذي يطوي في ثنايا تلك الأنت كل ما للكون من وجود، فهذا وحده هو الذي يجد الوجود الأسمى؛ ذلك الوجود الذي لا سبيل إلى البحث عنه».

يبدو، حسب صاحب كتاب «أنا وأنت»، أن الإنسان حين يفطن إلى ما في الأشياء من طابع قدسي، فهنالك لا بد من أن يلتقي بالإله الحي، وأما حين يحاول – الإنسان- أن ينصرف عن شتى الموجودات بحثا عن الله، فلن يجد إلا العدم. إن الإنسان الذي يمضي في طريق حياته محاولا دائما أن يتعمق كل علاقة، وساعيا باستمرار نحو الاحتفاظ بسكينته في صميم تعامله مع الأشياء، هذا النوع من البشر هو الذي بإمكانه أن يهتدي إلى الأنت الأبدي، لأنه يرى الأشياء في الله، ويعيد وضع العالم في إطاره الحقيقي.

لا يمكننا بمنطق بوبر أن نجد واقعة مغايرة لله يمكن أن نستخلص منها وجوده، أي لا يمكننا أن نستنتج أن الطبيعة أو التاريخ دليل على وجود الله، لأن الوجود الإلهي هو أكثر ضروب الوجود حضورا بالقياس إلينا، فهو وجود مباشر مستمر قريب منا دائما أبدا. ونحن نهيب بهذه الحضرة الإلهية في كل حين، ولكننا لا نستطيع أن نصفها أو نعبر عنها. والعلاقة بين الإنسان والإله، يقول بوبر، علاقة تعلق ورابطة واستقطاب «إنكـ في حاجة إلى الله لكي توجد، ولكن الله أيضا في حاجة إليك لكي يحقق بواسطتك معنى حياتك». ومعنى هذا هو أن الله يهبط إلى عالم الصيرورة لكي يخلع على العالم مصيرا إلهيا، فما دام هناك عالم وإنسان، وما دام هناك شخص بشري فلا بد من أن يكون هناك أيضا معنى إلهي. 

اعتقد البعض أن العالم يفصلنا عن الله وأن الحقيقة لا تنكشف إلا في أعماق الذات، ولكن لابد من التأكيد على أن الوصول إلى الله يمر عبر العالم والآخرين. وكل من لم يعرف كيف يحب العالم بكل ما فيه من فظائع، فإنه لن يستطيع أن يلامس بيديه تلك اليدين الإلهيتين اللتين تساندان هذا العالم. يقول بوبر: «إن الذي يمضي بحق إلى لقاء العالم، إنما يمضي في الوقت نفسه إلى لقاء الله». وبعبارة واضحة، إن الله لا ينكشف للمقتصر على التأمل وينصرف إلى التعبد، بل هو ينكشف لذلك الذي يعمل في العالم، محاولا أن يحقق عمليا ذلك المعنى الإلهي للعالم. وتبعا لذلك، فإن حب الإنسان لله يعني الاضطلاع برسالته في العالم، والعمل على تحقيق مقصده الأسمى في دنيا الناس. 

وباختصار، حين يأخذ الإنسان على عاتقه مسؤولية المسار الكلي للأشياء، ومسؤولية المصير العام للأفراد، فهناك فقط يكون في وسعه أن يشعر بالصلة الروحية العميقة التي تربطه بالله. إنه حين يوثق الإنسان عرى المحبة بينه وبين غيره من الموجودات الأخرى، فهنالك يكون في وسعه أن يتلاقى مع الله.

ونسأل فيلسوفنا في الأخير، قائلين: إذا كان الله حاضرا حضورا مباشرا أمام النفس البشرية، فكيف يكون العالم وساطة بين الإنسان والإله؟ ومهما يكن من أمر، فلَعَلّ من بين أفضال، الفيلسوف النمساوي، مارتن بوبر على التفكير الديني أنه قد حصر الحب الإلهي في نطاق العالم فجعل من صلة الأنا بالأنت الإلهي صلة إيجابية فعالة تقوم على تحقيق رسالة الله في دنيا الناس.

المرجع: زكريا إبراهيم، مشكلة الحب، مكتبة مصر.


رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى