
تُمثّل رواية «شهياً كفراق» للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي- والصادرة عن دار نوفل (هاشيت أنطوان، 2019)- محطة استثنائية في مسيرتها الإبداعية؛ فهي لم تأتِ كإصدار عابر، بل كانت بمثابة إعلان عودة مباغتة وقوية إلى الساحة الأدبية بعد سنوات من الانقطاع السردي والغياب الاختياري. ومنذ الاستهلال، يدرك القارئ أنه أمام نص وُلد من رحم “الصمت”، حيث تخاطب مستغانمي قراءها بلغة المعتذر عن غياب طال؛ مؤكدة أن هذا العمل هو محاولة منها لاسترداد “كلماتها” التي صادرها الانكسار العاطفي(*).
وعند التعمق في قراءة المحتوى، يلاحظ القارئ بأن أحلام مستغانمي في هذه الرواية لا تكتب قصة حب، بل تشيد معماراً من الشظايا فوق أنقاض خيبة عاطفية، محولةً فعل الكتابة من مجرد ترف أدبي إلى عملية استرداد سيادية للذات؛ حيث تُفكك الحبكة التقليدية لتمنح الذاكرة حقها في التشتت، وتستبدل الزمن الخطي بـ “زمن شعوري” يتأرجح بين وجع الاسترجاع وأمل الاستشراف.
إنها الرواية التي جعلت من “الرجل المجهول” بطلاً شبحياً، لا لكي تخلده، بل لتمارس ضده “قتلاً معنوياً” بالكلمات، معيدةً إياه إلى حجمه الحقيقي، ككائن ورقي مسلوب السلطة، بينما تُولَد الكاتبة من جديد كـ “سيدة” لنسيانها.
إن “الفراق الشهي” هنا ليس مجرد عنوان، بل هو قرار كبرياء يحول الهزيمة إلى انتصار جمالي، فتصبح الكلمات هي الجسر الوحيد الذي تعبر به الذات من عتمة الصمت إلى ضياء الحرية، و يحول توابع الهزة الأرضية للحب إلى سيمفونية أدبية مكتملة الأركان. إنها شهية الحياة بعد التخلص من عبء الذاكرة، وشهية العودة إلى عشق الكلمات- الذي تعتبره الكاتبة أبقى وأصدق من عشق الرجال.
الرواية في جوهرها هي رحلة من “جوع الحرمان” إلى “شبع الاستغناء”.
وفي هذه المقاربة النقدية سوف نحاول أن ندخل إلى بعض تلك العوالم الخفية في الرواية، وأهمها:
أولاً، تدمير الخطية السردية، وتفكيك الحبكة:
وتُعد التقنية الأبرز في رواية أحلام . فبينما تقوم الرواية الكلاسيكية على تسلسل منطقي للأحداث (بداية، صراع، عقدة، حل)، نجد مستغانمي- هنا- تدمر هذا البناء لصالح ما يمكن تسميته بـ “السرد المفتت”.
الرواية لا تحكي قصة حب بمسار زمني صاعد، بل تسرد “توابع الهزة الأرضية” التي خلفها الفراق في نفس البطلة. هذا البناء الفسيفسائي يعتمد على تجميع “شظايا” من المشاعر والرسائل والخواطر، لا يربط بينها حدث درامي خارجي، بل يربطها خيط داخلي، نفسي، هو محاولة التحرر من سطوة الذاكرة .
إن غياب الحبكة المترابطة هنا ليس عجزاً فنياً، بل هو اختيار واعٍ، يعكس حالة التشتت التي يعيشها الإنسان بعد فقدان الحب، فيصبح العالم عبارة عن ذكريات مبعثرة لا يجمعها سياق زمني واحد .
ثانياً، المفارقات الزمنية:
وظفت مستغانمي تقنيات الزمن ببراعة لتعويض غياب الحكاية المتسلسلة، معتمدةً على قطبي الاسترجاع، والاستشراف.
فأما تقنية الاسترجاع فتهيمن على النص من خلال “الرسائل التي لم تصل إلى أصحابها”. هذه الرسائل تعيد القارئ باستمرار إلى لحظات الخذلان، وتستحضر مواقف من الماضي لغرض “محاكمتها” معنوياً.
كما يبرز الاسترجاع في دمج الكاتبة لمقالات قديمة وذكريات سيروية شخصية، مما يجعل الماضي مادة خام لترميم الحاضر.
في المقابل يظهر الاستشراف كقوة دافعة نحو “الشفاء”. فالعنوان نفسه، “شهياً كفراق”، يمثل وعداً استشرافياً بأن الفراق سيتحول من ألم مرّ إلى تجربة جمالية محررة. فالكاتبة تستشرف حالتها المستقبلية حين تشفى بالكلمات، وتَعِد قراءها بامتلاك كبرياء جديد يولد من رحم الانكسار. هذا التذبذب بين استعادة الماضي واستبصار المستقبل يخلق زمناً نفسياً يحل محل الزمن الخطّي.
ثالثاً، جوقة الأصوات:
البطل المجهول، واستحضار الأبطال “الورقيين”
في خطوة جريئة نحو الرواية الحديثة، تقوم مستغانمي بتفكيك مركزية البطل، فتجعل منه الحاضر الغائب، إذْ تصرّح الكاتبة بأن “بطل هذا الكتاب هو رجل مجهول”. هذا التجهيل المتعمد يحول الرجل من شخص ذي ملامح محددة إلى “مفهوم” أو “شبح” يحرك بوح الكاتبة دون أن يظهر كفاعل حقيقي في الأحداث. فهو موجود بصفته “المرسل إليه”، وبصفته الدافع للكتابة، لكنه يظل مفرغاً من الاسم والصفات المادية. وكما جعلت مستغانمي من البطل شبحاً، او مفهوماً، يحرك بوحها، فكذلك فعلت مع أبطال رواياتها الورقيين السابقين، كـ”خالد بن طوبال” ، و”حياة” اللذين رسمتهما في رواية “ذاكرة الجسد” ، باستحضارهما، والتحاور معهما، وكأنهما شخصان حقيقيان في ذاكرتها؛ معبرة عن رغبتها في إعادة النظر في أقدارهم الورقية.
هذا الاستحضار يكسر الجدار الفاصل بين الواقع والخيال، ويجعل من شخوص الرواية “هامشاً” يتفاعل مع “مركز” النص (ذات الكاتبة)، مما يعمق البعد الميتا-سردي للعمل.
ولم تكتفِ مستغانمي بشخوصها الورقيين، بل تداخلت في تناص إبداعي استدعت فيه أعلاماً كباراً ليكونوا شهوداً على نصها؛ فاستشهدت بـ “نزار قباني” ورؤيته للمبدع . وتحاورت مع إرث “غسان كنفاني” و”غادة السمان”، واستحضرت قامات مثل “محمود درويش”، و”مظفر النواب، و”أنسي الحاج”. ومثل هذا الحوار المتناصص يخرج الرواية من إطار الوجع الشخصي ليدمجها في ذاكرة إبداعية جمعية، حيث تجد الكاتبة في كلمات هؤلاء الكبار مرايا لانكساراتها وانتصاراتها على حد سواء.
رابعاً، “الميتا- سرد” والكتابة كفعل قتل معنوي
نستطيع أن نقول بأن “شهياً كفراق” تُصنف ضمن أعمال “الميتا-سرد”، أي الكتابة التي تتأمل في عملية الكتابة ذاتها. فالكاتبة لا تكتفي بتقديم نص أدبي، بل تَشرَح للقارئ كواليس هذا النص، وتستعذره على غيابها، وتوضح كيف أصبحت الكلمات وسيلة لـ “القتل المعنوي” للحبيب، لكي يولد من جديد كبطل ورقي مسلوب السلطة. وهنا يصبح فعل الكتابة هو “الحدث” الروائي الأهم. إذْ الدراما لا تكمن في لقاء الحبيبين أو فراقهما، بل تكمن في صراع الكاتبة مع لغتها، لاستعادة صوتها المفقود. إنها رواية تتحدث عن ولادة النص من رحم الصمت، وعن تحول الكاتب من ضحية للواقع إلى سيد على ذاكرته من خلال الحبر .
○ خامساً، تداخل الأجناس وتفكيك المركز السردي
يعكس العمل ما يمكن ان نسميه” الرواية الوعاء” التي تحتضن أجناساً أدبية متعددة، كالرسائل التي تمنح النص طابعاً حميمياً مباشراً، والخاطرة، والمقال، اللذين يسمحان للكاتبة ببث تأملاتها الفلسفية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بالوطن، و”الجزائر” تحديداً، وكأن وجع الفراق الشخصي لا ينفصل عن وجع الفراق الوطني. وهذا التداخل يؤدي إلى تفكيك المركز السردي؛ فلا يوجد موضوع واحد أو حبكة واحدة تسيطر على النص، بل هو تدفق شعوري يتوزع على قضايا الحب، الفقد، الحرمان، الذاكرة الجزائرية، والمسؤولية الأدبية تجاه القراء.
سادساً: منطق “الفراق الشهي” وفن النسيان
تصل الرواية إلى ذروة منطقها، وعمقها الوجداني في محاولة لقلب موازين الألم: فالفراق يصبح “شهياً” عندما يتحول إلى وسيلة لاستعادة الذات( الكاتبة هنا تدعو إلى الاحتفاء بالنهايات التي تمنحنا فرصة لبدايات أكثر نضجاً). أما النسيان فيصبح ترويضا للذاكرة، لا تغييباً لها، حيث تتحول الذكرى من قيد يدمي المعصم إلى قلادة تزين الروح. والكتابة تضحى هي الأداة التي تحول الفراق من حالة موت إلى حالة شهية، للحياة من جديد .
○ ونستطيع أن نقول- في نهاية المطاف- إن أحلام مستغانمي في “شهياً كفراق” قد وفقت في تقديم نموذج للرواية الأحدث، او (ما بعد الحداثة) التي لا تلتزم بأركان السرد الكلاسيكي، بل تبتكر معمارها الخاص من شظايا المشاعر، والمفارقات الزمنية. إنها رواية ترفض الحكاء المتسلسل، لتفسح المجال لـ “البوح المتدفق”، محولةً اللغة من وسيلة لوصف العالم إلى أداة لإعادة خلقه وترميمه.
وتأسيساً على ما نقول فإن هذا العمل يظل صرخة أدبية في وجه الغياب، واعترافاً بأن الرواية في العصر الحديث لم تعد مجرد حكاية تُروى، بل هي مغامرة يخوضها الكاتب والقارئ معاً في دروب الذاكرة والنسيان.
_____________________
(*) من المهم الإشارة هنا إلى أن “شهياً كفراق” لم تكن مِسك الختام في نتاج الكاتبة، بل كانت الجسر الذي عبرت من خلاله نحو استعادة ثقتها في فعل الكتابة؛ حيث تبعتها لاحقاً أعمال أخرى أكدت استمرارية تدفقها الأدبي، ومن أبرزها كتابها الأحدث «أصبحتُ أنت» وبذلك، لا تُقرأ هذه الرواية بوصفها الكلمة الأخيرة، بل بوصفها “بيان الانبعاث” من جديد بعد غياب .
هشام شمسان
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






