التنويريدراسات دينية

الكتابة عن الأديان بين ذاكرة المؤمنين والوثائق التاريخية

كيف نكتب عن الأديان؟ نحو منهج متوازن يجمع بين سلطة الذاكرة الإيمانية والنقد العلمي الحديث

تُعّد الكتابة في المجال الديني من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر الإنساني المعاصر نظراً لحساسيتها من حيث إثارة المُتديّنين من جهة، واختلاف مناهج الكتابة تحليلاً، وتفسيراً، وتأويلاً، وتأريخاً من جهة أخرى، فبين من يرى أنّ الحقيقة الدينيّة حُفظت جيداً داخل الذاكرة الجماعية للمؤمنين، وانتقلت بسلام من الجيل الأول والآباء المُؤسِّسين إلى آخر جيل بلا تحريف أو تبديل أو تزوير، ومن يرى أنّ الحقيقة لا تُبنى إلاّ عبر المصادر التاريخية المادية، والنقد النصّي، والدراسات المقارنة، تبرز إشكالية الكتابة عن الأديان، هل تكون من الذاكرة الإيمانية للجماعة ؟ أم من خلال الوثائق التاريخية والنقد المقارن ؟

لا يمكن فهم أي دين خارج الجماعة التي حفظته، وبشّرت به، ونقلته عبر الأجيال، لأنّ الدين كظاهرة حادثة في التاريخ وإن كانت الوثائق ضرورية لتخليده، إلاّ أنّ الوعي الجماعي للمؤمنين به هو الذي يمنحه المعنى والحياة، فالمجتمعات تعيد باستمرار تشكيل تاريخها للحفاظ على هويتها الدينية والثقافية، ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال ذاكرة المؤمنين في المُتخيّل الديني، ولا اعتبار السرديات الدينية مجرد خرافات وأوهام جماعية، لأنّ الجماعات المؤمنة لا تنقل فقط الأحداث، بل تنقل أيضاً فهمها الداخلي لها، ولذلك فإنّ إقصاء الذاكرة الإيمانية من الكتابة عن الأديان يؤدي إلى إتلاف البعد الرمزي والثقافي الذي يمنح الحدث الديني قيمته، مع الإقرار أنّ هذه الذاكرة ليست معصومة من الانتقاء، فكل جماعة تميل إلى إعادة صياغة تاريخها بما يخدم هويتها اللاهوتية والسياسية والإثنية، وعليه فهي ليست المصدر الوحيد للحقيقة.

أما بالنسبة لقضية وصف الروايات الدينية بالخرافات، وهذا نتيجة غلبة العقل العلمي المادي على الفلسفات الحديثة، وهو ما أدى إلى ارتفاع موجة التيارات الأيديولوجية المعادية للأديان والساخرة منها، وإن ارتدت لباس الفكر والبحث العلمي، وبالمقابل وكرّد فعل، ارتفعت أيضاً موجة التيارات الدينية الأصولية للأديان الكبرى في العالم وممارساتها الوجودية (العنف المقدس) … ولعّل الإشكال يكمن في الخلط بين الخرافة واللامعقول الديني.

من السذاجة وصف كل فكرة دينية غير قابلة للفهم بالخرافة، كما أنّ كل خرافة ليس من الضروري أن تتحوّل إلى دين، أو بتعبير آخر، فإنّ اللامعقول الديني هو ذلك البعض من الدين وليس كله، والذي يعجز العقل عن تفسيره بالكامل أو البرهنة عليه (الحياة بعد الموت، الملائكة، الوحي، المعجزات، الجنة والنار …)، فهو بناء فكري إيماني/رمزي قد يتصادم مع العقل النقدي، ولهذا أنتجت الأديان علم الكلام/اللاهوت والفلسفة والتأويل للمواجهة والصمود، عكس الخرافة التي تنتمي إلى عالم الخيال الشعبي، أي تلك الحكايات الناتجة عن الجهل والخوف والعواطف والضغوط النفسية (التصديق أنّ رقماً محدداً يجلب النحس والموت، أو أنّ شبحاً يسكن قط …)، فهي كل ادعاء يناقض الواقع، ولا يحمل أي أساس معرفي أو رمزي.

أما في مقابل مركزية الذاكرة الإيمانية، ظهر اتجاه آخر يرتكز في كتابته عن الأديان على الوثائق المادية والمصادر الخارجية مثل النقوش، والعملات، والبرديات، والمخطوطات القديمة، وكذلك على منهج مقارنة الروايات الدينية بالمصادر المعاصرة  لها من خارج الجماعة المؤمنة، إلاّ أنّ إنكار كل رواية دينية لا تدعمها وثيقة أثرية مادية هو نزعة تفكيكية متطّرفة، حيث غياب الدليل ليس بالضرورة دليلاً على الغياب.

في الأخير، وبعيداً عن الصراع بين سلطة ذاكرة المؤمنين التي ترى في نفسها حارسة الحقيقة المقدسة والمدافعة عنها، وسلطة النقد العلمي التي تهدف إلى تمرير كل شيء تحت مجهر التشكيك والفحص والمراجعة، اعتقد أنّ مستقبل الدراسات الدينية لا يكون بانتصار أحد المعسكرين، بل في بناء منهج قادر على الجمع بين احترام التجربة الدينية، والاستفادة من أدوات البحث العلمي الحديث.

العفيفي فيصل


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

العفيفي فيصل

الصفة: أستاذ التعليم الثانوي للغة الفرنسيَّة. البلد: الجزائر. الكفاءات: طالب دكتوراه في أصول الدين (جامعة تلمسان/ الجزائر) + شهادة الماستر في اللغة الفرنسيَّة (جامعة عين تموشنت/ الجزائر) + شهادة الدراسات التطبيقيَّة في القانون (جامعة التكوين المتواصل/ الجزائر). الإنجازات: كتاب "تصّور السببيَّة بين المدارس الكلاميَّة الكلاسيكيَّة والفكر الإسلامي المعاصر".

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى