التنويريمكتبة التنويري

قراءة في كتاب “الفقيه لي نتسناو براكتو”: نقد جريء لتناقضات الخطاب الديني المعاصر

كيف يُشرح عبد العزيز سعدي أزمة الخطاب الديني وفقه التحريم في مواجهة الحداثة؟

في واقع تتسارع فيه وتيرة التغيرات الاجتماعية والعلمية، يبرز التساؤل الملح حول دور الخطاب الديني وقدرته على مواكبة مستجدات العصر. وفي هذا السياق، يأتي الإصدار الجديد للكاتب والباحث عبد العزيز سعدي تحت عنوان “الفقيه لي نتسناو براكتو” (الطبعة الأولى 2026 )، ليقدم قراءة نقدية جريئة وتشريحاً عميقاً لعقلية بعض رجال الدين المعاصرين.

يستمد الكتاب عنوانه من المثل المغربي الشهير “الفقيه اللي نتسناو براكتو دخل للجامع ببلغتو” ، ليحيل القارئ مباشرة إلى خيبة الأمل المجتمعية في فئة من الشيوخ والدعاة الذين يُفترض فيهم تقديم النصح والتنوير، فإذا بهم يغرقون في التناقضات، ويعادون الحداثة، ويشغلون الناس بسفاسف الأمور.

هذا المؤلف الذي يقع في 176 صفحة ، ليس كتاباً في الفقه التقليدي، بل هو “كتاب عن الفقهاء” ، أو بالأحرى كشكول نقدي يرصد شطحات بعض المنتسبين للدعوة، ويفكك آلياتهم في التأثير على الجماهير وتسطيح العقول

أبرز القضايا التي يفككها الكتاب

يتوزع الكتاب على فصول ومقالات ترصد وقائع حية وفتاوى متداولة، ويعالجها الباحث بمنهج عقلاني ونقدي يكشف العوار الفكري لتيارات التشدد، وتتمركز أهم قضاياه حول المحاور التالية:

  • تفكيك “فقه التحريم” والازدواجية في المواقف: يسلط المؤلف الضوء في فصل “فقه التحريم” على هوس بعض الدعاة باستصدار أحكام المنع والتحريم في كل تفاصيل الحياة اليومية. كما يعري الكتاب الازدواجية الصارخة في مواقف هؤلاء، مورداً مثالاً صارخاً حول فتاوى “التطبيع” ؛ حيث قد يُصدر الفقيه فتوى تُجيزه عبر القنوات الرسمية بدعوى درء المفاسد، ليُصدر في جلساته الخاصة لأتباعه فتوى نقيضة تماماً تعتبره خيانة.
  • الصدام المفتعل مع العلم والحداثة:من أبرز تجليات “الشيخوخة الفقهية” التي يناقشها الكتاب، هي معاداة العلوم التجريبية. يستعرض الكاتب كيف يُنكر بعض الشيوخ الحقائق العلمية البسيطة، مثل اعتبار “زلزال الحوز” مجرد “عقاب إلهي” ورفض التفسير الجيولوجي والطبيعي للظاهرة، أو التشكيك في جدوى الإجراءات الاحترازية إبان جائحة كورونا واستبدالها بتفسيرات غيبية.
  • المرأة.. الحلقة الأضعف في مرمى نيران الفتاوى: يفرد الكتاب مساحة هامة لرصد “التنمر الديني” والمجتمعي الذي يمارسه المتشددون ضد المرأة. ويتتبع تناقضاتهم ومغالطاتهم إبان النقاش العمومي حول تعديل “مدونة الأسرة” ، حيث وظف بعضهم الترهيب الديني ولغة الإقصاء، واستندوا إلى تلاعب بالمعطيات والأرقام لمواجهة أي محاولة تحديثية تنصف المرأة.
  • شيوخ “التريند” وتسطيح العقول: ينتقد الكاتب بشدة استغلال شبكات التواصل الاجتماعي لنشر ما يسميه “التدين الاستعراضي”. ويستعرض ظاهرة تناقل الأحاديث الموضوعة والأدعية المعلبة، وكيف يلجأ وعاظ العالم الافتراضي إلى أساليب الترهيب النفسي والمصادرة على المطلوب للسيطرة على عقول المتابعين.

لماذا ننصح بقراءة هذا المؤلف؟

يُعد كتاب “الفقيه لي نتسناو براكتو” دعوة صريحة للتفكير الحر وإعمال العقل. إنه يمثل صرخة تنويرية ضد الوصاية الدينية التي يحاول بعض المتفيقهين فرضها على المجتمع. عبر لغة سلسة تجمع بين السخرية اللاذعة والنقد الأكاديمي الرصين، يضع عبد العزيز سعدي الكرة في ملعب القراء والفقهاء المستنيرين على حد سواء ، مطالباً بمراجعة التراث بشجاعة، وتنقية الخطاب الديني من الخرافات، والمصالحة الحقيقية بين الدين وقيم العصر.


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى