الإنسان والضحك
قراءة فلسفية وسيكولوجية في ظاهرة الضحك: هل هو مجرد تسلية أم سلاح بشري لمواجهة الألم والتكيف مع الواقع؟

«قل لي مِمّ تضحك، أقُل لك من أنت» مارسيل پانيول.
«ما ضحكت لمشهد بشري زائل، إلا وكان ضحكي بديلا أستعين به على اجتناب البكاء»
يكتب «م. پانيول» Marcel Pagnol عن الضحك قائلا بأنه لا وجود له في الطبيعة، فالأشجار «لا تضحك، والحيوان لا يعرف الضحك، والجبال لم تضحك يوما… وإنما يضحك البشر، والبشر وحدهم! ولا يقتصر الضحك على الكبار، بل إن الأطفال ليضحكون، حتى قبل أن يكونوا قد تعلموا الكلام… فالضحك ظاهرة إنسانية، أو هو فضيلة قد اختص بها البشر؛ وربما يكون الله قد جاد بها عليهم، حتى يُعزّيهم عما لديهم من ذكاء وقدرة عقلية». ولعل الضحك كفن مبتدع من قبل الإنسان إنما يرتد كما يقول «نيتشه» Nietzsche إلى كونه «أعمق الموجودات ألما… وإذن فإن أكثر الحيوانات تعسا وشقاء، هي ـ بطبيعة الحال ـ أكثرها بشاشة وانشراحا».
يبدو أنه ليس من السهل فهم الضحك من حيث أسبابه أو غاياته. إنه ظاهرة معقدة تقتضي مقاربات متعددة؛ فلسفية، سيكولوجية، سوسيولوجية، فيزيولوجية، أخلاقية… ولكن سنحاول أن نلقي بعض الأضواء على بعض ما قاله الفلاسفة أو علماء النفس على الضحك بوصفه منحة وفضيلة إلهية، أو بالأحرى فنا ابتدعته البشرية لمواجهة ما في حياتها من شدة وقسوة وحرمان. فلِمَ نضحك؟
يرى «مارسيل پانيول» صاحب «ملاحظات حول الضحك» أنه «ليس ثمة مصادر للهزل في الطبيعة، وإنما المصدر الوحيد للهزل كامن في الشخص الضاحك نفسه». ومعنى هذا هو أنه ليس في الطبيعة ما يولد لدينا استجابة الضحك، بل إننا نضحك حينما نريد أن نستجيب لبعض المواقف البشرية بلغة الضحك التي تنطوي على دلالة اجتماعية يفهمها الغير. ويضرب «بودلير» مثالا عن ذلك فيقول أن الذي تزلّ قدمه فيتدحرج على الأرض، يثير فينا الضحك لأن الأمر يتعلق بالأساس بـ”كبرياء لا شعورية”. وكأننا حين نضحك نقول “أما أنا، فلا أقع في الطريق، وأنا أسير دائما بخطى ثابتة، وأنا أملك قدمين راسختين…إلخ». هذا التفسير للضحك هو تفسير بالأسباب (المعقولة) لا بالعلل (الخارجية). ولكن هل يكفي هذا؟
لو حاولنا أن نفهم الضحك باعتباره ظاهرة نفسية ذات دلالة إنسانية لتبيّن لنا أن هناك أفانين الضحك بقدر ما هناك من مواقف بشرية. إن المرء قد يضحك لكي يبين لنفسه وللغير تفوقه، وقد يضحك حتى يشجع نفسه في موقف يتطلب الشجاعة والبطولة، وقد يضحك على إثر نجاته من خطر محقق، وقد يضحك لكي يعبر عن فرحه، وقد يضحك حين يرى شخصا متأنقا يزلّ فيهوى على الأرض كما يحصل للحجر… وهذا وغيره يبين أن الضحك ظاهرة مركبة لا تستطيع نظرية واحدة تفسيرها وتعليلها. فهذا باحث انجليزي – وهو «بدنجتون» – قد عني بتلخيص أهم الآراء المشهورة في تعليل الضحك، وقد استطاع أن يحصرها في حوالي 57 نظرية مختلفة.
إذا كان هناك من بحث في علل الضحك وفي ملابساته، فثمة باحث حاول استقصاء الطبيعة العامة للعمليات الذهنية التي تنطوي عليها ظاهرة الضحك. في كتابه «أبعاد الشخصية» يقسم «ايزنك» الحالات الشعورية إلى حالات إدراكية، ووجدانية، ونزوعية. فما يثير الضحك ارتباطا بـ«المجال الإدراكي» هو عنصر المفارقة، عنصر التباين بين الأفكار، عنصر الخداع العقلي… ومن الذين يؤكدون الجانب الإدراكي في الضحك نجد: شيشرون، لوك، كانط، شوبنهاور، سبنسر، رنوفييه… أما أولئك الذين يؤكدون على أهمية «الجانب النزوعي» في الضحك، فإنهم يربطون الضحك بإشباع بعض الرغبات؛ كالرغبة في التفوق أو الاستعلاء أو الغرور… ومنهم: أفلاطون، أرسطو، هوبس، هيغل… [أي أن عزة فجائية تهبط علينا نتيجة شعورنا بسمونا أو رفعتنا بالقياس إلى الغير، أو بالقياس إلى أنفسنا في السابق…]. أما الذين يؤكدون على أهمية «الجانب الوجداني» في الضحك، فهُم يربطون، عادة، بين الضحك والسرور الخالص، أو السرور الممتزج بانفعال آخر كانفعال الخوف أو الغضب، وهناك قوم يعتبرون أن التباين القائم بين العواطف بمثابة عنصر جوهري هام في صميم عملية الضحك. ويدخل في عداد هؤلاء: ديكارت، هارتلي، مكدوجال، وهوفدنج…
ثمة أحد الباحثين المحدثين، وهو «لودفتشي» ، يرى أن الضحك تعبير عن ضرب سام من ضروب التكيُّف، ويسوق لنا حالات كثيرة يتولد فيها الضحك، مبتدئا من الحالة التي تنشأ عن استنشاق غاز أوكسيد النتريك، مارّا بحالات الدغدغة، والانشراح المتولد عن السكر، والعدوان، وحالات عدم الاحتشام، حتى يصل إلى حالات المحاكاة، والتنكر، والمفارقة، والتورية… وكل هذه الحالات، حسبه، لا تخرج عن كونها مظاهر لـ «التكيف السامي».
ومهما يكن تعليل الضحك، فكيف يصنع هذا الأخير شخصية الإنسان في عصر يتميز بالسيولة؟ كيف تبني الإيديولوجيا من خلال «صناعة الضحك» صورة الذات والعالم والغير عندنا؟ هل الضحك في عصر الثورة التكنولوجية/مواقع التواصل الاجتماعي مجرد تسلية وهزل أم أنه يرسخ رسائل من شأنها أن تتحكم في العقول والشعوب والثقافات؟ هل لدينا فلسفة في «الضحك»؟… «قل لي مِمّ تضحك، أقُل لك من أنت»! يبدو أنه من شأن الضحك أن يكون نافذة لمعرفة أعماق ذواتنا.
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






