من العقيدة المغلقة إلى أفق المعنى: كيف أعاد عبد الجبار الرفاعي صياغة “علم الكلام الجديد”؟
قراءة في ورقة بحثية تسلط الضوء على انتقال الفكر الديني من اليقين المغلق إلى رحابة التجربة الروحية وأسئلة المعنى

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها إنسان العصر الحديث، وتصاعد وتيرة القلق الوجودي وأسئلة المعنى، تبدو المنظومات التراثية أحياناً عاجزة عن تقديم إجابات تواكب هذه التحديات. في هذا السياق، تبرز محاولات جادة لتجديد الفكر الديني، لعل من أهمها مشروع المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي.
تسلط ورقة بحثية حديثة، نُشرت في “مجلة الدراسات الإسلامية الأسترالية” (Australian Journal of Islamic Studies) للباحثين مجدد بن عبد الله وسيد محمد حلمي، الضوء على هذا المشروع الاستثنائي. وتقدم الورقة، الصادرة عن أكاديمية العلوم والأبحاث الإسلامية في سيدني، قراءة تحليلية معمقة لمحاولة الرفاعي إعادة بناء وتفسير اللاهوت الإسلامي، أو ما يُعرف بـ “علم الكلام الجديد”، لينسجم مع الأسئلة الوجودية للإنسان المعاصر
أزمة علم الكلام التقليدي في مواجهة القلق الوجودي
يشير البحث إلى أن علم الكلام الكلاسيكي نشأ في سياق تاريخي محدد كان هدفه الأساسي الدفاع عن العقيدة، وتثبيت الإيمان عبر أدوات الجدل والمناظرة، والرد على الخصوم لبناء منظومة يقينية مغلقة.
غير أن الباحثين يؤكدان أن هذا العلم بصيغته التراثية قد استنفد أغراضه؛ فلم يعد قادراً على معالجة القلق الوجودي الذي ينهش إنسان اليوم، ولا الإجابة عن أسئلته الملحة حول “المعنى”. لقد تخلّف علم الكلام التقليدي عن مواكبة التطور الهائل في العلوم الإنسانية، ليتحول إلى حقل معرفي يعيد إنتاج ذاته، ويجتر مقولاته، دون أن يفتح أفقاً جديداً للفهم أو يقدم عزاءً للروح المنهكة.
تأسيس “علم الكلام الجديد”: الدين بوصفه تجربة روحية
كبديل لهذا الانغلاق، يقدم عبد الجبار الرفاعي منظوره لـ “علم الكلام الجديد”. هذا العلم لا يكتفي بلعب دور المحامي المدافع عن العقيدة، بل ينشغل، وبشكل أعمق، بفهم الدين بوصفه تجربة إنسانية حية.
يؤكد الرفاعي أن الدين يتجاوز كونه مجرد منظومة اعتقادية جافة، ليكون استجابة فطرية لحاجة الإنسان العميقة إلى المعنى. في هذا المشروع، لا يعود الإيمان مجرد تكرار لمقولات كلامية جاهزة، بل يتحول إلى تجربة داخلية وخبرة روحية تمنح الإنسان الطمأنينة، وتسلحه بالقدرة على مواجهة العبث والقلق الوجودي. إنه انتقال جريء بالدين من حيز “القضية النظرية” الباردة إلى دفء “الخبرة الروحية”.
كرامة الإنسان كمعيار لتأويل وتجديد الفكر الديني
من أبرز ملامح مشروع الرفاعي، كما ترصدها الورقة البحثية، هو إعادته تموضع الإنسان في قلب الفهم الديني. في هذا النسق، تصبح “كرامة الإنسان” هي المعيار الأعلى والميزان الحساس لأي تأويل للنصوص الدينية.
هذه النزعة الإنسانية تجعل الدين في خدمة الإنسان، وليس العكس. ويؤكد الباحثان أن هذا التحول الجذري يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً، وفي الوقت ذاته، يحرر الخطاب الديني من براثن الاستخدامات الأيديولوجية والتوظيف السياسي الذي أفرغه من محتواه الروحي.
البعد الجمالي والانفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة
يأخذنا مقال الباحثين إلى زاوية أخرى لطالما أُهملت في القراءات التقليدية، وهي البعدان الروحي والجمالي. يشدد الرفاعي على أن الدين لا يمكن اختزاله في ثنائية “الحلال والحرام” أو حبسه في صرامة القواعد الفقهية الجافة. بل يتجلى الدين الحقيقي في التجربة الروحية العميقة، والإحساس المرهف بالجمال، والانفتاح اللامحدود على المعنى.
ولتحقيق هذا الانفتاح، يدعو الرفاعي بوضوح إلى ضرورة الإفادة القصوى من الفلسفة الحديثة، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا. فهذه العلوم ليست خصماً للدين، بل هي أدوات معرفية لا غنى عنها لتحقيق فهم أعمق للنص المقدس، وتحرير الخطاب الديني من عزلته وانغلاقه التاريخي.
خاتمة: من اليقين المغلق إلى فضاء المعنى
تخلص الورقة البحثية الأسترالية إلى أن مشروع عبد الجبار الرفاعي يمثل نقلة نوعية في مسار تجديد الفكر الديني المعاصر. إنه انتقال شجاع من دين يقوم على سرديات “اليقين المغلق”، إلى دين يُفهم بوصفه “أفقاً مفتوحاً للمعنى”.
في “علم الكلام الجديد”، يصبح الإيمان تجربة حية نابضة بالحياة، لا منظومة قانونية جامدة. وبذلك، ينجح الرفاعي في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وخالقه على أسس إنسانية، روحية، وجمالية، مقدماً الدين للعالم الحديث بوصفه نبعاً للمعنى والسلام الداخلي، لا أداة للهيمنة، أو وقوداً للصراع.
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






