التنويريدراسات دينيةسلايدر

مقدمة في علم أصول الفقه

دراسة منهجية شاملة في أهميته، موضوعه، وعلاقته التكاملية بالفقه الإسلامي

أهمية علم أصول الفقه

يعد علم أصول الفقه من أهم العلوم التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية ،وقد تحدث ابن خلدون ت808ه في المقدمة عن علم أصول الفقه وعن قيمته العلمية فقال” اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا،وأكثرها فائدة،وهو النظر في الأدلة الشرعية، من حيث تؤخذ منها الأحكام.

من جهة أخرى اعتبر ابن خلدون علم أصول الفقه، من العلوم المستحدثة في الملة، بحيث لم يكن  المتقدمون في حاجة إليه وإنما نشأت الحاجة إليه بعد فساد الألسنة ،واختلاط المسلمين بغيرهم من أهل الديانات الأخرى.

وأكد على هذه  الأهمية العلمية لعلم أصول الفقه  الدكتور طه عبد الرحمن عندما قال: «إن علم أصول الفقه الذي يعد بحق  أعظم علم  أنشأته  الحضارة الإسلامية  إنشاء .

وهو  في مرجعيته علم منهجي كاشف لطرق الاستدلال، و  مبين لمناهج الاستنباط ،ومسدد لفهم النصوص الشرعية، ومحصن لها عن المسالك التحريفية في الفهم والتلقي، وطرق  التأويل الفاسدة ،فقد كان عالم الأصول مندفعا برغبة أكيدة في حماية النص  وتحصينه من أن يصير مجالا للتزيد والاقحام ومطية للتحريف و التعسف ،و إقحام الذات وإسقاطها  على النص .

كما يعكس علم أصول الفقه من جهة أخرى مدى اشتغال علماء الإسلام على المسألة المنهجية في العلوم ،وفي استحضارهم للمنهج بشكل كبير في أغلب العلوم التي اشتغلوا عليها،وإن كان هذا الحضور يحضر بقوة  في علوم الفهم والبيان والتفسير. 

و هذا البعد المنهجي في علم أصول الفقه جعل الدكتور عبد المجيد التركي ينعت علم أصول الفقه بالمنهجية التشريعية.

بالمقابل اعتبر الدكتور مهدي فضل الله علم أصول الفقه منهجا  دقيقا بحيث إنه منهج لا يعادله منهجا آخر في ضبطه للفهم والاستدلال،وفي دقته وتماسكه،ومرونته ،وقدرته على الخوض في مختلف موضوعات الشريعة  الإسلامية وقضاياها الجديدة ،والوصول فيها إلى حلول اجتماعية و إنسانية مناسبة لواقع الإنسان لغاية تحقيق المقاصد العليا للشريعة الإسلامية

موضوع علم أصول الفقه

إن علم أصول الفقه من حيث علم مركب من مجموعة من العلوم ، فإن موضوعه العام والأساسي هو الاستنباط ،والاستدلال على الأحكام الشرعية  ،واستجلاء دلالة الخطاب. 

وهناك من الدارسين من اعتبر علم أصول الفقه من أبرز العلوم التي سعت إلى وضع القوانين، و رسم الضوابط ذات الصلة بتفسير الخطاب وفقه النص الشرعي بصفة عامة…..

ولقد أكد على هذه المهمة والوظيفة لعلم أصول الفقه حديثا الشيخ الإمام الطاهر ابن عاشور عندما قال في مقدمة تفسيره التحرير والتنوير”:إن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها ،فهو آلة للمفسر في استنباط الآيات الشرعية من آياتها.

و تحقيق هذا المبتغى ، والوصول إلى هذا  الهدف وإدراك القصد ، مشروط  بمدى تحصيل   مقتضيات الفهم السليم ،و الاستمداد الصحيح للمعنى في النص الشرعي فهما سليما وسديدا ،تقره ضوابط اللغة العربية في التخاطب ،وتشهد لهاو تحقيق هذا المبتغى ، والوصول إلى هذا  الهدف وإدراك القصد ، مشروط  بمدى تحصيل   مقتضيات الفهم السليم ،و الاستمداد الصحيح للمعنى في النص الشرعي فهما سليما وسديدا ،تقره ضوابط اللغة العربية في التخاطب ،وتشهد لها قوانينها وأصولها في الأداء ،و مقتضياتها في الإبلاغ والتلقي ،وأعرافها  في التخاطب،و وتؤسسه مقتضياتها  في التعبير مع مراعاة المقاصد  اللغوية والشرعية للخطاب. 

ومن أبرز المساعي لهذا العلم:

  • السعي نحو تفهم النص وفق ما تقتضيه اللغة العربية، وهو المسعى الذي كان من وراء استحضار الأصوليين للمباحث اللغوية والدلالية والبيانية  بشكل موسع في ثنايا  مصنفاتهم وكتبهم. “فلما كانت معظم التكاليف الشرعية لها استمداد من علم العربية وعلومها ، فقد أولى حذاق هذه الشريعة علم العربية  ما يستحق من العناية والاهتمام ،واستعانوا على ما هم عليه بالقواعد الخادمة والصانعة للمعنى.
  • تحصين النص وحمايته من التعسف ومن القراءات التحريفية التي لا تنضبط  للأصول ،ولا تتقيد بالقواعد ولا تحترم الكليات .. فحماية النص القرءاني من جميع أشكال التحريف ،  كان  من أبرز المهام والوظائف التي اشتغل  عليها  علماء أصول الفقه بحيث كان سعيهم وهدفهم هو تفويت الفرصة على كل من يريد إفساد او تبديل  المعنى في النص.
  • مساعدة الفقيه على الاستنباط والاستدلال ،فهذا العلم يدل المستنبط على أهمية القواعد في الاستنباط والبيان ،فالقواعد بقسميها الأصولي والفقهي هي  كليات تستفاد من  تحصيل جملة من  نصوص الشرع عن طريق الاستقراء والتتبع والرصد، فهي كليات للشريعة الاسلامية مجردة عن عاملي الزمان والمكان بها يسيسر للنص المتناهي المساسرة للوقائع غير المتناهية.

الحاجة إلى علم أصول الفقه

 إن  الحاجة إلى هذا العلم ضرورية للمشتغل بالعلوم الإسلامية  بصفة عامة  وعلم التفسير والبيان  والاستدلال بصفة خاصة ،وهو ما جعل علماء الإسلام يتجهون إلى هذا  العلم، ويطورون من  مباحثه، ويوسعون من  محاوره المركبة  له ، خاصة ما تعلق بالمحاور  التي تشتغل على فقه الخطاب الشرعي 

وعليه فإن علم أصول الفقه هو عبارة عن قواعد ومناهج وآليات تسلك عند طلب  الحكم للأحكام  من الخطاب  الشرعي سواء ما كان مصرحا به أو مستنبطا  بعضها يرتبط باللفظ ،وبعضها يرتبط بالمعنى اللغوي المفهوم من اللفظ ،وبعضها يرتبط بالمعنى الشرعي كالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان والعرف

علاقة علم أصول الفقه بعلم الفقه

فلقد كانت الغاية من هذا العلم هو تحديد وتعيين طرق الاستنباط الصحيحة المتعلقة بالأحكام الشرعية ،وتعيين الفهم السديد  من خلال التحقق من دلالة ألفاظ الشارع  المحمولة في النص الشرعي.

مما تمتاز به العلوم كونها تتركب في الغالب من شق نظري وشق تطبيقي،و أبرز مثال على ذلك الفقه الإسلامي الذي يمثل الجانب التطبيقي ،حيث واكبه علم أصول الفقه الذي يمثل الجانب النظري. ونفس الشيء بالنسبة لعلم الحديث ،فمنه الجانب التطبيقي الذي يهتم بالرواية وهو المتعلق بالنصوص الحديثية تحملا وأداء وتنزيلا،ومنه الجانب النظري وهو علم الدراية ،أو أصول الحديث . 

أما عن علاقة هذا العلم بعلم الفقه، فهي علاقة تلازمية أي  ترابطية فكل واحد  يحتاج الى الآخر ،فهي علاقة النظرية بالتطبيق. فعلم أصول الفقه يمارس وضع النظريات العامة المساعدة على  الفهم والاستدلال الاستنباط, ويعمل على عصمة المستدل من الزلل في الاستدلال  “فلا يقول من شاء ما شاء, وإنما ترد الفروع إلى أصولها, وترد الأصول إلى مصادرها المعصومة”…

كما يضع علم أصول الفقه القواعد الكلية الإجمالية بإشكالاتها المتعددة ،وبأنواعها المختلفة لغوية كانت أم شرعية؛ جزئية أو كلية لإعانة الفقيه ، ومساعدته على الفهم وعلى  استنباط الأحكام الشرعية من النص. 

وعلم الفقه من جهة أخرى يهدف إلى توجيه تلك النظريات من خلال تنزيلها  على المستويات التطبيقية؛ وذلك بتنزيل وتطبيق تلك الأنساق  والقواعد على أرض الواقع، وهذا يعد من أحد تجليات التلاحم والتداخل الذي كان قائما بيـــن جميع  العلوم  الإسلامية عامة وعلم  الفــــقــه مع عـلـم الأصـــول خاصة.

في هذا السياق حاول الإمام القرافي ت684ه في كتابه “الفروق” إبراز  وبيان هذه العلاقة التداخلية  القائمة بين الفقه وعلم أصول الفقه. فذكر أن الفقه يعتني بالأحكام العملية  الفرعية المكتسبة من الأدلة التفصيلية، و أما علم  أصول الفقه فيهتم بالكليات وبالقواعد أي “”بقواعد الأحكام  الناشئة عن الألفاظ  العربية ،وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، نحو: الأمر للوجوب والنهي للتحريم.

زيادة على هذا فإن موضوع علم أصول الفقه هو البحث في الأدلة الشرعية الكلية الإجمالية، التي بها تثبت وتكتسب الأحكام الشرعية  ،أما الفقه فموضوعه هو الأدلة الشرعية التفصيلية الجزئية التي بها تثبت الأحكام الجزئية.

يعني هذا أن  الفقيه الذي لا يملك علم أصول الفقه ولا معرفة له بقواعده في الفهم والاستدلال  يشبه  مالك المال وكاسبه  الذي لا يعرف حقيقته،ولا يحسن استخدامه واستثماره ، ولا يحسن التصرف فيه ولا تدبيره ،ولا ادخاره…

يراجع بحثنا:

  • علم أصول الفقه وتداخل العلوم- مجلة التفاهم العدد:32 صيف:2011.
  • علم أصول الفقه منهج بحث ومعرفة  لطه جابر العلواني  وهو من منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط:-1-السنة:ص:1988.
  • الأمهات والمصادر المعتمدة في علم أصول الفقه

ذكر ابن خلدون  في المقدمة أن أمهات كتب الأصول أربعة ،وهي البرهان لإمام الحرمين،و المستصفى للإمام الغزالي ت505ه، المعتمد لأبي الحسين البصري، والعمد للقاضي عبد الجبار الهمداني

أما الإمام بدر الدين الزركشي في “البحر المحيط في علم أصول الفقه” فإنه اختار مسلكا آخر في عرض  التصنيف والكتابة  في علم أصول الفقه . وحدد هذه الريادة في شخصيتين  وعلمين وهما أبو بكر الباقلاني الشافعي ،والقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي.

قال في البحر :” وجاء من بعدهم ـ أي الشافعي والصدر الأول ـ فبينوا وأوضحوا، وضبطوا، وشرحوا، حتى جاء القاضيان، قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد  الجبار، فوسعا العبارات وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتنع الناس بآثارهم، وساروا علأخذ نارهم، فحرروا وقرروا، وصوبوا وصوروا فجزاهم الله خير الجزاء ومنحهم كل مسرة وهناء .

وهناك كتب أخرى لا تقل أهمية عن تلك الكتب المذكورة،ومنها فهذه المصنفات الأصولية إحكام الفصول لأبي الوليد الباجي،  والأحكام في أصول الإحكام لابن حزم, و المحصول للإمام فخر الدين الرازي ت606ه, نفائس الأصول للقرافي  والبحر المحيط للزركشي والحاصل لسراج الدين الأرموي.

محمد بنعمر


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى