التنويريسلايدرفكر وفلسفة

تطور اللغة عند أمين الخولي ومهدي المخزومي

قراءة تحليلية في مسارات تجديد النحو والهرمنيوطيقا بين التجربة المصرية والعراقية

ولد الشيخ أمين الخولي سنة ١٨٩٥م بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي سنة ١٩٦٦م. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي في ١٠ مايو عام ١٩٢٠م. وفي ١٩٢٣م، عين إمامًا للسفارة المصرية في روما، ثم نُقل إلى مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م. عاد عام ١٩٢٧م إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وانتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب ١٩٢٨م. أسس جماعة الأمناء عام ١٩٤٤م، ومجلة الأدب عام ١٩٥٦م. وأصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٦٦م. كتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألف مجموعةً من الكتب، من أهمها: “من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية”، و”فن القول”، و”الجندية والسلم: واقع ومثال”، و”دراسات إسلامية”، و”مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب”، و”المجددون في الإسلام”، و”كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الأدبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي”.

ومع أن الشيخ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درّس في الأزهر. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر؛ فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧م، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو “الفلسفة الأدبية”. اهتم الخولي بتجديد البلاغة وأساليب البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها “فن القول”. كان هاجسُه ربط أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريس الذوق الفني، والانفتاح على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة، ودشن أفقًا آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة. كان الشيخ الخولي أول رجل دينٍ مسلم حاول العبور من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناء فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم، وتميز بخبرة رصينة وشجاعة كبيرة في توظيفها. “عمل أمين الخولي في روما إمامًا للسفارة المصرية ومكث في إيطاليا عامَين، وأجاد الإيطالية، وشرع يتعرف على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين في أوروبا، كما عمل في مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م، وتعلم اللغة الألمانية. لما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام ١٩٢٧م عاد إلى مصر، واستأنف عمله في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا، وأستاذًا لكرسي الأدب في عام ١٩٤٣م”. 

اكتشف مدة إقامته في إيطاليا الأساليب الجديدة في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورة إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر. أشار هو إلى ذلك بقوله: “قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تُتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية (الفاتيكان) القائمة في عاصمة الدولة المدنية (إيطاليا)، وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا التي عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر وإصلاحه”. كتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم ﺑ “رسالة الأزهر في القرن العشرين”. نشر الأزهر عام ١٩٣٦م هذه الرسالة، ثم تكررت طبعاتُها لاحقًا، بعد أن نفدت الطبعة الأولى سريعًا. 

ويعد مهدي المخزومي، الذي ولد سنة 1919 وتوفي سنة 1993، أحد أبرز أعلام الدرس اللغوي الحديث في العراق، إذ تلقى تعليمه العالي في جامعة القاهرة وتخصص في اللغة العربية وعلومها متأثرًا بمناهج البحث اللغوي الحديثة، ثم عاد إلى العراق ليعمل أستاذًا في جامعة بغداد وأسهم في تكوين أجيال من الدارسين، وانشغل بتجديد النحو العربي، فدعا إلى إعادة بنائه على أسس أقرب إلى روح اللغة واستعمالها الحي بدل الجمود على التقسيمات المدرسية الموروثة، كما اهتم بأساليب البيان العربي وسعى إلى فهمها في سياقها الأدبي والتداولي لا في حدود القوالب التقليدية، فكان مشروعه محاولة لتخليص الدرس اللغوي من التعقيد وربطه بالحياة والذوق والوظيفة التعبيرية، وقد ترك أثرًا مهمًا في تحديث الدراسات النحوية والبلاغية في العالم العربي. 

مقالات ذات صلة

حرص المخزومي على أن يستعيد النحو وظيفته، وتعامل معه بوصفه مرآة لتحولات الواقع والوعي والثقافة واللغة، لذلك دعا إلى أن يتحرر النحو من تسلط التفلسف، وأن يعاد بناؤه في ضوء ما تقوله اللغة فعلًا. النحو كما فهمه، ممارسة تتجدد بتجدد الحياة، وتصاغ من جديد كلما تغيرت سياقات الاستعمال، وتحولت الحاجات اللغوية والثقافية، وتبدلت أساليب التعبير. في ضوء هذه الرؤية، يصبح النحو تأملًا في: كيف يتكلم العربي، وكيف يُعيد تشكيل لغته، وكيف تنبثق المعاني من صميم الواقع الذي يعيشه الإنسان، وليس من قوالب جاهزة. النحو الحي يستخلص من الفضاء الذي تنبثق فيه اللغة، ومن الأصوات التي تعبّر عنها في استعمالها، ومن الواقع المتغير، والحاجات التي تفرض على اللسان أن يتغير كي يظل قادرًا على التعبير. لا يصح أن نفهم النحو إلا بوصفه مرآة للواقع اللغوي، وفضاءً للتأمل في كيفية تكلم الانسان حين يصغي الى ذاته، وحين ينصت الى الواقع، وحين يعيد بناء لغته كي تواكب ما يشعر به، وتعلن عما يريد أن يقوله. لا يستجيب النحو إلى ما يريد الإنسان أن يقوله إلا حين يتحول من قيد يكبل المتكلم الى أداة لتيسير النطق باللغة.

 رفض الخولي أن تكون اللغة خاضعة للمنطق أو لآراء الفلاسفة أو تأويلات المتكلمين، ورأى أن النحو والبلاغة يجب أن ينطلقا من الاستعمال اللغوي لا من القواعد المفروضة، تمامًا كما أكد المخزومي أن وظيفة النحوي ليست فرض القواعد بل تتبع اللغة وتسجيل ملاحظاته.كما أعاد الخولي تعريف وظيفة النحوي والبلاغي، معتبرًا أن مهمتهما هي خدمة الفهم الإنساني للنصوص، لا إنتاج أنظمة مغلقة، وربط بين تجديد النحو وتجديد الدين، مؤمنًا بأن فهم الدين لا يتم إلا بفهم اللغة في حيويتها. كذلك انتقد الطريقة المدرسية في تدريس البلاغة والنحو، ودعا إلى تجاوز تقنينات السكاكي والجرجاني والعودة إلى النصوص الحيّة كما يستعملها الناطقون باللغة، مثلما دعا المخزومي إلى استفتاء “اللغة كل اللغة” لا الاكتفاء بالقواعد. اتفق الخولي والمخزومي على أن اللغة تتطور بتطور المجتمع، وأنها ليست محكومة بعقل الفرد أو منطق النحاة، بل يجب أن تدرس في سياقات استعمالها، ولهذا رفض كلاهما أن تكون الدراسات اللغوية معيارية أو فلسفية، بل وصفية تطبيقية تنطلق من الواقع.

 في سياق هذه الدعوة لتجديد اللغة دعا أمين الخولي لتجديد مناهج التفسير، وضرورة استخدام المناهج الحديثة، وتجاوز الأدوات التراثية في تفسير النصوص الدينية. رأى الخولي أن التفسير فنًا للفهم، يخضع لرؤية المفسر وثقافته وأفقه التاريخي. تحدثت عن ذلك بالتفصيل في: “الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي”، وأوضحت كيف أن الخولي لم يكتف بالإنصات إلى ما يقوله النص، بل نظر إلى المفسّر ذاته وأحكامه المسبقة وواقعه الذي عاش فيه، بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى، وهو ما جعله يعلن أن المفسر “يُلوّن النص” بفهمه له. أسس الخولي لمنهج جديد في تفسير القرآن، يراعي ذات المفسر والواقع الذي يعيش فيه وأفق انتظاره. وبذلك تتجلى “فرادة أمين الخولي في محاولته الرائدة لتوطين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص داخل الدراسات الدينية بالعربية، إذ يمكن القول بعد استقراء وتتبع إنه أول هرمنيوطيقي في العربية وربما في عالم الإسلام، فلم يعرف قبله من سبقه إلى هذا المنحى حتى في بلاد الإسلام غير العربية… إن ما يقوله الخولي يحيل بوضوح إلى الهرمنيوطيقا الحديثة، فهو يتحدث عن أفق المفسر ويجعل التفسير عملية حوار وإنتاج متبادل للمعنى بين النص والقارئ، لا تلقيًا سلبيًا لما يقوله النص. التفسير عنده قراءة للقراءة وفهم للفهم، يشارك فيها المفسر بمعارفه وثقافته ومسلماته المسبقة، ليولد المعنى في ضوء أفق انتظار المفسر ورؤيته للعالم، وبذلك يصبح التفسير عند أمين الخولي مقاربة هرمنيوطيقية حيّة للنص، تعيد الاعتبار لدور المفسر وتكشف عن الطبيعة المتجددة للمعنى في كل قراءة”. راجع: الرفاعي، عبد الجبار، الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي، 2025، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

دعوة أمين الخولي رأينا ثمراتها في مدرسة الأمناء التي أسسها هو بمعية الجيل الأول من تلامذته، وأبرزهم محمد أحمد خلف الله الذي كتب اطروحته الموسومة: “الفن القصصي في القرآن الكريم” لنيل شهادة الدكتوراه في العام ١٩٤٧م بإشراف أمين الخولي، لكن لجنة المناقشة رفضتها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها. والجيل الثاني لمدرسة الأمناء الذي تجلى في الأعمال المهمة لنصر حامد أبو زيد في الهرمنيوطيقا، وأخيرًا أعمال علي مبروك، الذي يمثل الحلقة الأخيرة من تلامذة مدرسة الأمناء.كانت سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر أقدر على التراكم والبناء على الجديد وتطويره. مثلًا ما زالت صحيفة الأهرام، التي أصدرها الأخوان سليم وبشارة تقلا، بتاريخ 5 أغسطس 1876، تواصل الصدور، بعد أن بلغ عمرها حتى اليوم 150 عامًا؛ فقد صدر العدد 50890 بتاريخ يوم الاثنين 6 أبريل 2026. ولنا أمثلة متنوعة في مجلات ثقافية معروفة، كالهلال التي أصدرها جرجي زيدان في 1 سبتمبر 1892 ومازالت تصدر. 

لم تتأسس مدرسة لغوية لمهدي المخزومي تمتد في تلامذته، كما امتدت مدرسة أمين الخولي في الأمناء وتواصلت مع تلامذته؛ لذلك لبثت دعوة المخزومي أقرب إلى تجربة فردية جسورة، لم تتشكل في تيار مدرسي فاعل. نرى هذا النمط في سياقاتنا الثقافية في العراق، إذ لا نكاد نعثر على صحيفة أو مجلة ثقافية واصلت صدورها لسنوات طويلة، على نحو ما نراه في الأهرام والهلال، حيث تتراكم الخبرة، ويتصل الجهد، وتتشكل تقاليد راسخة في الإنتاج الثقافي. 

في مصر يتجلى حضورٌ واضحٌ لمصرَ الكيان في وجدان المواطن، حضورٌ يتغذى من ميراثٍ متراكم، ورموزٍ راسخة، وذاكرةِ دولةٍ حيّة تستعيد نفسها في الوعي الجمعي جيلاً بعد جيل. أمّا في العراق فيبهت حضورُ ذاكرةِ الدولة في وجدان المواطن، ويضعف معه حضورُ العراقِ الكيان، والهويةِ الوطنية، وميراثِه، ورموزِه، بسبب انقطاعٍ طويل في خبرة الدولة، وهشاشة في تراكمها التاريخي، الأمر الذي أضعف صلتها العميقة بوعي الإنسان وانتمائه.

بعد رحيل المخزومي خفت صوت دعوته شيئًا فشيئًا، لا لقصور في رؤيته أو ضعف في مشروعه، لكن بسبب سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق التي تفرض عجزًا عن التراكم والبناء على الجديد وتطويره، إثر غياب صورة الدولة الوطنية في اللاشعور السياسي العراقي قرونًا طويلة. ولم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية في وطننا مهيأة لاحتضان التجديد وحمايته في اللغة، وفي فهم الدين وقراءة نصوصه، في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، نتيجة تداخل هيمنة القيم القبلية مع الرؤية التقليدية للمؤسسة الدينية، فصاغ هذا التداخل مناخًا يتوجس من كل محاولة لإعادة التفكير في اللغة أو الدين، ويستشعر فيها تهديدًا للثابت التراثي الذي يحتمي فيه نفسيًا. في مثل هذا المناخ نشأ حذر شديد لدى كل مَن يفكر في المضي في هذا الطريق، خوفًا من ردود أفعال قاسية من المجتمع والمؤسسة الدينية، لذلك ينكفئ المشروع التجديدي قبل أن يتحول إلى مدرسة، ويظل أثره كامنًا في النصوص، أكثر مما يتجسد في امتداد حي يحضر في الوعي الجمعي والحياة المعرفية.

د. عبد الجبار الرفاعي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى