التنويريسلايدرسياسة واجتماع

ملاحظات نقديّة حول إشكاليّة الكمّ والكيف في البحوث الاجتماعيّة العربيّة والخليجيّة

سلسلة محاضرات مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية: العدد 22 الكويت ٢٠٢٦

كلمة شكر: 

بسم الله الرحمن الرحيم، السّيدات والسّادة، زملائي الأعزّاء، ضيوفنا الكرام، يسرّني في بداية هذا اللّقاء أنْ أحيّيكم أجمل تحيّةٍ، شاكراً لكم حضوركم المظفّر لهذه النّدوة المتميّزة حول مسألة الكمّ والكيف في مناهج البحث العلميّ السّوسيولوجيّ في العالم العربيّ، ويسرّني في بداية هذا المداخلة أن أتوجّه بخالص الشّكر والتّقدير والعرفان للأستاذ الدكتور يعقوب الكندري الّذي شرّفني بدعوته للمشاركة في هذه النّدوة، والشّكر أيضاً موصول للأساتذة الكرام الّذين سبقوني بتقديم مداخلاتهم النقديّة وتحليلهم العميق والشامل لقضايا الكمّ والكيف في العلوم الإنسانيّة والعلوم الاجتماعيّة.

أيَتها السّيّدات، أيّها السّادة: 

اسمحوا لي أن أضع مداخلتي تحت عنوان: ملاحظات نقديّة حول إشكاليّة الكمّ والكيف في البحوث الاجتماعيّة العربيّة والخليجيّة. وأريد أن أقرّ بدءا بأنّه لم يسبق لي كتابة بحث في هذا الموضوع، ومع ذلك فإنّني سأنطلق في مداخلتي هذه من التّجربة الأكاديميّة في مجال البحث العلميّ والتّدريس في الجامعات العربيّة الّتي تمتدّ لأربعة عقود من الزّمن محمّلة بتدفّق كبير من الأفكار والتّصوّرات حول هذه القضيّة الملحّة في المجتمع العلميّ الخليجيّ والعربيّ في آن واحد. 

ومن المهمّ في هذا الاتّجاه أن استعرض المحاور الأساسيّة لهذه الورقة وهي على الشّكل التّالي:

 أوّلاً – مقدّمة إشكاليّة حول المنهجيّة النّقديّة عند عالم الاجتماع الكبير خلدون النقيب. 

ثانياً: البعد الأيديولوجيّ للمناهج العلميّة في علم الاجتماع.

ثالثاً: الانتقادات الموجّهة إلى المناهج الكمّيّة أيديولوجيّاً.

رابعاً: عوامل هيمنة المناهج الكمّيّة في البحوث العربيّة .

خامسا: ملاحظات حول التّكوين الإبيستيمولوجيّ للباحثين العرب.

سادساً: نحو مسار جديد للبحث العلميّ الخاصّ بالكمّ والكيف.

 1. مقدّمة إشكاليّة: 

بدأ اهتمامي بهذه المسألة في إحدى النّدوات – الّتي شرّفنا الدّكتور يعقوب الكندري بدعوتنا إليها في نوفمبر2022 -وقد عقدت هذه لتكريم عالم الاجتماع الكويتيّ الرّاحل خلدون النقيب، وفي إحدى الجلسات غمز أحد المشاركين من قناة الرّاحل خلدون النقيب آخذاً عليه أنّه لم يستخدم المنهج الكمّيّ في بحوثه وأعماله الفكريّة، وكأنّ المنتقد كان يريد أن يقول لنا إنّ عالم الاجتماع لا يمكن عالماً حقّاً ما لم يعتمد المنهج الكمّيّ في بحوثه ودراساته السّوسيولوجيّة، وهذا يوحي بأنّ علم الاجتماع يجب أن يعتمد على البحوث الكمّيّة كي يكون علماً حقيقيّاً. ولمّا كنت في تلك اللّحظة على المنصّة أدركت أنّه ينبغي عليّ أن أقدّم ردّاً سريعاً ومناسباً على هذه المداخلة الّتي تكرّس رؤية أيديولوجيّة معادية للمناهج العلميّة غير الكميّة ولا سيّما النقديّة منها. وقد نوّهتُ في هذه المداخلة إلى أنّ الرّاحل الكبير خلدون النقيب كان مفكّراً من الطّراز الرّفيع وقد فرضت مكانته العلميّة العالية أن يعتمد مناهج معرفيّة نوعيّة متقدّمة جدّاً كالمنهج النّقديّ أو المنهج الجدليّ التّاريخيّ في دراساته وأبحاثه. وإنّه لا يمكن لأحد أن يتجاهل أنّه كان من أكثر المفكّرين تأثيراً وحضوراً في الخليج والعالم العربيّ. وهذا الأمر يتطلّب منّا أن نشكر له أنّهى ترفّع عن استخدام المناهج الكميّة وارتقى إلى استخدام أفضل المناهج العلميّة قدرة على استكشاف الأبعاد الشّاملة والقضايا الحيويّة الحسّاسة للمجتمع والحياة في بلدان الخليج. وقد تضمّنت مرافعتي نقداً سلبيّاً عنيفاً لأنماط المناهج الكميّة الّتي يعتمدها الباحثون الأكاديميّون في جامعاتنا ومؤسّساتنا العلميّة. 

وقد أثارت مداخلتي ولا سيّما نقدي للمناهج الكميّة حفيظة الحضور واستهجانهم للرّأي النّقديّ السّلبيّ الّذي قدّمته حول المناهج الكمّيّة، وقد آلمني حينها أنّ الصّديق الأستاذ الدكتور يعقوب الكندري لم يكن استثناءً إذ أعلن استغرابه لموقفي من المناهج الكميّة، ولكنّه أبدى تسامحاً، إذ جاء في مداخلته نصّاَ: ” إنّ الزّميل علي وطفة قد يكون لديه تفسير يبرّر موقفه من هذه المسألة”. ولا بد لي من الإشارة في هذا السياق إلى أن تّمجيد المنهج الكمّي تغلغل في وعينا على أنّه أيديولوجيا ننتصر لها وننافح عنها. ولم تتح لي الفرصة الزّمنيّة كي أفنّد موقفي، فحين تكون على المنصّة تداهمك عقارب السّاعة الّتي تحسب بالثّواني ويشتدّ عليك الضّغط فلا تسنح الفرصة ولا يسمح لك المقام، ولذا لم أتمكّن حينها من تفنيد الرّأي بسبب ضيق وقت النّدوة وكثرة المشاركين. وأعتقد أنّ الدّكتور الكندري سيمنحني الفرصة في هذه النّدوة للبحث في هذه القضيّة وتفنيد الفكرة والبحث في دواعيها التي مازالت ماثلة في الوعي والذّاكرة .

والأسئلة الإشكاليّة التي تطرحها هذه الورقة تتمثّل في الآتي: 

1- هل أصبح منهج البحث الكمّيّ تابو لا يجوز نقده ورفضه؟ 

2- إلى أيّ حدّ أصبح المنهج الكمّيّ أيديولوجيا تتغلغل في وعينا السّوسيولوجيّ؟ 

3- لمَ يهيمن هذا المنهج الكمّيّ على عقولنا ويتحوّل إلى وثن للعبادة؟

4-هل يفترض أن يكون علم الاجتماع علماً مبنيّاً على منهجيات الكمّ لا الكيف؟ 

5- هل يشترط بعالم الاجتماع أن يعتمد المنهج الكمّي كي يكون عالم اجتماع حقيقيّ؟ 

2. البعد الأيديولوجيّ للمناهج الكمّيّة: 

 يتمثّل البعد الأيديولوجيّ في الاعتقاد بأنّ المنهج الكمّيّ هو المنهج الأكثر أهميّة وخطورة في علم الاجتماع وفي العلوم الإنسانيّة، وهذا الاعتقاد – برأيي – يقوم على أسس فكريّة أيديولوجيّة وظيفيّة واهنة، إذ لم يكن هذا المنهج هو الأعمّ والأفضل بين المناهج السوسيولوجيّة على وجه الإطلاق، وسأفنّد هذا الرّأي عبر استعراض موضوعيّ لوضعيّة المنهج الكمّيّ ومكانته في مختلف المدارس والاتّجاهات السوسيولوجيّة من أقدمها إلى أكثرها حداثة. وسأقوم بتقديم نظرة خاطفة على المكانة المتواضعة لهذا المنهج في ضوء الوضعيّة الأيديولوجيّة الّتي يتمتّع بها في مجال علم الاجتماع في مختلف المدارس الفكريّة المنبثقة من هذا العلم. 

لنبدأ مع مؤسّس علم الاجتماع الأوّل عبد الرّحمان بن خلدون مؤلّف كتاب: (كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) المشهور بمقدّمة ابن خلدون الّذي يقدّم لنا فيه علم الاجتماع تحت تسميته الأولى (علم العمران). وهنا أودّ التّأكيد على أنّ ابن خلدون لم يعتمد منهجاً كمّيّاً في بناء نظريّته السوسيولوجيّة وهذا لم يمنعه من أن يكون أحد أهمّ مؤسّسي علم الاجتماع بالمطلق، وقد ترك للعلوم الاجتماعيّة إرثاً كبيراً يتداوله المفكّرون والباحثون على مدار الأيّام والأزمان.

ومن المؤكّد أنّ علم الاجتماع الكمي ينتسب شرعاً وأيديولوجيّاّ إلى النّزعة الوظيفيّة في علم الاجتماع أو ما يُسمّى بالمدرسة البنائيّة الوظيفيّة التي تتجلّى في أعمال كبار علماء الاجتماع ومؤسّسيه أمثال أوغست كونت وهربت سبنسر وإميل دوركهايم وتالكوت بارسونز وروبيرت ميرتون وغيرهم من علماء الاجتماع الوظيفيّين. ولكنّ الظّاهرة الغريبة أنّ أحداً من هؤلاء الرّوّاد الأوائل لم يستخدم المنهج الكمي على صورته الوصفيّة، حتى إنّ دوركهايم صاحب ” قواعد المنهج في علم الاجتماع” لم يستخدم هذا المنهج على النّحو الذي نراه اليوم، وجلّ ما نعرفه عنه أنّه استخدم المعطيات الإحصائيّة في كتابه” الانتحار“، وهذا ينفي الصّلة بين فكر دوركهايم والمنهج الكمّيّ، فهو قلّما اعتمده في أعماله. وقد عُرف دوركهايم بفعاليّة الطّاقة التنظيريّة في علم الاجتماع وتحليله الفكريّ العميق للمجتمع الفرنسيّ والمجتمعات الغربيّة على حدّ سواء. ويلاحظ أنّ معظم أعماله تعتمد المناهج الفكريّة النوعيّة الشموليّة في تناول قضايا الأخلاق والقيم والتّنشئة الاجتماعيّة وغيرها من القضايا الحيويّة. ومن المؤكّد حسب درايتي أنّه لم يستخدم الاستبانات في أيّ من أعماله الاجتماعيّة. وهذا الحال ينطبق على سان سيمون وأوغست كونت وهربرت سبنسر حتّى إنّ بارسونز وميرتون اعتمدا التّنظير وقلّما نجد لهما أعمالاً سوسيولوجيّة تعتمد المناهج الكميّة في علم الاجتماع، وكان جلّ اهتمامهما يعتمد على التّنظير وليس على التّفسير والتّحليل الاحصائيّ. 

وماركس أيضا، وهو أحد أكبر وأخطر علماء الاجتماع، لم يستخدم المناهج الكميّة الوصفيّة في تشكيل أعظم نظريّة في الصّراع الطّبقيّ وفي نقد المجتمع الرّأسماليّ. وهذا الأمر ينسحب على جميع الاتّجاهات الكبرى في علم الاجتماع. وقد عزم روّاد هذه النّظريّات على مناهضة البحوث الكميّة ورفضها لعدّة أسباب جوهريّة. ويمكن القول إنّ رفض المناهج الكميّة تأصّل في الاتّجاهات السوسيولوجيّة 

ويعلم الجميع اليوم أنّ روّاد الفكر الماركسيّ – الذين يمثّلون وأخطر التّيّارات الفكريّة في علم الاجتماع- قد اعتمدوا المنهج الجدليّ التّاريخيّ في معظم أعمالهم وقد ندر أنّ أحداً منهم استخدم الأساليب الإحصائيّة التقليديّة في بحوثهم ودراساتهم، حتّى إنّ ماركس كان يرفض تسمية علم الاجتماع بالسّوسيولوجيا بوصفها مُعطًى وظيفيّا أبدعه. وظلّت الوضعيّة التي كانت سائدة في وقته على ما هي عليه، ورفض نهائياً استخدام المنهج الكمي. وهذا لا ينفي أنّه استخدم بعض الإحصائيّات في كتابه “أوضاع العمّال في فرنسا”. واستخدام البيانات الإحصائيّة لا يعني إطلاقاً أنّ الباحث يستخدم المنهج الكمي الذي يتميّز بطريقته في جمع البيانات ومعالجتها وتداولها. فالبيانات الإحصائيّة تستخدم في كلّ المجالات الفكريّة حتّى في الأدب والشّعر، وهذا لا يمثّل الاتجاه الكمي في العمل الفكريّ. 

إذا أخذنا بعين الاعتبار ماكس فيبر مؤسّس علم اجتماع الفعل الاجتماعيّ، وهو أحد أهمّ كبار مؤسّسي علم الاجتماع الأوائل والأكثر شهرة بينهم، سنجده قد أسّس الاتجاه المنهجيّ النّوعيّ في علم الاجتماع، وقد عرف منهجه بالمنهج التّفسيريّ التّأويليّ الذي يعتمد على التّحليل النّوعيّ. ويشكّل تيّار فيبر التّيّار الأكثر معارضة لكلّ الاتجاهات الكميّة والوصفيّة في علم الاجتماع. ويُعدّ ماكس فيبر من أكثر المفكّرين الرّوّاد عداوة للمناهج الأمبيريقيّة الوظيفيّة. والتيار الفيبري يكاد يوازي التيار الوظيفيّ ويتفوّق عليه في مختلف الميادين الفكريّة .

 وإذا انتقلنا إلى مدرسة الصّراع الاجتماعيّ – وهي من أكبر تيارات علم الاجتماع المعادية للمناهج الكميّة، ويمثّلها كلّ من كارل ماركس و كوزر ودارندورف – وجدنا أنّ هذه المدرسة الكبرى ترفض المناهج الكميّة وتعتمد المناهج النقديّة الديالكتيكيّة التاريخيّة. 

وينطبق هذا الحال على روّاد المدرسة “التفاعليّة الرمزيّة” أمثالجورج هربرت ميد، وتشارلز هورتون كولي، وهربرت بلومر. وتُعدّ التفاعليّة الرمزيّة من أهمّ المدارس السوسيولوجيّة التي تعتمد المناهج الكيفيّة على وجه الإطلاق، وكانت مضادّة تماماً لكلّ أساليب البحوث الكمية. 

 وهذا الأمر نجده أيضا لدى الاتجاه الدّراميّ في علم الاجتماع بريادة إيرفنغ غوفمان الّذي أكّد رفضه المطلق للمناهج الكميّة واعتمد المنهج الكيفيّ التّأويليّ. 

 ويتجلّى هذا الرّفض للمناهج الكميّة عند روّاد البنيويّة وما بعدها، ويمثّل هذا التيار فردينان دو سوسير، وكلود ليفي ستروس، ورولان بارت، وميشيل فوكو، ولويس ألتوسير، وجاك لاكان. وهم جميعهم يعتمدون المناهج الكيفيّة التفكيكيّة والنقديّة والتّأويليّة. 

ولا بدّ من الإشارة في هذا السّياق إلى روّاد الانثروبولوجيا الاجتماعيّة بزعامة كلّ من رادكليف براون، وفيكتور ترنر، وماري دوغلاس، وبرونيسلاف مالينوفسكي، و روث بندكت، و مارغريت ميد، وإدوارد تايلور، وفرانز بواس، ومارسيل موس الذين أسّسوا للمنهج الأنثروبولوجي الكيفيّ الذي يعتمد التّفاعل المباشر الكلّيّ للباحث مع موضوع بحثه. ولا نجد في هذه المناهج الأنثروبولوجيّة أيّ اهتمام بالمناهج الكميّة والإحصائية. 

والأسئلة التي تطرح نفسها من جديد هي :

– لماذا نعتمد المناهج الكميّة في البحوث الاجتماعيّة بالدّرجة الكبرى، ولا سيّما في علم الاجتماع؟

– ولماذا نتجاهل الأهميّة الكبيرة للمدارس السوسيولوجيّة الأخرى الّتي تبدو غائبة عنّا؟ 

– ولماذا تحاط المناهج الكميّة بسياج مهيب من الخطــوط الأيديولوجيّة الحمراء؟ 

3. الانتقادات الموجّهة إلى البحوث الكميّة :

ترتبط هذه الانتقادات بالنّقد الموجّه إلى الوضعيّة الوظيفيّة بوصفها أيديولوجيا برجوازيّة رأسماليّة طرحت نفسها للدّفاع عن مصالح الطّبقة البرجوازيّة، وقد أصيبت هذه النظريّة بسقطات متعدّدة، وفي كلّ مرّة كانت تحاول النّهوض من جديد عبر بعض التّغييرات البنيويّة. وباختصار، يُوجّه النّقد إلى هذه المناهج بوصفها: 

  •  استلابيّة تضبط الإنسان وتحاصره في إحصائيات وجداول وبيانات وتُعامله بوصفه شيئاً اجتماعيّاً. مثال (دوركهايم وكونت)
  • تنتزع حريّة الفرد وتضعه تحت غطاء الحتميّات الاجتماعيّة، أي تلغي دور الفرد ومكانته الاجتماعيّة. 
  • تبحث في قضايا جزئيّة سطحيّة وتبتعد عن القضايا المصيريّة مثل الأيديولوجيا والصّراع الطّبقيّ والهويّة، وهي القضايا الجوهريّة في المجتمع. وفي هذا التّجزّؤ تفقد القضايا الكبرى أهميتها وخطورتها. 
  • ترفض كلّ أشكال النّقد والثّورة وتميل إلى المحافظة على البنية الرأسماليّة كما هي .
  • تتجاهل عواطف الفرد ومشاعره وأحلامه وقيمه الإنسانيّة وتنظر إليه بوصفه شيئاً جامداً. 
  • تعمل على تعزيز النّظام الرّأسماليّ إذ غالباً ما وُظّفت في دعم النّظام الرّأسماليّ وترسيخ بنيانه 

4. الخلفيّات التربويّة الأكاديميّة والعلميّة لهيمنة المناهج الكميّة :

تشير معظم الدّراسات الجارية في هذا المجال إلى وجود هيمنة واضحة للمناهج الوصفيّة الكميّة في المجالات البحثيّة العربيّة. ويقدّر المراقبون المهتمّون بهذا الشّأن أنّ ما يربو على 85% من البحوث الاجتماعيّة يقع في حقل البحوث الكميّة. وترصد هذه الدراسات، بالمقابل، ضعفاً شديداً في مجال البحوث النوعيّة أو المختلطة.وعلينا هنا أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ هيمنة المناهج الكميّة تعود إلى عدة أساب تكوينيّة للباحثين محمّلة بالطّابع الأيديولوجيّ. ومن المعروف أيضا أنّ البحوث الكميّة سهلة المنال مقارنةّ بالبحوث الفكريّة النوعيّة التي تعتمد التّفسير والتّأويل والحفر الأركيولوجيّ، فالمناهج الكميّة تعتمد بالدّرجة الأولى على المهارات البحثيّة، وعلى خلاف ذلك تعتمد البحوث الكيفيّة على الفهم والتّفسير والتّأويل والمشاركة الثقافيّة. وهذا يعني أنّ الباحث يحتاج إلى عمق ثقافيّ وفهم عميق للنّظريّات العلميّة والفكريّة وخبرة هائلة في التّحليل والتّفسير، وشتّان بين الأمرين.

ويمكننا في هذا المنحى الإشارة إلى مجموعتين من العوامل اللّتين تؤسّسان لهيمنة المناهج الكميّة في البحوث الأكاديميّة العربيّة، وهما: عوامل تربويّة وعوامل أكاديميّة. 

4-1-العوامل الأكاديميّة التّربويّة: 

وهي العوامل التربويّة التي تدمّر القدرات الإبداعيّة الذهنيّة للعقل وتجعله عاجزا عن الوفاء بمطالب التّفسير والتّأويل النّقديّين للظّواهر، ومنها: 

4-1-1 – التّلقين:

يتّصف التّعليم الجامعيّ في العالم العربيّ بالطابع التلقينيّ. وهذا النّمط يجرّد الطّالب والباحث لاحقا من قدراته على الفهم والتّفسير والتّأويل. فالإعداد العلميّ للطّلّاب يُركّز من البداية على التّلقين والحفظ، والتلقين عملية سيكولوجية تعليمية تستلب قدرة الطالب على ممارسة مهارات النّقد والتفسير والتحليل والتأويل، وتحاصر قدرته على الممارسة الإبداعيّة في المستقبل. فمنذ اللّحظات الأولى التي يدخل فيها الطّفل إلى المدرسة يتمّ التّركيز على الطاعة والذّاكرة، وعلى المدى التعليمي يفقد الطالب في المستقبل قدرته على ممارسة النّقد والتّمحيص. 

4-1-2- كلّيّات التّربية ليست كلّيّات علميّة: 

فكلّيّات التّربية في جامعات دول الخليج العربيّ هي في معظمها كلّيّات إعداد معلّمين ومدرّسين وليست كلّيّات إعداد باحثين متطلّعين إلى المعرفة، وكلّ المناهج فيها لا تخدم البحث العلميّ بل تُعطّله. ،. ومن ثَمّ، فإنّ المقرّرات الموجودة هي مقرّرات ثانويّة تتمثّل في مبادئ بعض العلوم التّربويّة ومحتويات خفيفة هزيلة لا قيمة لها ولا تغني من جوع. ولا يمكن لهذه المقرّرات – بأيّ شكل من الأشكال- أن تؤهّل لإعداد مفكّرين أو باحثين في مجال الاختصاص. ولذلك عندما يتخرّج الطّالب من الجامعة ويبدأ في إعداد البحوث يجد نفسه لا يمتلك قدرات فكريّة أو معرفيّة ودون تأطير نظريّ ودون عُدّة منهجيّة تساعده على إنجاز بحوثه ودراساته على النّحو العلميّ المطلوب. ويمكن لنا أن نحدد بعض السمات الأساسية لهذه الكليات على النحو الآتي :

وباختصار، تأخذ معظم كلّيّات التّربية في الخليج صورة كلّيّات إعداد معلّمين كما ذكرنا آنفاً، وهي أبعد من أن تكون كليات علميّة حقيقيّة لتخريج باحثين أو مفكّرين. فالمقرّرات التي تدرّس فيها هي مقرّرات شكليّة تؤهّلهم لمهنة التّعليم وليس للبحث العلميّ على وجه الإطلاق. وتغلب عليها أنماط التّلقين في مختلف المسائل المُدرّسة. وهذا يجعل من الصّعوبة بمكان تمكين الطّلّاب من البحث العلميّ الكميّ والكيفيّ على وجه الخصوص. 

 وإنّي لأغتنم الفرصة في هذه الجلسة لأناشد أصحاب القرار بضرورة التّفكير في هذا الأمر والنظر إليه بعين الأهمية والاعتبار. فنحن في الكويت على سبيل المثال يوجد لدينا كليّتان لإعداد المعلّم: كليّة التّربية الأساسيّة وهي إحدى كليات الهيئة العامّة للتّعليم التّطبيقي والتّدريب، وكليّة التّربية في جامعة الكويت وكلتاهما تقوم بإعداد المعلّمين. والسّؤال: لمَ لا يكون هناك كليّة مخصّصة بإنتاج المفكّرين وإنتاج الباحثين وإنتاج الدّراسين في المجال التّربويّ؟ واعتقد أن هذا الأمر يشكل قضيّة تربوية مهمّة يجب أن تطرح بشــكل جديّ من قبل أصحاب القرار التّربويّ والمشرفين عليه.

4-1-3-الإيفاد العلميّ :

غالباً ما يوفد الباحثون الخليجيّون للدّراسة في البلدان النّاطقة بالإنكليزيّة (أمريكا – بريطانيا – أستراليا – كندا) وهي البلدان ذات التّوجّهات الأيديولوجيّة الرأسماليّة التي تسود فيها المناهج الكميّة كأيديولوجيا وكمنهج علميّ. ومنذ البداية يتشرّب الموفدون هذه المنهجيّة العلميّة ويمعنون في تأكيدها كأيديولوجيا. علماً بأنّ بعض الدّول الأخرى – كألمانيا وفرنسا – تعدّ من البلاد المتقدّمة سوسيولوجياً على الولايات المتّحدة الأمريكيّة. ولا بدّ من القول – والتّذكير – بأنّ علماء الاجتماع في ألمانيا كانوا روّاد السّوسيولوجيا ومرسّخيها في الولايات المتّحدة الأمريكيّة نفسها. 

4-1-4– تعيين الأساتذة وأعضاء الهيئة التّدريسيّة:

عند تعيين أساتذة الجامعة في الجامعات الخليجيّة بعامّة يتمّ قبول الأساتذة خرّيجي الجامعات الأمريكيّة في البلدان المُشبَعة بالثّقافة الأمريكيّة ( أمريكا– بريطانيا – كندا – أستراليا). ومن المعروف أنّ المؤسّسات الأكاديميّة في هذه البلدان تُعنَى بالمنهج الكمي في البحث العلميّ وتؤكّد أولويّته. وهذا الأمر يفوّت فرص التّنوّع الثقافيّ والفكريّ في الجامعة، إذ لا نرى أيّ تأثير أو حضور للثّقافات الغربيّة أو الشرقيّة الأخرى في الجامعة. ويلاحظ في هذا السّياق أنّه لا يوجد بين أعضاء هيئة التّدريس إلاّ خرّيجو الجامعات الأمريكيّة أو من يماثلهم، وهذا يعني أنّه لا توجد ثقافة أكاديميّة ألمانيّة أو فرنسيّة أو روسيّة في الحقل الأكاديميّ الخليجيّ، وهي الثّقافات التي تُعلي من الطّابع النّقديّ التّأويليّ في البحوث العلميّ .وبعبارة أخرى، فإنّ أساتذة الجامعات يتميّزون بدرجة كبيرة من التّجانس الثّقافيّ والأكاديميّ، إذ ينهجون نهجاً واحداً وينهلون من منبع واحد هو الثّقافة الأكاديميّة الأمريكيّة تحديداّ. وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أنّ الجامعات الأمريكيّة نفسها تنطوي على تنوّع فكريّ وثقافيّ وتضمّ مفكّرين من مختلف المشارب والاتجاهات العلميّة. وهذا الجانب من عوامل الخصوبة والثّراء.

وباختصار شديد، فإنّ الجامعات الخليجيّة تعتمد النّموذج الغربيّ الأمريكيّ في مناهج البحث والتّفكير الأكاديميّ، وهو المنهج الذي يُركّز على الإحصاء والتّحليل الكمي بوصفه معياراً “علميًا” للصّرامة والدّقّة العلميّتين.

4-1-5-سياسة المجلّات العلميّة في مجال قبول الأبحاث :

 المجلّات العلميّة الأكاديميّة العربيّة تهمل البحوث الفكريّة النوعيّة وتقلّل من شأنها وترفض قبولها للنّشر في معظم الأحوال، علماً بأنّ البحث الفكريّ النّوعيّ يتطلّب جهودا مضاعفة بالمقارنة مع البحوث الكمية. ويضاف إلى ذلك أنّه لا يوجد تقدير للتّفكير النّقديّ الّذي ينظر إليه بعين القلق والرّيبة. 

4-1-6- المتطلّبات الأكاديميّة والإداريّة:

في معظم الجامعات العربيّة والخليجيّة نجد أنّ لجان التّرقية، ومجلّات النّشر العلميّ غالباً ما تُفضّل الأبحاث الموظّفة للمنهج الكمي الذي يؤخذ على أنّه المنهج العلميّ الأفضل الذي يعطي نتائج قابلة للقياس والتّعميم ،وهذا الأمر من شأنه أن يوجّه الباحثين إلى اعتماد المنهج الكمي لضمان قبول أبحاثهم.

4-1-7- ضعف التّكوين في المنهج الكيفيّ :

كثير من الباحثين العرب لم يتلقَّوْا تدريباً منهجيّاً كافياً في استخدام المناهج الكيفيّة، مثل الملاحظة بالمشاركة، المقابلات المتعمّقة، تحليل الخطاب، التّفكير النّقديّ، إلخ. وهذا القُصور يجعلهم يتجنّبون المناهج الكيفيّة لصعوبتها، 

4-1-8–تغييب التّفكير التّأويليّ:

 يتطلّب البحث الكيفيّ انخراطاً عميقاً في المعنى، ويقوم على التّأويل والفهم الذّاتيّ للسّياقات، وهو ما يُنظر إليه أحياناً في الوسط الأكاديميّ العربيّ على أنّه ” ذاتيّ ” و”غير علميّ”، مقارنة بالمنهج الكمي الذي يعطي أرقاماً دقيقة واضحة. وقد يتمّ رفضه لأنّهم لا يملكون الخبرة الكافية لتوظيفه بشكل علميّ رصين. وقد يعود ذلك إلى صعوبة إجراء المقابلات والخوض الفكريّ في تحليلها وتفسير معانيها ودلالاتها. وعلى هذا الحال يتجنّب الباحثون الموضوعات الحيويّة والوجوديّة الّتي تُمثّل نقاطا حمراء لا يمكن للباحث أن يباشرها أو يلامسها، ولذلك تبقى الأبحاث جزئيّة سطحيّة .

4-2- المجموعة الثّانية: عوامل أكاديميّة بحثيّة صرفة، ومنها: 

 وتتمثّل هذه المجموعة في عوامل بحثيّة خالصة، أهمّها: 

4-2-1 – سهولة القياس والتّقنين: 

يعتمد المنهج الكمّيّ على أدوات جاهزة ومقنّنة مثل الاستبيانات والاختبارات والإحصائيّات، ممّا يُسهّل على الباحثين جمع البيانات وتحليلها. وهذا يتماشى مع ميول كثير من الباحثين إلى اختصار الوقت والجهد، وإلى الاعتماد على إجراءات “آمنة” ومُعترف بها. فالباحث، وبكلّ بساطة، يأخذ استبانة ويبدأ مباشرة في إجراء البحث الميدانيّ، والبحث الميدانيّ له مهارات، وسأتحدّث عن ذلك في حينه.

4-2-2 – التّركيز المفرط على المعالجة الإحصائيّة.

كانت العمليّات الإحصائيّة قي سابق الأيام تتّسم بالصّعوبة وتحتاج إلى قدرات معرفيّة متميّزة، أمّا الآن، ومع التّقدّم الهائل في الإحصاء الإلكترونيّ والتّطبيقات الإحصائيّة، أصبح الحصول على البيانات أشبه بلعبة ساذجة. وقد أصبح من المألوف جدّاّ أنّ البرامج الإحصائيّة المقدّمة مثل (SPSS) تُوفّر اليوم إمكانيّات عظيمة في الحصول على المعطيات الإحصائيّة وتمكّن الباحث من إجراء الاختبارات بسهولة. وقد أصبح أيضاً من السّهولة بمكان أن يحصل الباحث على قوائم هائلة الحجم من الجداول الإحصائيّة ” بضغطة زرّ” كما يقال. وهذا الأمر يجعل من الميسور أن يجري الباحث بحوثه دون عناء يذكر.وقد ترافق ذلك مع وجود متخصّصين في الإحصاء الإلكترونيّ يُسدُون خدماتهم بخفّة وسرعة ونجاعة وسهولة كبيرة. وكان البحث العلميّ فيما قبل الثّورة الإلكترونيّة في مجال الإحصاء يحتاج إلى مهارة ومعرفة كبيرة بالإحصاء، ولكن مع وجود البرامج الإحصائيّة لم يعد الباحث يحتاج إلى فهم عميق للمعطيات الإحصائيّة، فالبرامج تتكفّل بذلك. وهذا الأمر ييسّر عمليّة البحث الكمي ويشجّع عليه. ويمكن أن أقدّم مثالاً واضحاً على ذلك: في إحدى المرّات أودع أحد زملائنا معطياته الإحصائيّة إلى المحلّل الإحصائيّ في الكلّيّة، وبعد فترة قصيرة أعطاه المحلّل كمّاً هائلاً من الأوراق المجدولة، وهو يريد أن يثبت أنّه قدّم جهداً كبيراً يحسب له. ومن المعروف الشّائع الآن أنّ ضغطة زرّ واحدة على معطيات البرنامج الإحصائيّ يمكن أن تعطي مئات الصّفحات الورقيّة من الجداول.وفي هذا السّياق يمكن القول إنّ بعض الباحثين يجدون في هذه البرمجيات ضالّتهم، إذ يملؤون أبحاثهم بقوائم من الجداول والاختبارات المكرّرة بصورة عشوائيّة.

وباختصار، فإنّ وجود برامج جاهزة مثل SPSS وAMOS وغيرها شجّع على اعتماد المنهج الكمي، إذ يمكن للباحث إدخال البيانات والحصول على نتائج جاهزة دون الحاجة لفهم عميق للسّياق أو التّفاعل مع المشاركين.

4-2-3 – الاعتماد المفرط على الاستبيانات الجاهزة والاستبانات الإلكترونيّة :

تعتمد كثير من البحوث الكميّة على أدوات مستوردة أو مترجمة من بيئات ثقافيّة واجتماعيّة مختلفة دون ملاءمة فعليّة مع السّياق المحلّيّ. نضيف إلى ذلك ضعف التّحقّق الثّقافيّ من الصّدق والثّبات، وهو ما يجعل النّتائج غير دقيقة أو غير قابلة للتّعميم. ويتمّ الاعتماد غالباً على مقاييس وقع تطويرها في الولايات المتّحدة أو أوروبا، دون اختبار ثقافيّ معمّق، ممّا يؤدّي إلى نتائج مشوّهة أو غير دقيقة.على سبيل المثال: دراسة الذّكاء العاطفيّ أو الرّضا المهنيّ باستخدام أدوات غربيّة قد لا تراعي الخلفيّة الثّقافيّة، والقيم الأسريّة، أو نمط العلاقات الاجتماعيّة في الخليج.

ومن المؤسف أنّ الاعتماد على الاستبانات الجاهزة قد أصبح ظاهرة بحثيّة، فمعظم الاستمارات تأتي جاهزة، والباحث في كثير من الأحيان عندما يباشر بحثه يبدؤه باستبانة ولا يبدأ بفكرة أو إشكاليّة بحثيّة تنظّم اهتمامه بعمليّة البحث العلميّ. وهنا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار غياب الهاجس البحثيّ، فمعظم الأبحاث تُعرَض في الأغلب لنيل الشّهادات العلميّة أو التّرقيات الأكاديميّة. ويضاف إلى ذلك أنّ الاستبانات الإلكترونيّة أفقدت البحوث العلميّة مشروعيّتها. وقد أصبح بالإمكان إجراء بحوث علميّة وفق استبانات إلكترونيّة توضع عبر روابط فضائيّة عن بعد، والأمر الأخطر أنّ نتائج هذه الأدوات تُنجَز بشكل آليّ وإلكترونيّ. وهذا كلّه يجعل من البحث الكمي أمراً مطلوباً ومرغوباً.

4-2-4 – تحيّز العيّنات: 

ومع انتشار الاستبانات الإلكترونيّة عبر الشّبكة أو الاستبانات عن بعد غرق البحث العلميّ في مستنقع التّحيّز في العيّنات، إذ لم تعد لدينا أيّة قدرة على سحب عيّنات حقيقيّة ممثّلة عن طريق هذه الاستبانات الحقيقيّة التي كان الباحث ومساعدوه يوزّعونها بشكل مباشر وحيويّ على أفراد العيّنات المنهجيّة المسحوبة في سابق الأيام. إذ غالباً ما تكون هذه العيّنات غير حقيقيّة أو وهميّة نتيجة الاعتماد المفرط على الاستبانات الإلكترونيّة عبر الشّبكة العنكبوتيّة.

4-2-5 -سطحيّة الأطر النّظريّة: 

 ويلاحظ في هذا السّياق أنّ معظم الدّراسات تجري في الوسط الأكاديميّ الضّيّق أي بين الطّلّاب وأعضاء الهيئة التدريسيّة إلى درجة أفقدت البحث العلميّ معناه ودلالته. فالطّلّاب والأساتذة يجدون أنفسهم وقد تحوّلوا إلى مختبر لهذه الأدوات، ومعها يصبح تعبئة هذه الاستبانات تحصيل حاصل. فالطّلّاب والمعلّمون والأساتذة يقدّمون إجابات عرضيّة سريعة غير دقيقة تحت ما يُسمّى ” رفع العتب”. ومثال ذلك أنّ الطّلّاب قد يجدون أنفسهم مطالبين من قبل أساتذتهم بالاستجابة لهذه الاستبانات المتوالدة. وهذا يمكن أن يُصنّف تحت بند القسر والإكراه اللّذَيْن يتنافيان مع روح البحث العلميّ. وتفيد خبرتي في هذا المجال أنّ بعض الطّلّاب يُستجَوْبون بعدد كبير من المرّات خلال الفصل الدّراسيّ، وهذا ينطبق على أوضاع أعضاء هيئة التّدريس في الجامعة. والقصد من ” رفع العتب” المشار إليه آنفا أن تجد نفسك مكرها على تعبئة الاستبانات إكراما ومودّة لا رغبة أو اقتناعاً، وهذا يؤدّي إلى إعطاء إجابات غير صادقة عن الأسئلة الكثيرة التي تتميّز بها الاستبانات الطّويلة. 

 ويتّضح أنّ البحوث الكميّة غالبا ما تكتفي بعرض نماذج أو مفاهيم عامّة دون تحليل نقديّ أو تأطير فلسفيّ أو إبيستيمولوجيّ عميق. ففي بعض الحالات، يتمّ تضمين الإطار النّظريّ بصورة شكليّة فقط لتلبية متطلّبات النّشر أو الجامعة.ويركّز العديد من الباحثين على الجوانب التقنيّة والإحصائية، في حين يُهمَل البناء النّظريّ العميق، أو يقع إدراجه شكليّا. وتُلاحظ هشاشة في تأصيل المفاهيم أو ربطها بنظريّات معرفيّة معاصرة.

4-2-6 – ضعف الأصالة البحثيّة والتّركيز على القضايا الهامشيّة .

يمكن القول إنّ معظم البحوث العربيّة تأتي على صورة تكرار للموضوعات والأدوات والدّراسات الميدانيّة السابقة، مع تغيّر العيّنة أو البيئة فقط. ويغلب عليها غياب الطّرح الإشكاليّ الحقيقيّ أو الرّؤية النقديّة الخاصّة بالباحث. كما أنّها تبتعد كثيراً عن القضايا الحيويّة التي تتعلّق بالأمن والأيديولوجيا والصّراع الطّبقيّ والاستلاب والاغتراب، والثّقافة العميقة. ويضاف إلى ذلك أنّ النتائج لا تؤدّي غالباً إلى تحوّلات تطبيقيّة ملموسة أو اقتراحات تطويريّة قابلة للتّنفيذ في مؤسّسات الدّولة أو التّعليم. وغالباً ما تكون التّوصيات إنشائيّة، عامّة، أو مفصولة عن الواقع الميدانيّ.

5. نمطيّة البحث العلميّ أو التّسطيح الشّكليّ في البحث العلميّ: 

يلاحظ المراقبون وجود نمطيّة سطحيّة متواترة في البحث العلمي في الآتي :

أ- غالبا ما يبدأ الباحث بالبحث عن موضوع أو استبانة جاهزة تنقل أو تترجم أو تقتبس ومن ثَمّ تُوزّع إلكترونيّاً – دون مراعاة العيّنة ونسبها .

ب- يتمّ اقتباس ملخّصات للدّراسات السّابقة دون أيّة قراءة متأنيّة، مع وجود نموذج جاهز لمعالجة هذه الدّراسات.

ج –تعطى البيانات للمحلّل الإحصائيّ الذي غالبا ما يقدّم تحليلاً اعتباطيّا لا معنى له. 

د- قد يقوم المحلّل نفسه غالبا بكتابة التّقرير ووصف البيانات. 

ه- يوضع التّقرير بين يدي مصحّح لغة عربيّة وغالبا ما يعيد صياغة التّقرير.

و –غالبا ما يختار الباحث عيّناته في الجامعات والمدارس كي يسهل عليه العمل. 

ز- بكلّ بساطة، معظم الباحثين أصبحوا مهرة في إنجاز البحوث الكميّة في أسرع وقت ممكن. 

ح- تحبير مقدّمة إشكاليّة في ثلاثة أو أربعة أسئلة، علما بأنّ إشكاليّة البحث (الحقيقيّة) من الممكن أن تتضمّن عددا كبيرا من الأفكار والتّصوّرات التّمهيديّة.

6 . نموذج بحثيّ – المهارات البحثيّة :

 بصورة عامّة، يعتمد البحث العلميّ الذي نراه في مؤسّساتنا الجامعيّة على ما يمكن أن أسمّيَه المهارات البحثيّة الشكليّة؛ وهذا يعني أنّ البحث أصبح اليوم حاصل جمع عدد من المهارات البحثيّة والإحصائيّة، ويمكن أن أقدّم الصّورة النمطيّة لهذه الوضعيّة البحثيّة النّموذجيّة :

عندما يشرع الباحث في إجراء دراسته يبدأ في كثير من الحالات باختيار استبانة جاهزة أو نصف جاهزة أو مترجمة أو معدّلة. وهذا يعني أنّ الباحث لا ينطلق في هذه الحالة من إشكاليّة فكريّة بحثيّة هاجسيّة، ثمّ تأتي المرحلة الثّانية وهي تطبيق الاستبانة إلكترونيّا، وفي المستوى الثّالث غالبا ما يتمّ اختيار العيّنات الأقرب أي من طلّاب الجامعات أو المدارس والمعاهد أو المعلّمين والمدرّسين وأعضاء الهيئة الأكاديميّة. وفي المستوى الرّابع يتمّ نسخ ملخّصات للأبحاث وترتيبها زمنيّا ومكانيّا. وهذا يعني أنّه لا توجد قراءة عميقة لهذه الدّراسات ولا يستفاد منها كما يجب. وهذه العمليّة تعتمد على النّسخ واللّصق وتغيير بعض التّعابير لتتناسب مع الوضعيّة البحثيّة الجديدة (هذا إذا كانت جديدة) .

والباحث في معظم الحالات لا يحتاج اليوم إلى القدرة على التّحليل الإحصائيّ، وقد تكون لديه مهارة استخدام البرامج الإحصائيّة، وفي معظم الحالات تعطى نتائج البحث إلى فنّيّ إحصائيّ (SPSS) يقوم بتحليل النّتائج الوصفيّة بيسر ويجري الاختبارات المطلوبة والشّائعة كالمتوسطات والانحرافات المعياريّة واختبارات “ت تيست” ” (T-test) لاختبار الفروق بين المتوسّطات وغيرها من الاختبارات المألوفة. 

وهناك نماذج محدّدة للتّوصيات والاختبارات والمصطلحات وغيرها. وفي كلّ هذا نجد غياباً للتّفكير النّقديّ والتّحليل الذّهنيّ والتّفسير العقلانيّ وللمجهود الشّخصيّ. وبعبارة أخرى يكون البحث مختزلا في مجموعة من المهارات المكتسبة بالمران والتّدريب وهو ما يعني تغييباً كاملاً للتّفكير والنّقد والإبداع والـتّأمّل الذّهنيّ. 

وغالبا ما يتمّ اختيار موضوعات جزئيّة مستهلكة مجترّة غير حيويّة ولا ذات راهنيّة. فعلى سبيل المثال هناك عدد كبير من الموضوعات الخام أو البكر التي لم يتمّ التّطرّق لها أبداً في المجتمع الكويتيّ والمجتمعات الخليجيّة، وهي ما زالت خارج إطار البحث العلميّ مثل التّعليم الأجنبيّ، وتعليم المهاجرين وتعليم الوافدين، وسياسات التّعليم، والمدارس الخاصّة، والاغتراب التّربويّ، والغزو الثّقافيّ…الخ. وباختصار يمكن للأستاذ الجامعيّ أن يتولّى وهو جالس في مكتبه تصميمَ استبانة يوزّعها على طلّابه في جامعته، ومن ثَمّ يقوم بتفريغ بياناته بمساعدة الباحثين المساعدين وبعد ذلك يعتمد النّموذج الذي عرضناه آنفا لتكتمل الحلقات ويتمّ إنجاز البحث العلميّ على صورة تآلف المهارات البحثية. وفي هذه الحالة لا يوجد جهد في البحث عن قضايا خارج الجامعة ولا داعي للخوض في قضايا حسّاسة، المهمّ أن يكون البحث مجرد إضافة تُزاد إلى ملفّ التّرقية وحسبنا الله ونعم الوكيل. وفي هذه الحالة لا يوجد هاجس أكاديميّ أي قضيّة إشكاليّة ملهمة يسعى الباحث إلى سبرها والكشف عن غموضها. ويمكن أن أعطي مثالا جيّدا عن الباحث الحقيقيّ وذلك عندما أراد بيير بورديو عالم الاجتماع الفرنسيّ أن يجري بحثاً علميّاً ميدانيّاً اختار الجزائر لأنّه أراد أن يكون موضوعيّاً في بحثه ولا يريد أن يجري بحثه في فرنسا حرصاً على عدم التّحيّز البحثيّ، إذ أراد أن يكون البحث موضوعيّاً خالصاً لا تشوبه المعطيات الأيديولوجيّة والذّاتيّة.

7. التّخاصب بين الكمّ والكيف: 

يقول كانط في كتابه ” نقد العقل الخالص “: الحدوس الحسيّة بدون مفاهيم تظلّ عمياء، والتّصوّرات العقليّة بدون حدوس حسيّة تظلّ جوفاء”. وهذا يعني أنّه لا بدّ للبحث العلميّ من أن يجمع بين الكمّ والكيف وأن يحقق التخاصب بين التّأمّل الفكريّ والفعل التّجريبيّ. 

حقيقة أنا لا أنكر أهميّة البحث الكمي ولا يمكن لأحد أن ينكر أهمّيّته وضرورته في كثير من الحالات البحثيّة. ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ نجاح البحث الكمي لا يكون إلاّ بالتّخاصب مع المناهج الكيفيّة. إنّ الأمر الذي يفقد البحث الكمي معناه ودلالته وقيمته هو تغييب البعد النّظريّ الفكريّ في البحث لصالح النّمطيّات البحثيّة التي تحدّثنا عنها آنفاّ. وهذا يعني في النّهاية أنّ البحث الكمي يجب أن يُركّز في الوقت نفسه على التّفكير والتّأمّل والبعد الفلسفيّ النّقديّ، وهو الأمر الذي يضفي المعنى والدّلالة المعرفيّة على البيانات الإحصائيّة ويرقى بها إلى المستوى المعرفيّ. وممّا لا شكّ فيه أنّ البحث الكمي يكون فعّالا عندما يتضمّن الشّروط الفكريّة والمعرفيّة الحيويّة المطلوبة في الفعل الأكاديميّ. ولا يمكن للبحث الكمي أو غيره من البحوث الطيفيّة أن يكون بكون بحثا ما لم يصدر عن باحث حقيقيّ ـ وأعني بالباحث الحقيقيّ ذاك الذي يحمل في ذاته القدرة على التّأمّل والتّحليل والتّفكير ويمتلك مشروعا بحثيّا أصيلا، وتكون الحقيقة هاجسه الملهم. فالباحث الحقيقيّ لا يريد أن ينجز بحثاً للتّرقية أو بحثاً للشّهرة، بل هو الباحث الذي يبحث عن الحقيقة ويؤمن بها ويسعى إليها ويضحّي من أجلها، وهذا يعني أنّ الباحث الحقيقيّ هو الذي يجعل من المعرفة غاية له لا وسيلة للفوز والتّرقية والجاه والشّهرة. وهو الباحث الذي يَدين بالمبدأ الذي يقول: لا يعطيك العلم بعضه حتّى تعطيه كلّك. وهو الباحث الذي يمتلك المهارات العلميّة البحثيّة الضّروريّة، أي أن يكون إحصائيّا يمتلك معرفة عميقة بالإحصاء لا أن يلجأ للفنّيّين أي أن يدرك جوهر العمليّات الإحصائيّة لا شكلها. إنّه الباحث الذي يعرف اختيار العيّنات الحقيقيّة ويباشر القضايا الحيويّة ويبحر في عمق النّظريّات الفكريّة. وعندما يمتلك الباحث هذه الشّروط يستطيع أن يجعل من البحث الكمي بحثا يتميّز بالخصوبة ويَعد بالعطاء الفكريّ. 

لقد أدرك فرانسيس بيكون صاحب المنهج التّجريبيّ هذه الحقيقة، قبل كانط، وأدرك أهميّة التّفاعل بين الكمّ والكيف وبين التّجربة والنّظريّة عندما أعلن إخفاق المنهج الكمي الخالص ومثّله بطريقة النّمل الذي يجمع الحَبّ ويراكمه ولكنّه لا يستطيع في النّهاية هضمه وتأويله، وقد رفض المنهج التّأمّليّ الخالص الذي شبّهه بمنهج العنكبوت الذي ينسج خيوطه من ذاته دون التّواصل مع الواقع والتّجربة. ولكنّه أقرّ بأهميّة المنهج العلميّ الذي يقرن بين الفكر والتّجربة، بين النّظر والعمل، بين المعطى الكميّ والكيفيّ، ومثّله بمنهج النّحل الذي يجمع الرّحيق ويحوّله إلى عسل مصفّى. ومنهج النّحل، كما يصفه بيكون، يمثّل الحالة التي ندعو إليها وهي التّخاصب بين النظريّة والتّجربة، بين الفكر والعمل، بين الكمّ والكيف في المنهجيّة العلميّة. 

8. الخاتمة: 

وقبل أن أختتم أريد أن أذكّر الحضور بأنّ ما قدّمته في هذه الورقة يمثّل مجرّد انطباعات نقديّة تقبل النّقد والرّفض والدّحض، وهي بالنّتيجة انطباعات متولّدة من تجربة أكاديميّة واسعة في مجال البحث العلميّ. وخير ما تختتم به هذه المداخلة قول منسوب إلى ابن خلدون يوضّح فيه عمق هذه الإشكاليّة ويؤكّد أهميّة الانتقال من السطحيّة في البحث إلى العمق الفكريّ، أي من الظّاهر إلى الباطن، ومن المعلن إلى المضمر، ومن العَرضيّ إلى الجوهريّ في رحلة الكشف عن الحقيقة، إذ يقول: 

” لا يكفي أن تصف موج البحر وظهور السّفن، حين تريد أن تتكلّم عن حياة البحر.. لا بدّ لك من أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش.. وقاع السّفينة حيث يجلس عبيد وملّاحون إلى المجاديف أيّاماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السّفن، وثروات ورُكّاباً.. وينزفون عرقاً، وتتمزّق أجسامهم تحت السّياط .. أجل! ينبغي أن تعطيني الصّورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور”. 

وفي هذا القول تكمن رؤيتنا في أهميّة البحث عن العمق الجوهريّ للحقيقة الاجتماعيّة، فالبحث الكمي هو وصف للظّاهر والمنظور، أمّا البحث الكيفيّ فهو يمكّن من النّفاذ إلى جوهر الحقيقة ويستكشف أعماقها. ومع أهميّة العمق والجوهر فلا يمكن لنا أن نتجاهل ما يجري على سطح السّفينة لأنّ معرفة العمق لا تتمّ إلاّ من خلال معرفة أوليّة بما يجري على السّطح. وهذا يعني في النّهاية أنّه لا بأس في التّخاصب بين الكمّ والكيف، بين المعطى الإحصائيّ والمعطى الفكريّ العميق في البحث العلميّ. 

وباختصار، فإنّ الفكر والتّفكير والتّأمّل والتّأويل والتّفسير هي العمليّات الأساسيّة المنشودة في البحث العلميّ، والتي تُمكّن الباحث من القدرة على التّوغّل في أعماق الحقيقة بكلّ معطياتها. وباختصار شديد يجب على الباحث، قبل أن يجري بحثاً، أن يكون مُنظّراً في البداية وأن يظلّ مُنظّراً في النّهاية. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. علي أسعد وطفة 

جامعة الكويت – كلية التربية 


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى