التنويريدراسات دينيةسلايدر

التفريط والتميّع: الضياع في أودية الإهمال

الآفة السادسة | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

وعلى النقيض تماماً من المغالي، يقف فريق آخر في أقصى الشمال، مصاباً بآفة “التفريط”. وفي ظل غياب الفهم الصحيح، يتساهل هؤلاء في حدود الله، ويضيعون الفرائض، ويتهاونون في ارتكاب المنهيات تحت دعاوى عريضة ومغلوطة كـ “الدين يسر” أو “الله غفور رحيم”، جاعلين من هذه الرخص الشرعية جسراً للعبور نحو التحلل والتمييع المذموم، وسكوتٍ مريب عن التجاوزات.

وقد توعد الله سبحانه وتعالى المفرطين المضيعين لأوامره، فقال محذراً من هذا الانحدار: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].

إن التفريط يقتل في الأمة روح المبادرة، ويميت في القلوب تعظيم شعائر الله. وقد كان النبي ﷺ يتفقد أصحابه ويقوّم مسارهم إذا رأى من أحدهم بوادر تفريط أو كسل بعد اجتهاد، ففي الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» (متفق عليه).

ويقول الحسن البصري – رحمه الله – واصفاً حال أهل التفريط الذين يغترون بالأماني الكاذبة: “إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل”.

إن النجاة من هاتين الآفتين (الغلو والتفريط) لا تكون إلا بـ “الوسطية”؛ ذلك المنهج المتوازن الذي اختاره الله لهذه الأمة ليكون ميزان حياتها، قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. والوسطية تقتضي تطبيق القاعدة النبوية الجامعة المانعة في التعامل مع الأوامر والنواهي: «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (متفق عليه)؛ حزمٌ بلا غلو في النواهي، واجتهادٌ بلا تفريط في الأوامر.

الدكتور عبدالله فرج الله


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عبدالله فرج الله

الدكتور عبدالله فرج الله هو أكاديمي وكاتب وسياسي أردني بارز. وُلد في 21 فبراير 1965، وتخرج بدرجة البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية من جامعة اليرموك في الأردن، ثم حصل على الدكتوراه في فقه اللغة من جامعة موسكو الحكومية في روسيا عام 1999.عمل الدكتور فرج الله في مجال التعليم الجامعي، حيث شغل مناصب تدريسية متعددة في جامعة الزرقاء الأهلية، بالإضافة إلى الجامعة الأردنية. كما عمل في مجالات إدارية مختلفة، بما في ذلك مستشار مركز دراسات الأمة وإدارة مركز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ورئاسة جمعية اللغة العربية للتعليم والثقافة.يتميز الدكتور فرج الله بحضور إعلامي قوي، فهو كاتب مقالات في عدة صحف أردنية ومقدم برامج إذاعية. شارك أيضًا في حلقات تلفزيونية وندوات ثقافية محلية ودولية.لديه إسهامات علمية معروفة من خلال بحوثه ومؤلفاته التي تركز على اللغة العربية، الفقه، القرآن، ومفاهيم تربوية. كتب أيضًا مواد منهجية مُستهدفة للطلبة الذين لا يتحدثون اللغة العربية.يُعتبر الدكتور عبدالله فرج الله شخصية مؤثرة في الحياة الثقافية والعلمية في الأردن، ويتمتع بسمعة عالية كأكاديمي ملتزم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى