هوس النهايات: عدمية المعنى في سيرورة الوجود
قراءة فلسفية في تداعيات القلق الوجودي وحزن المناخ على استمرارية الحضارة الإنسانية

توطئة:
أشرت في أكثر من مقال عن ولع الكتاب والمفكرين في الغرب بفكرة “النهايات”؛ من “نهاية الأيديولوجيا”، إلى “نهاية العمل”، ونهاية التاريخ”، وحتى “نهاية الحياة”، دون أن نستبين على وجه الدقة والقطع صحة أي من هذه النهايات، رغم الرواج الكبير، الذي وجدته في السوق اللاهث لمعرفة أقدار المصير وخواتيم سيرورته. والمؤكد أن عالم الأدب قد امتلأت صفحاته بقصص هذه النهاية، وأشبعها النتاج الإبداعي بصورٍ مبهرةٍ حينًا، ومُخيفةٍ غالب الأحيان، تزيد الغموض غموضًا. وكان للخيال العلمي نصيبه الوافر في تهيئة الذهن لاستقبال حصادها العملي في تمثلاته العينية، ووسائله الإجرائية، التي تجعل من إمكانية الإفناء المُعَجِّلَة بالنهايات حقيقة مُرعِبَة؛ كأسلحة الدمار الشامل، والتي لن تبق ولن تزر إذ انزلق عقل قَيِّمٍ على إحداها إلى درك الفعل المجنون. وفي نسق مُغاير لما درج عليه العقل الغربي يكتب إيميت رينسين عن ملامح أخرى للنهايات، أو ما أسماه “نهاية العالم لكل عصر”، يركز فيها عن “الحزن البيئي”، و”مرثية المناخ”، و”راهب أرمني”، وذلك في قصة هجينة جديدة من مجلة “لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس-Los Angeles Review of Books-LARB” الفصلية، رقم 47، الصادرة في 13 ديسمبر 2025، بعنوان: “الأمن”.
ويُعدّ التفكير في النهايات من الظواهر، التي تشغل الفكر الإنساني على مر العصور، وليس الغربي وحده، ويحمل هذا الانشغال في طياته سُبلًا متعددة لفهم تطورات الحضارة وتجهُّم مستقبلها. فالانشغال بالنهايات يعكس رغبة عميقة في استشراف مستقبل غير معلوم، ويعكس أيضًا قلقًا وجوديًا يعتري الإنسان حول مصيره النهائي والوجهة، التي ستُسفر عنها مسيرة الحضارة. ويُنظر إلى النهايات على أنها لحظة انتقالية تحمل رمزية الإفراط في الإحساس بالانحسار، أو التوقف، وتلك الرؤية تبرز في مختلف الحقول الفكرية، من الدين إلى العلوم، مرورًا بالناحية السياسية والوجودية. وتتداخل في ذلك التصور أبعادٌ فلسفية وتاريخية، تؤكد أن فكرة النهاية ليست مجرد تصور ميتافيزيقي، بل هي قوة مؤثرة في تشكيل القرارات والتوجهات الثقافية والسياسية. ففي البُعد الديني، يُنظر إلى النهاية كنقطة لقاء مع ما وراء الدنيا، تُمثّل الحساب، أو النهاية الأبدية، في حين يركز الفكر العلماني على النهايات الممكنة علميًا وتكنولوجيًا، ما يستثير حوارات عن قدرة الإنسان على السيطرة على مصيره من خلال التقدم والمعرفة. ويتضح أن هوس النهايات لا يقتصر على دائرة واحدة، وإنما يشمل معانٍ متعددة من التهديد والتحدي، مع تباين في تفسيرها، ما يلابس التصورات عن الأمل، أو اليأس، ويفتح باب الحوار بشأن مدى قدرة الإنسان على التغلب على مشاعر القنوط، أو الإحباط الناتج عنها. يعكس ذلك أيضًا رغبة الإنسان الغريزية في فهم معنى وجوده، والسعي وراء استدامة للحياة، أو لنقاء للأفكار، رغم أنه غالبًا ما يُختزل هذا كله في تصور واحد عن النهاية، سواء كانت مادية، أو معنوية. وتعكس هذه المفردة، إذن، الجدل المستمر حول حدود القدرة البشرية في السيطرة على الميل نحو اللامحدودية، أو النهاية، وهو ما يبرز بوضوح في الفكر الغربي، حيث تتداخل مخاوف النهايات مع تطلعات الأمل، فتصبح منطقًا يعبر عن صراع دائم بين اليأس والرجاء، بين توقف المسيرة وانطلاقها من جديد.
لهذا، يُعتبر مفهوم النهايات من المفاهيم الأساسية، التي شكلت وجهة النظر الغربية تجاه تطور العالم والفرد، حيث يُنظر إلى النهاية كحقيقة مطلقة، أو كهدف نهائي يُنشد تحقيقه. وتتجلى الهواجس الحضارية الغربية في التعبير عنها من خلال تصورين مترابطين؛ الأول يركز على التوجس من انقطاع مستقبلي محتمل يعوق تطور الإنسان ومراكزه الثقافية والمعرفية، والثاني يتعلق بالقلق من ضياع الهوية وعدم الثبات. على المستوى التاريخي، ظهرت هذه الهواجس مع تطور العلم والتكنولوجيا، إذ ألهبت التغيرات السريعة والإنجازات الكبرى رغبة عميقة في فهم حدود التقدم البشري، ومدى إمكانية الوصول إلى نهاية مطاف محدد يحقق السعادة، أو الكمال. ويتعاظم هذا القلق بشكل ملحوظ مع التطورات في الحقول الميتافيزيقية والدينية، حيث برزت تساؤلات عن مدى صدق النهايات الدينية والروحية، ومدى توافقها مع فرضيات العلم والمعرفة الحديثة. وهكذا، تُعد الهواجس الحضارية الغربية، بما فيها خوف فقدان المعنى، أو التحول إلى مجهول، محفزَين لطرح أسئلة وجودية عميقة، بحيث يُصبح البحث عن النهايات في الفكر الغربي ليس مجرد استكشاف لنقطة وصول، بل محاولة لفهم ما إذا كانت هناك نهاية حتمية، أو مفتوحة تتيح للإنسان استمرارية غير منقطعة في مسيرته الكونية والمعرفية.
جزيرة تموت بأهلها:
يقول إيميت رينسين، وهو كاتب مقالات ومحرر مساهم في مجلة لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس، وظهرت أعماله في صحيفة ذا أتلانتيك، وذا نيو ريبابليك، ولوس أنجلوس تايمز، وأماكن أخرى، إن القصة، التي نحن بصدد إعادة روايتها، ربما تكون غير مؤكدة، لكن من السهل تصديق ذلك: تحكي القصة الصغيرة “نيالساغا” عن قرية في جزيرة صغيرة من أرخبيل “فيستمنايجار” تنبأ الناس فيها بجفاف عظيم يلوح في الأوفق ومجاعة طويلة قادمة. وكانت الكارثة كبيرة لدرجة أن الجزيرة ستصبح غير صالحة للسكن قريبًا، ولن تنجو القرية. في البداية، لم يصدق سيد الجزيرة ذلك. فقد يأتي الجفاف؛ وغالبًا ما يأتي الجفاف، وقد عانت الجزيرة من المجاعات من قبل، لكن السنوات الصعبة كانت دائمًا تتحول إلى أعوامٍ من الوفرة. لكن عندما تم سحب القطع مرة أخرى تحت إشراف شيوخ القرية، كان خاتمة السيد نفسها: هذا العام سيشهد آخر أمطار في الجزيرة.
وهنا نقف مع الكاتب على بداية قصته عن تحولات المناخ، إذ كما قال: “استعدت القرية”، وما هذا الاستعداد إلا تعبير عن منطلقات من قاموا بتخزين وتقنين محصول ذلك الخريف. وفي الربيع، كانوا يعبئون آخر الثلوج الشتوية غير المذابة في جلود أغنام كبيرة لتخزينها. ولمدة عام، كانوا يرددون الصلوات لـ”فريير”، ابن “نيوردر”، سيد الخصوبة والازدهار والطقس الجميل والحصاد الجيد. لقد غنوا أغاني المديح، التي ألَّفَهَا “سنوري ستورلوسون” لأول مرة، وغنوها بصوتٍ عالٍ يكفي لِتُسْمَعُ في “ألفهايمر”، أرض الجان، حيث كان “فريير” أحيانًا يذهب ليكون خارج نطاق الصلوات الشائعة. وأحرقوا القرابين لخدم “نيوردر سكينير، بيغفير، وبيلا”، كشكل من أشكال صلوات الاستسقاء، التي عهدناها في عالمنا العربي والإسلامي. لكن لم يكن هناك مطر ذلك العام، ثم لمرة ثانية، ثم ثالثة؛ فشلت الحقول ونفدت المخازن تمامًا. فذبح القرويون أغنامهم، ثم خيولهم، وأخيرًا الفئران بحثًا عن الطعام. وكان الجو حارًا وجافًا جدًا. حاول الكثيرون الفرار، لكن الجزيرة كانت نائية. ومن دون الإمدادات، لم يكن معروفًا ما إذا كانت السفن الطويلة ستصل يومًا إلى شاطئ آخر. وشعراء جزيرة “ينغاسوغور” لا يذكرون أن قرية أخرى استقبلت لاجئين. وبدأ القرويون الذين بقوا في الجزيرة يموتون جوعًا؛ ومات الكثيرون، وأضلاعهم تبرز من لحم رقيق حيث سقطوا في الشوارع.
في خريف السنة السابعة، لم يتبق سوى اثني عشر روحا جائعة. من بينهم كان آخر عَرَّاف في القرية. وبما أن الشتاء القادم سيكون الأخير، جمع السيد الناجين عند الهورغار وأشعل نًارا؛ أخبرهم كيف أنه في حلم كان مستلقيَا على حضن “فريا” في حقل من القصب الأخضر الحلو وعلمته أغنية جديدة. كان يستيقظ كثيرًا من جوعه لدرجة أنه استغرق ليال متقطعة كثيرة ليتعلم كلمات الملحمة ثم اللحن، لكنه أخيرًا أتقنه، والآن سيغنون جميعًا. وهذه الأغنية، أو الملحمة الجديدة لم تطلب المطر، ولا تتوسل للطعام، أو الإنقاذ. فكان يخبر الروح الغائب فقط عن تلك المشاعر، التي لن يعرفها أي ملاك أبدًا: تقول همهمات: أنظر إلى العمر؛ “فيد إيروم أد دييا”… نحن جائعون؛ نحن عطشان؛ نحن نموت. ولا تذكر الملحمة ما إذا كانت السماء قد تحركت بهذه الصلاة الأخيرة، أم أن القرية اختفت ببساطة من الأرض. لكن في كلتا الحالتين، الدرس واحد: الكلمات لا تستطيع التحكم في الطقس، لكنها تستطيع أن تخبر الله كيف يكون الشعور عندما يصبح الإنسان يائسًا وجائعًا وخائفًا.
تآليف تغير المناخ:
ويورد إيميت رينسين سلسلة طويلة من المؤلفات، التي اجتهد كاتبوها في التنبيه لمشكلة المناخ، واجترحوا لذلك مداخل نظرٍ كثيرة، تراوحت بين الفحص العلمي والإبلاغ الأدبي، لكنه ظل يتساءل: ماذا يفعل “كتاب عن تغير المناخ”؟ فقبل وجود الكتب، كانت هناك أوراق بحثية ومقالات ونظريات: وفي ورقتين نشرتا في عامي 1824 و1827، طرح عالم الرياضيات الفرنسي جوزيف فورييه أول ما يسمى الآن “تأثير الاحتباس الحراري”، وهو الوسيلة، التي يحبس بها الحرارة على الأرض بواسطة حدود السماء. وفي أبريل 1896، نشرت مجلة لندن وإدنبرة ودبلن الفلسفية ومجلة العلوم كتابًا “حول تأثير حمض الكربونيك في الهواء على درجة حرارة الأرض” للعالم النوردي متعدد المواهب سفانتي أوغست أرينيوس. وكانت أول ورقة تتنبأ، بدقة حقيقية، بالتأثيرات المناخية للكربونات الصناعية على المناخ.
لقد تبع ذلك قرن من التحقيقات، وكانت أولى الكتب عن تغير المناخ؛ الأولى على الأقل الموجهة للقرية ككل: نوع أدبي ينسب عادة إلى كتابه “نهاية الطبيعة” (1989) وكان لبيل مكيبن الفضل في افتتاحه؛ وهو يمثل أعمالًا بطيئة وتفسيرية. كان هدفها عمليًا: التنبؤ بالمستقبل من خلال الإبلاغ عن قرن من الملاحظات التجريبية. ويقول رينسين إن أول “كتاب عن تغير المناخ” امتلكه كان كتاب ديفيد آرتشر “الاحتباس الحراري: فهم التوقعات” (2006)، الذي تضمن عدة مئات من الأرقام (معظمها رسوم بيانية)، وعدة عشرات من اللوحات (معظمها صور ملونة لخرائط حرارية)، و14 صفحة فقط من أصل 192 صفحة مخصصة لفكرة إمكانية اتخاذ إجراء بشأن التوقعات (معظمها أوصاف جافة لـ”المقايضات”، التي تترتب عليها أشياء مثل بروتوكول كيوتو). وبدأ العمل الأساس في هذه الحقبة المبكرة، “ست درجات: مستقبلنا على كوكب أكثر حرارة” (2007) لمارك ليناس، بتعريف نفسه صراحة بأنه “قبل كل شيء عمل تركيبي”. وكان لدى ست درجات طموحات تتجاوز مجرد الشرح؛ فقد اقتبس دانتي وخصص 34 صفحة كاملة من أصل 304 صفحة لفصل بعنوان “اختيار مستقبلنا”؛ لكن ما فعله بشكل رئيس هو الوصف. قال: هذا ما هو قادم.
ومع ذلك، كما هو الحال مع أي نبوءة، فإن نقطة التكهن هي إمكانية الوصول إلى مستقبل مختلف. إذا كان “الكتاب عن تغير المناخ” في البداية يسعى فقط إلى الشرح، فسرعان ما أصبح نوعًا أدبيًا أصر على ذلك. “كنت شابًا في السابعة والعشرين من عمري وأكثر من قليل السذاجة”، قال مككيبن لاحقًا عن “نهاية الطبيعة”. وكان يعتقد أن مجرد صياغة المشكلة سيحفز على اتخاذ إجراءات؛ وورثته المباشرون لم يكن لديهم مثل هذه الأوهام. فالأدبيات المناخية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ حقيقة مزعجة، “عواصف أحفادي: الحقيقة حول الكارثة المناخية القادمة وفرصتنا الأخيرة لإنقاذ البشرية”، و”صانعو الطقس: تاريخ وتأثير تغير المناخ في المستقبل”، و”الحرارة: كيف نوقف احتراق الكوكب”، و”ملاحظات ميدانية من كارثة: الإنسان”، وكتاب “الطبيعة، وتغير المناخ”، وكتاب مككيبن “حارب الاحتباس الحراري الآن: دليل اتخاذ إجراءات في مجتمعك”؛ كان عدائيًا ومتطلبًا؛ فقد أصروا، ودفعوا. وكانت هذه الأعمال لا تزال عملية، صممت لإنتاج تأثيرات مادية في العالم خارج النص. ولكن بينما تنبأ الجيل الأول من كتب تغير المناخ بأمل غير معلن، أو بالكاد معلن عنه أن تنتج نتائج سياسية، استخدم الجيل الثاني النبوءة لخدمة هدف صريح. ما فعلوه هو تحويل الاستعجال إلى طلب صريح. فقد طالبوا بإنهاء الوقود الأحفوري، وإنهاء الكربون الجوي، والسعي وراء الطاقة الشمسية، أو طاقة الرياح، أو الطاقة النووية، وإنهاء السيارات، وإنقاذ الأرض. وعَلَّمُوا قُرَاءَهُم كيف يدافعون عن هذه الأهداف في حياتهم ويغيرون عقول من يقفون في الطريق. وأصبح كتاب التنبؤ كتاب الإقناع؛ والعلمي أصبح السياسي؛ النبوئي، والبلاغي.
بين الميتافيزيقيا والمناخ:
تلعب النهايات الدينية والميتافيزيقية دورًا محوريًا في تشكيل الدوافع الفكرية والثقافية، التي تسهم في توجيه مسارات الحضارة؛ غربية وشرقية. إذ يُنظر إليها عبر التاريخ على أنها علامات على التقاء الإنسان مع المطلق، حيث كانت تُشبع الرغبة في فهم النهاية الكونية، أو الوجودية، وتُرسم من خلالها معالم المعنى النهائي للحياة عبر تحولات العصور الجليدية والمناخية. وفي السياقات الدينية، تمثل النهاية نقلة إلى عالم أبدي، وتفاؤلًا بمصير أسمى يُعلي من مكانة الروح والميتافيزيقا، مما يخلق تصورًا للوجود يتجاوز حدود العالم المادي. أما في الأطر الفلسفية، فكانت النهايات تُعبر عن حالة قُصوى من الوعي الإنساني بمحدودية المعرفة، وتُحفز على البحث المستمر عن الحقيقة المطلقة، أو الإلهي، مما يعزز التوجهات الفكرية، التي تسعى إلى تفسير الكل من خلال أجزاء الوجود. ففي ظل غلبة الفكر الميتافيزيقي، نُظر إلى نهاية الحياة على أنها انتقال إلى حالة أسمى من الوجود، ما يعمق الشعور بالهدف والغاية ويحرك الرغبة في استكشاف المجرة الماورائية والأبعاد الغيبية، فتتحول النهايات إلى قوى دفع من مستوى روحي وفلسفي، وتُبنى عليها أسس الثقة والطمأنينة في مواجهة مجهول المستقبل. وهذا التصور لم يقتصر على الجانب الديني فحسب، بل تجاوز أحيانًا ليشمل التصورات الفلسفية والعقائدية المختلفة، التي تعكس رغبة الإنسان المستمرة في ربط حياته بالمبادئ العليا، وتكوين تصور متكامِل عن النهاية، يُعطي معنى للوجود، ويبني على ذلك نماذج فكرية تتفاعل مع مسألة الموت والخلود، وتُحفّز مسيرة الإبداع والمعرفة. وهكذا، أصبحت النهايات الدينية والميتافيزيقية محركًا أساسيًا من محركات التطور الحضاري، بُنيت عليها الكثير من الأفكار والصراعات، التي شكلت ملامح الفكر الغربي، وما زالت تُؤثر في تصوراته عن المستقبل وغايات الوجود البشري، مؤكدة أن التفاعل مع مفردة النهاية يعتبر من أبرز محركات هامش الفكر والثقافة في الغرب.
ففي البداية، يقول إيميت رينسين إنه عندما كانت نهاية العالم بعيدة، كانت الكتب حول تغير المناخ مدفوعة بإيمان القرن العشرين الراسخ بأن شخصًا ما سيفعل شيئًا قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. فالأول من النوع الثاني من الكتب حول تغير المناخ حافظ على هذا الإيمان، لكنه تلاشى مع مرور السنوات. والكتب، والمقالات، والخطب، والأجواء؛ أصبحت أكثر إلحاحًا، من هذا بعد قرن من الآن، إذا لم نتحرك إلى “هذا هو مستقبل أطفالك” إلى “هذا هو مستقبلك” إلى هذا العام القادم، أقل كيف يمكننا تجنب الكارثة، وأكثر كيف نتجنب الكارثة، وأكثر كيف نستطيع التخفيف من الأشياء، التي لا يزال بإمكاننا إنقاذها. ومع دخول العقد الثاني من هذا القرن، بدأت النبوءة تبدو غير ذات الموضوع. إذا كان مكيبن ساذجًا ليظن أن التحذير يكفي لتغيير العالم، فإن أحفاده كانوا سذجًا ليظنوا أن المطلب أكثر فعالية. فالجميع كان يعرف ما سيحدث، وما الذي يحدث بالفعل؛ شبح منكري تغير المناخ حل محله أشرار أبسط في الجشع والخبث. وإذا لم يكن بإمكان “الكتاب الجدلي عن تغير المناخ” الاعتماد على المعلومات لإعطاء النداء للعمل عاجلًا، فلا بد أن يجلب الإلحاح للمعلومات نفسها؛ إذا لم يكن بالإمكان إقناع العالم، فقد يفاجأ. وما كان في السابق أوصاف جافة لارتفاع مستويات البحر والإشارات الضعيفة إلى “زيادة عبء الأمراض” و”فقدان قابلية السكن الساحلية” أصبح تمارين في رعب أدبي قوطي. وأصبح “الكتاب عن تغير المناخ” نوعًا من الاستفزاز العاطفي، والذعر والقلق والرعب. و”البشر، مثل جميع الثدييات، هم محركات حرارة؛ البقاء يعني الاضطرار إلى التبريد المستمر، كما تفعل، التي تلهث،” كتب ديفيد والاس-ويلز في ذروة هذا النوع الأدبي، كتابه لعام 2019 “الأرض غير الصالحة للسكن: الحياة بعد الاحترار”. و”عند ارتفاع درجة حرارة سبع درجات، سيصبح ذلك مستحيلًا… وسيكون التأثير سريعًا: بعد بضع ساعات، سيطهى جسد الإنسان حتى الموت من الداخل والخارج؛ وكان هذا كتابًا عمليًا؛ كان هدفه، في جوهره، بلاغيًا. لكنها كانت بلاغة بعيدة كل البعد عن وظيفة أسلافها. ونتساءل مع رينسين: ماذا فعل كتاب عن تغير المناخ، مع مرور السنوات دون اتخاذ أي إجراء؟ كان ذلك تقاعسًا مرعبًا.
إن هذا التقاعس يقدح في جدوى الاعتقاد المطلق في التقدم العلمي، إذ كانت تسود في الفكر الغربي تصورات متزايدة حول حتمية نهاية التطور العلمي والتكنولوجي، حيث يُنظر إليها على أنها تمثل ذروة التحول الحضاري وتحقيق الاكتفاء، أو الانحراف نحو مسارات قد تؤدي إلى تدهور غير متوقع، أو حتى انهيار شامل لبنى المجتمعات. وتتجلى هذه الرؤى في تصور أن التقدم التكنولوجي، بدلًا من أن يكون أداة لتحقيق الاستقرار والتقدم، قد يتحول إلى مصدر قلق وخطر على الإنسان وكيانه الوجودي، نتيجة لزيادة الاعتماد على الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي، وما يصاحب ذلك من تحديات أخلاقية وأمنية. وتتداخل توقعات المستقبل مع هذا التصور، حيث تتحدث نظرية النهايات عن إمكانية أن يطوي التاريخ صفحة تطور غير محدود، ليفتح صفحة نهايات حتمية قد تتجذر في تآكل القيم الإنسانية وتخوُّف الأفراد من قدراتهم المحتملة على السيطرة على نتائج هذا التطور.
الحزن البيئي:
وفي ظل هذه التصورات، يظهر أن هناك قلقًا من أن الوصول إلى ذروة التكنولوجيات ربما يُفضي إلى حالات من التفتت الاجتماعي، واللايقين، وانعدام التوازن، الأمر، الذي يهدد مفاهيم الاستقرار والتعايش السلمي بين البشر. يُخشى أن يصبح التقدم العلمي بمثابة سلاح ذو حدين، تستخدمه قوى غير مسؤولة، مما قد يؤدي إلى صعود أسوأ الاحتمالات، كحروب تكنولوجية، أو كوارث على مستوى الكوكب. بالمقابل، هناك استشراف وتوقعات تتطلع إلى مستقبل يعكس قدرات هائلة على التحكم في الطبيعة، وتحقيق نقلة نوعية على مستوى جودة الحياة، شرط أن تتوفر الضوابط الأخلاقية والتشريعية لمواجهة انحرافات هذا التطور. لكن، تظل مسألة النهايات العلمية والتكنولوجية حافلة بالتحديات، حيث تتداخل فيها عناصر تفاؤل حذر مع قلق مشروع، متطلعة إلى بناء مستقبل يضمن الاستفادة المثلى من إمكانيات العلم، مع حماية القيم الإنسانية، وعدم إهمال ضرورة اليقظة الحضارية. وتظل الحاجة ملحة لترشيد الاستهلاك التكنولوجي، ووضع أطر أخلاقية تعمل على توجيه مسارات التطور العلمي بما يضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا وتوازنًا.
وكما يعتقد رينسين أنه بالنسبة للكثيرين، لا يزال هذا هو حاضر هذا النوع الأدبي من الكتابة حول شأن بحجم “الحزن البيئي”، ولا يلتفت إليه أحد بمبضع المعالجة. رغم أننا شهدنا؛ خلال العقد الماضي، ظهور نوع جديد من الكتب حول تغير المناخ. ربما لأن شيئًا لم يتغير في العالم الخارجي؛ أو ربما لأن العالم الداخلي، بمجرد استفزازه، سيزيح العالم الخارجي كمحور اهتمام الكاتب؛ أو ربما، بشكل أكثر رحمة، لأن إدارة المشاعر أسهل من النظام الاقتصادي العالمي؛ أي أن هذا النوع الجديد من الأدبيات المناخية لا يستخدم العاطفة، بل يهتم بها. وتتسم بانقلاب على الإيمان القديم: الأمور خرجت عن السيطرة بالفعل، كما تقول العقيدة الجديدة، ولا أحد سيفعل شيئًا على الإطلاق؛ لأنها ليست نوعًا عمليًا. وليست نقدًا مقيدًا، مثل ماكيبن، أو غور، أو والاس-ويلز، بحدود الكتابة غير الروائية العامة، وقد انتشر إلى المقالات والخيال والسينما والشعر. وفي هذا التشكيل الجديد، صارت الكتابة عن تغير المناخ ليست نوعًا من الملاحظة العلمية ولا الإقناع السياسي، بل هي نوع من الحزن حول نتيجة محسومة مسبقًا. وماذا يفعل كتاب عن تغير المناخ؟ يغني أغنية حزينة عن نهاية العالم؛ أصبح إيميت رينسين يسميها “مرثية المناخ”.
إن “مرثية المناخ” لا تحذر من مستقبل غير مفهوم؛ لا يثير الناخبين، أو السياسيين العنيدين، أو تقترح معاهدات، أو تقنيات، أو تضحيات. فالمرثية تشهد على ذلك؛ إنها تتبع، تقلق، تنوح، وتعطي شكلًا لما لا يحتمل، وتجعل الطقوس الاجتماعية ما قد يسبب الاضطراب، لولا ذلك، الذي لا أدرى ما هو في ظن رينسين. ومع تحول تطرف المناخ إلى القاعدة، لم يعد المؤلفون بحاجة إلى النظر إلى المستقبل؛ يمكنهم ببساطة وضع قصصهم في العصر الحاضر، يبدأوا مراجعة لرواية حديثة في نوع الرثاء؛ تدور الحبكات “في ظل انهيار بيئي”، كما يوضح وصف غلاف قصة أخرى. فالخزانات الجافة، والطقس الغريب، والصقيع والأعاصير والحرائق هي المشهد الظاهري، فقط هناك. والمناظر الطبيعية حرفية ومفاهيمية في آن واحد، ليس كقضية بل كإعداد لحالة حتمية نصف محققة بالفعل. وترى المرثية أشجارًا تذبل، وأسماكًا تختنق، وطيورًا تحتضر، وماء يجف. ويشعر الإنسان بأنه مسكون بالغموض، حزين، أحيانًا ينحرف إلى العدمية، أو العاطفة، أو الذعر. وأفضل ملاحظات فيها، كما يقول إيميت رينسين، هي التردد، وأكثرها شيوعًا هو الخوف، وأكثرها إزعاجًا هو القلق. والمرثية أحيانًا عملية بطريقتها الخاصة؛ دليل ميداني لقلق المناخ: كيف تحافظ على هدوئك في كوكب دافئ؛ دروس من غرفة الاستشارات المتعلقة بقلق المناخ: كيف تعيش بعناية وهدف في عالم مهدد بالانقراض. وأحيانًا يتم خلطه مع أنواع أخرى من المواضيع الحلوة لإضفاء لمسة سريعة من الرهانات؛ مثل “أماكن رفيعة” لكيري ني دوشارتاي، و”زفاف الثعالب” لكاثرين لارسون، والكتالوج الكامل في “ميلك ويد”. ,أحيانًا يكون جيدًا جدًا؛ في مرثية، الجنوب الغربي؛ العالم كما عرفناه: تقارير من مناخ متغير، في بعض الأجزاء. وأحيانًا يكون الأمر سخيفًا، مبالغًا فيه، يكاد يكون مضحكًا؛ يقول رينسين: “كما أعني، تعرفون الكتب”. ففي عام 2020، نشرت دار ستوري ستريت برس مجموعة شعرية بعنوان “كاليفورنيا فاير آند ووتر”، معظمها عن الأطفال. الأولى، وهي “قصيدة جماعية” بعنوان “مخاوف تغير المناخ لدى طلاب الصف الخامس”، تبدأ بـ: “الخوف من العصر الجليدي القادم خوف فقدان قطتي؛ خوف من نوبات؛ هلع آخر خوف من الموت؛ خوف من التسونامي؛ خوف من الأعاصير؛ خوف من إعصار؛ خوف من فقدان الأشخاص الذين أحبهم.” وتستمر القصة هكذا بطول 41 سطرًا أخرى؛ الأخيرة: “خوف من الدفن حيًا”. وتعلن منظمة كاليفورنيا للنار والمياه عن مهمتها بأنها مساعدة المؤلفين على “مواجهة حالة عدم اليقين والتعبير عن ردودهم الشخصية تجاه أزمة المناخ”؛ التعبير عن ردنا، كما يغني نشيد المناخ، هو كل ما تبقى لنا.
والمؤسف أن رينسين يؤكد أن “حزن المناخ” مقدر له أن يبقى معنا لفترة، إذ لم يمض سوى 30 عامًا بين مكيبن والنغمات الأولى في المرثية؛ حتى وفقًا لحسابات والاس-ويلز الكارثية، سيستغرق الأمر وقتًا قبل أن نُطهَى جميعًا أحياء داخل جلدنا. فقد كانت هذه النغمة معنا لأكثر من عقد وقد نحتاج إلى الحفاظ على اللحن لعدة عقود أخرى، على الأقل حتى يتحول الانهيار إلى جعل تركيبة الأدب العاطفي؛ ذلك النوع، الذي يتحدث عن مدى سوء هذا الانقراض، الذي يجعلنا نشعر به؛ كندوب سطحية جدًا بحيث لا يمكن مواكبة الغارات المائية. والزمن يقلب الأنواع على نفسه، ويطويها؛ والآن، استمر هذا النشيد طويلًا بما يكفي ليبدأ في إظهار علامات الوعي الفوقي.
الذكرى القديمة:
ويقر رينسين أن أجمل علامة حتى الآن جاءت في وقت سابق من هذا العام في كتاب “الذكرى القديمة”، وهو كتاب قصير للصحفية لورين ماركهام؛ والذكرى هي مركز كلاسيكي للمرثية. ويعزف الأوتار المألوفة: التردد، القلق، القلق وسط الخراب. ويقدم تدهورًا في الكلمات، التي هي أشبه بالثرثرة، والتي ستظل معنا حتى يموت كل من قرأ “امتحانات التعاطف”. وكتب في وقت مبكر أن موضوع ماركهام هو “صعوبتها في استقلاب حزن المناخ”: “ذلك الشكل غير المستقر والشبحي من الحزن المتوقع على خسائر هي في آن واحد مؤكد، ولم يعرفوا بعد بالكامل من حيث الجدول الزمني، أو تجليهم الدقيق.” تكتشف ماركهام مئات الأسماك الميتة متناثرة على شاطئ في المكسيك. وتزور الأشجار القديمة في كاليفورنيا، لكنها تفشل في التفريخ. وتقضي عدة صفحات تستمع إلى أغاني طيور ماتت منذ زمن بعيد. ولو كان الظل مجرد ذلك، لكان مجرد غطاء جيد؛ إنه نهاية العالم كما نعرفه؛ ولسنا بخير! مرة أخرى؛ لكن موضوع ماركهام هو أيضًا المرثية نفسها: هدفها؛ شكلها؛ القلق الغامض والمستوحش بأن هذا النوع من الكتابة قد يكون لا مفر منه، وفي الوقت المناسب، لكنه أيضًا يبدو سخيفًا إلى حد ما. فما هو هذا العصر الثالث الغريب من “كتاب تغير المناخ”؟ ما هو هذا المشروع الغائر والسحيق، الذي تشارك فيه وتبدعه؟
إن ولادة الوعي الذاتي العام تأتي على ذلك الشاطئ المقبرة في المكسيك، حيث ترى ماركهام “مئات من هذه الجثث المائية متناثرة، وكأن أحدهم فجر قنبلة في المياه الضحلة،” وتبدأ في التقاط الصور؛ “غريزة بحتة”، كما تقول. الدافع الفوتوغرافي هو مرثية من وسائل إعلام أخرى: “رغبة غريزية في تسجيل آثار تغير المناخ” ليس كدليل، أو كمثال مقنع، بل من أجل “إظهار المشاعر” تجاه الكارثة البيئية. لكن الآن هذا الغريزة يزعجها؛ ليست الرغبة. وفي نفس الكتاب، تقتبس ماركهام بموافقة كتاب بريت راي “جيل الرعب: إيجاد هدف في عصر أزمة المناخ”، وهو كتاب كلاسيكي من أنثى أخرى، حيث يحث “هذا الجيل” على التقاط الرعب “الذي يطفو بحرية في الهواء”؛ هي منزعجة من شكل رغبتها. ووفقًا للكتاب، كانت أغنيتها حتى الآن فوضوية جدًا، غير مركزة اطلاقًا، “فشل في تحديد كيف تشعر بشكل كاف.” وتعرف ماركهام أنها تشارك في نوع جديد من الأدب، وهو نوع تؤمن به؛ فالعالم ينتهي، ويبقى لنا أن نعبر عن ردنا. لكن ما هو الرد؟ كيف يتم التعبير عنه بأفضل شكل؟ والنتيجة هي كتاب يجمع بين المرثية نفسها ونظرية عن تركيبه: أي مفتاح؟ أي أسلوب؟ لأي غرض؟
ولا يتحرج رينسين أن يقول إنها تبدو عارية وفجأة تشعر بالحرج من نفسها، إذ تنطلق “إيممي ثيل” بحثًا عن مكانها في العالم. والكتاب نفسه يركز بشكل رئيس على ما تصر ماركهام على تسميته “سعيها” لوضع المغنية في تقليد الذكرى. وكتبت أن “الدافع لبناء نصب تذكاري يولد من هذا الرغبة في تحديد جودة الهواء في الغرفة، وطابعه العاطفي”؛ إنه نوع من الأدب العاطفي. وتقول “أعلم أنني لست وحدي في حزني على المناخ؛ أو حزن البيئة، أو القلق البيئي، كما يعرف بذلك… كنت أريد مكانًا لأتذكر وأحزن على المستقبل، الذي يتلاشى.” وبالنسبة لمعظم النص، هذا البحث حرفي: حوالي اثني عشر ملفًا تعريفيًا للنصب التذكارية القائمة. وكصحافة، هذه الانحرافات مثيرة للاهتمام بما فيه الكفاية، لكنها بالنسبة لماركهام مرشحة للانضمام إلى قانون التأثير ونماذج للنصب التذكاري، الذي قد ترغب في إنشائه؛ ورهانات المرثية هائلة. وكل نصب تذكاري يمثل “فدان من الحريق”، “صنع لتذكر ضحايا الفظائع البشرية؛ الحرب، والإبادة الجماعية، وإطلاق النار الجماعي، والهجمات الإرهابية.” لكن مع تغير المناخ، “عندما يخاطر كل ركن من الكوكب بأن يصبح ‘فدان من النيران’ الخاص به، كان نوع النصب التذكاري، الذي كنت أتوق إليه أكثر غموضًا واتساعًا من حيث الضحايا الذين تخلدهم وغرضها.” وما الذي يمكن أن يكفي؟ اقتبست ماركهام عبارة “فدان من النيران” من قصيدة ماري روفل “النصب التذكاري”، وفكرت في صورة أخرى في القصيدة: “طبق من الكرز، يحترق إلى الأبد.” وتعتقد ماركهام أن هذه استعارة جيدة، إلا “لجرعة الكربون الكبيرة، التي سيصدرها.”
جدل النُصُب التذكارية:
تتجلى النهايات بمتعلقاتها السياسية والوجودية في الفكر الحديث في استبطان مآلات الأنظمة السياسية ومدى قدرتها على تحقيق الاستمرارية والاستقرار في ظل الأزمات والتحديات الكبرى، التي تواجهها المجتمعات الغربية، ما يلجئها إلى التذرع بإقامة النُصُب التذكارية والشواهد المادية للتشبث بفكرة الاستحضار بعد القنوط من إمكانية الخلود. إذ أدت تداخلات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى إشكاليات عميقة في مفهوم السلطة والشرعية، حيث ظهرت أسئلة حول مدى استدامة نظم الحكم الحالية وجدواها التاريخي، فضلًا عن خطر فقدان الثقة في القيم المؤسسة وإمكانية انتقالها إلى حال من الفوضى، أو الانحطاط المفضي إلى النهايات. وعلى المستوى الوجودي، تزايدت مخاوف الإنسان من كون وجوده يتجه نحو الفراغ والنهاية الحتمية، خاصة في ظل تزايد الاعتراف بعدم اليقين المطلق حول مستقبل البشرية. فالأفق السياسي لم يعد يطمئن، إذ تتبدد أمال التغيير السلمي وتزداد موجات التمرد والتطرف، مسببة حالة من التوهان الوجودي عند الأفراد، الذين يتسابقون للبحث عن معنى للحياة مع تراجع الأنماط التقليدية للأمل والمعنى.
ونتفق مع إيميت رينسين أن تسلسل الاحتمالات يتبع إلى حد كبير مسار استياء لورين ماركهام؛ أو استياء أي عدد من المحاورين، عن الاحتمالات وعدم اليقين المطلق. فتتزعزع التصورات حتى فيما ينبغي عمله، أو تجسيمه؛ فما هو الشكل الأفضل؟ التمثال تقليدي، لكنه غير كاف. وربما هيكل، مثل النصب التذكاري الوطني للسلام والعدالة في مونتغومري، ألاباما، بدلًا من ذلك؟ تنجذب إلى “فكرة أن المساحة المادية يمكن أن توفر شيئًا يشبه الشعر”، لكن صديقة تخبرها أنهم “لا يعتقدون أننا بحاجة إلى المزيد من البناء”، ولا تجادل ماركهام. هل يمكن أن يكون الطقس أفضل بدلًا من ذلك؟ أي عرض؟ وتدرس ماركهام نصب مايا لين التذكاري لمحاربي فيتنام في واشنطن العاصمة، وتماثيل الجنرالات الكونفدراليين في الجنوب الأمريكي، وشعر كاكونراد، ومتحف ونصب 11 سبتمبر في نيويورك، والرحلة السنوية لداكوتا ولاكوتا تخليدًا لذكرى مذبحة 1862، وتحويل منطقة ميتلكوفا؛ “إرث الحكم الشمولي” في سلوفينيا، إلى نزل العدم. وتزور مركز السلام والعدالة في مونتغومري ونصب شجرة الكرز التذكاري على نهر بوتوماك، وتشاهد قناع الموت للشاعر السلوفيني توماژ شالامون و120,000 بنس، التي جمعتها جيل ماجيد لإحياء الأيام الأولى لجائحة كوفيد-19. وتقفز فوق سياج مع صديقة لرؤية غابة الأشباح، وهي تركيب حديث لمايا لين، مكونة من أرز أبيض الأطلسي تضررت من تغير الطقس الساحلي؛ وبعض هذه النصب هي مبان، وبعضها طقوس، وبعضها عروض، وبعضها دائم، وبعضها مؤقت.
ولا شيء يرضي تمامًا؛ إذ تتراكم التعقيدات بسرعة: تتكاثر الأسئلة، وتصبح أكثر جوهرية. وتدرك ماركهام “لكي نفهم فن ووظيفة النصب التذكاري، ربما يجب علينا أولًا أن نستكشف فن ووظيفة الذاكرة”. ويمكن أن تكون الذاكرة شخصية، أو ثقافية، أو كاشفة، أو متحدية، أو خادعة. فما هي الذاكرة؟ من يتحكم فيها؟ هل يشكلها ماذا يتذكره الإنسان؟ هل هي الثقافة؟ كيف يمكن اختيارها؟ وتستنتج ماركهام أن التاريخ “مجرد ذاكرة انتقائية متخفية في صورة حقائق”، وهو أمر يتعلق بـ”السلطة”. ومع ذلك، فإن “الذاكرة الجماعية” أيضا ضرورية، شيء يتعلق بالضعفاء. كيف نتصالح؟ تقول إن تخليد المناخ يتطلب “استقلاب” العديد من “التجريدات”؛ تدهش من صعوبة تخليد “ضحايا المستقبل المجردين”.
لهذا، تصبح ماركهام تشك في دوافعها الخاصة؛ هل إحياء الذكرى هو “بديل” للفعل؟ هل هو نفي؟ فقد لجأت ماركهام إلى النصب التذكارية المادية جزئيًا لأنها علقت في قصور كتاباتها الخاصة، في الحزن كنوع أدبي بحت. لكن بالطبع، النصب التذكارية عرضة للسيميائيات أيضًا؛ هي تتحدث لغتها الرمزية الخاصة، واللغة نفسها، وليس مجرد اللغة المكتوبة في فقرات على صفحات، هي ما يزعج ماركهام. فقد كتبت أن “مشكلة اللغة… كانت حالة فقدان الذاكرة الشخصي”… “لقد قضيت وقتًا طويلًا في التفكير، والاستعداد، والقلق، والكتابة… ماذا علي أن أفعل؟” تشعر، لفترة وجيزة، بدافع نحو نوع الكتب القديم عن تغير المناخ، نحو الدليل، والدعوة للعمل، والخطة. لكن بعد بضع صفحات، تعود ماركهام للقراءة مجددًا، ويقنعها كتاب آخر بأن “التركيز الضيق على العمل على حساب التنظير… وهو أيضًا نوع من معاداة الفكر”؛ فتقول ماركهام إن هذا “مؤلم.”
ويقدم رينسين توبيخًا آخر، من محاورة أخرى، “تساعد” ماركهام على “رؤية شيء لم تكن تعرفه: أنه في توقي لنصب تذكاري متعلق بحزن المناخ، كنت أبحث جزئيًا عن مكان لإيداعه لأتركه خلفي”؛ ولا تريد أن تتركه خلفها. تريد أن تعرف كيف يجب أن تسير الأغنية وكيف تحافظ عليها خلال الكارثة القادمة، إذ ابتعدت ماركهام عن الكتابة عندما بدأت الكلمات تندمج معا؛ “ليصبح، في الأساس، هراء غير مفهوم”، لكن بحلول نهاية الكتاب، تجد النصب التذكارية نفسها في حالة مشابهة: “بحلول الآن،” تكتب ماركهام، “كل شيء بدأ يشبه نصب تذكاري. هذه هي مشكلة الاستعارات والرموز. يمكنك أن تبالغي حقًا”؛ وحتى اكتشاف نُصبٍ مناخية موجودة مسبقًا؛ جنازة لنهر أوكيوكول الجليدي في آيسلندا؛ آخر قطع نهر جليدي مفقود، تم سحبها إلى ساحة كوبنهاغن وتركت لتذوب؛ تثبت أنها غير مرضية، وغير كافية. وليس حرقًا للأحداث أن أخبرنا رينسين أن ماركهام تعود في النهاية إلى الأدب. ونحن نقرأ كتابها، لا نزور موقع حرق الكرز، أو نشارك في طقس ابتكرته، لكن هذا العائد يحدث كنوع من الاستسلام. وفي النهاية، تعترف بأن “الأدوات، التي كانت تملكها لرعاية ذاكرتها وحزنها، مهما كان غير مكتملة، كانت كلمات.” ولم يكن النصب التذكاري هو أب مرثية المناخ، على الأقل ليس كما تخيلت. وهناك شيء تقريبا هناك؛ المرثية تدور حول الحاضر والمستقبل؛ والنصب التذكارية تدور حول الماضي. وتكتب ماركهام أن “النصب التذكارية تتعلق بالوقت”، وهدفها “لكتابة قصة عكسية، بشكل متناقض، نحو المستقبل”، وهناك شيء هناك، دائرة يمكنك تقريبا ترتيبها إذا حدقت جيدًا وكتبت في مقال غنائي؛ هذا ليس كافيًا تمامًا.
لكن؛ وهذه فاصلة ضرورية، المشكلة ليست في أن النصب التذكارية تحتل مكانًا زمنيًا مختلفًا عن مرثية المناخ، على الأقل ليس بالكامل؛ لكن المشكلة أن النصب التذكارية تفترض أن الزمن دائم أصلًا. وتشرح ماركهام أن النصب التذكارية تتعلق بكيفية فهم التاريخ؛ إنها تعبيرات عن الذاكرة الثقافية وتشكل أساس حكمنا على الماضي. وكما تصف ماركهام “جنون الذكرى”، في نفس الفصل، عمل إريكا دوس، الذي يحمل نفس العنوان، العقود القليلة الماضية من الحياة الأمريكية، “مدفوع بصراعنا الوطني مع سياسة التمثيل والذاكرة؛ أسئلة حول كيفية سرد تاريخنا، وكيفية التعامل مع أخطاء الماضي، وكيفية فهم من نحن في جوهره كشعب.” وبكلمات دوس، هي: “وسائل للذاكرة: أنماط مادية لتفوق التواريخ والقيم الخاصة”، تفترض نصب تذكاري لتغير المناخ نقطة مستقبلية سنقف فيها في الحكم على الماضي، عندما تحفظ الأزمة، التي انتهت الآن، وأصبحت في ذاكرتها وأصبحت من الماضي.
السرديات المسيطرة:
وفي سياق التحليل، يُنظر إلى النهايات السياسية والوجودية على أنها نتيجة لنهاية الأيديولوجيات الكبرى، التي سادت لفترة طويلة، مما أدّى إلى تفكك إطار المرجعيات وتفشي أزمة الهوية. واتسمت القدرة على التغيير السياسي أحيانًا بالإحباط، حيث تظل مشروعات الإصلاح محدودة التأثير نتيجة لعقدة السلطة والهياكل البيروقراطية، الأمر الذي دفع بالمفكرين إلى طرح نظريات تتعلق بالنهاية الطوعية، أو اللامبالاة، في محاولة لتفسير حالة الجمود واحتمالات الانفجار. وفي ظل هذا السياق، تبرز الحاجة لتعزيز أدوات الفهم النقدي والوعي بالتحولات، لتمكين المجتمعات من الخروج من دائرة النهايات وتحويلها إلى فرص لإعادة التشكيل وإيجاد مسارات جديدة تتجاوز الإحباط والجزم. إذ إن تصور الآخر للحتمية السياسية والوجودية يتطلب إعادة التفكير في القيم وأساليب العمل الجماعي، مع تشجيع المبادرات، التي تركز على بناء البدائل من قلب أزمات النهايات، بهدف تأمين مستقبل أكثر استدامة وتكاملية.
لهذا، قد يكون ما مضى صحيحًا بالنسبة لتغير المناخ، ويوم ما بعده، لكنه ليس صحيحًا بالنسبة للمرثية، التي بدأت عندما فهمت النبوءة الكارثية لكن لم يحدث شيء، عندما فشلت التحذير، والتوسل، والجدال، والتوسل. إنه مبني على الإيمان بأن النبوءة ستتحقق، وأنه عندما تحدث، لن نكون هنا لنحكم على أسلافنا على الإطلاق؛ هذا الحكم، إذا صدر، سيصدر في محكمة الموت؛ في مملكة الموت الأخرى من قبل مؤلف تاريخ يتجاوز قدرتنا على مراجعته. وتنتمي مرثية المناخ إلى تقليد، لكنه ليس متعلقًا بالقضايا العلمانية، أو بـ”السرديات المسيطرة” و”التواريخ الخاصة”. إنها تنتمي إلى التقليد، الذي يهتم بنهاية السرديات، بنهاية التاريخ، بالصمت، الذي يأتي من الأرض المكتئبة حديثًا بعد أن يغنى “الترنيد” ويغادر المغنون إلى منازلهم.
ألا نتذكر كيف أصبح آل غور، مرشح الرئاسة الأمريكية الأسبق يخبر أي كاميرا تستمع تُسَلَّطُ عليه كيف أن “كل ليلة في أخبار التلفزيون تشبه رحلة طبيعية عبر سفر الرؤيا”؟ نعم، لم يكن هو الأول، ولا رينسين، أو حتى ماركهام، الذي يقترح أن الأدب المناخي ينتمي إلى تقليد علم هو في الأصل خواء من المعنى. وقد اقترحت مصادر روحية وعلمانية هذا الرابط: “أصبحت المواضيع المسيحية الأخروية ونهاية العالم اليوم أكثر انتشارًا في الخطاب البيئي، وتمتد عبر العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والإعلام الشعبي والأدب”، كما يذكر موقع اللاهوت الحديث. لقد استحضرت الاحتباس الحراري وغيره من المخاطر البيئية… نهاية العالم الوشيكة، في نهاية العصر”، كما يشرح الفصل، الذي يحمل عنوانًا مفيدًا “تغير المناخ وعلم آخر الزمان”، وهو فصل في مختارات حديثة من سبرينغر حول العلوم البيئية. تستكشف مجلة الاستدامة “الارتباط بين المعتقدات الدينية حول نهاية الزمان والمواقف تجاه تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي.” ويتطوع سبرينغر في التركيز على علم الأخرويات، أو “الإسخاتولوجي”، لأن “أنماط التفكير الإسخاتولوجية ونهاية العالم بارزة اليوم في الخطاب البيئي، عبر تخصصات ووسائط متعددة” كما يذكر “العيش على هذه الأرض كما في السماء: الزمن والتحول البيئي للإسخاتولوجيا.” ففي بعض الأحيان، تكون العلاقة بين هذين التقليدين محل جدل؛ الإيمان الإسخاتولوجي بنهاية الأيام الوشيك هو عقبة سياسية أمام النشاط البيئي، أو الاستيلاء العلماني للغة الإسخاتولوجية إهانة لحراس الإيمان الحقيقي، لكن غالبًا ما يكون الرابط واضحًا: لقد كتبنا دائمًا عن نهاية العالم، عن الوقت، الذي لن تكون فيه أي ذكرى نتركها لأحد.
أخرويات الأديان:
لا يوجد حساب حقيقي لعدد النصوص الإسخاتولوجية في تاريخ البشرية، التي ثبتت نصوصًا عن النهايات. فقد أنتجت من قبل في كل ثقافة تقريبًا، وكشفها كل نوع من العرافين والصوفيين والصوفيات. أشهرها هو رؤيا يوحنا، ما نسميه سفر الرؤيا، لكن رؤيا بطرس، منذ القرن الثاني، تنبأت بذوبان كل الخليقة، وهروب البشر في كل اتجاه على الأرض، وكيف “في كل مكان سيغمرها غضب نار مخيفة، وشعلة لا تطفئ تدفعهم إلى حكم الغضب.” وتنبأت توما بنهاية العالم، التي كتبت في القرن الثالث، أو الرابع في سوريا، أو فارس، بأنه في اليوم الخامس، في الساعة السادسة، “سيكون هناك رعد عظيم في السماء، وستنكشف قوى النور وعجلة الشمس، وسيكون هناك ظلام عظيم يغطي العالم حتى المساء، وسيكون الهواء حزينًا بلا شمس، أو قمر، وستتوقف النجوم عن خدمتها.” وتفصل كيف أن جميع الأمم في ذلك الوقت “سيكرهون حياة هذا العالم.” وفي فولوسبا، نهاية العالم للشعب الإسكندنافي والآيسلنديين من سيموندار إيدا، تأتي نهاية العالم عندما “تتحول الشمس إلى السواد، وتغرق الأرض في البحر، وتدور النجوم الحارة النازلة من السماء؛ وينمو الجدول بقوة واللهب، الذي يغذي الحياة، حتى تقفز النار عاليًا حول السماء نفسها.”
وتحتشد النصوص الإسلامية بقصص النهايات، أو ما يُصطلح عليه بـ”علامات الساعة”، التي هي القيامة، وختام أجل الإنسان في الأرض. وتتعدد هذه العلامات بلا حصر؛ فيها ما هي صغرى كمؤشرات على الاقتراب، وما هي كبرى تنذر بدنو الأجل، ويوم الحساب. ولأن الحديث هنا ينصب غالبه على البيئة، فقد نالت ظواهر الجغرافيا والديمغرافيا النصيب الأوفى من هذه العلامات، إذ حديث عن الأرض في آخر الزمان لا تقتصر فيه العلامات على تغير البشر بل سينتهي المطاف بتغير في الأرض والحجر والشجر وهي من العلامات، التي لن تبدأ بعد بالظهور. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: “لا تَقومُ الساعةُ حتى تَعودَ أرضُ العربِ مُروجاً وأنهاراً، وحتّى يَسيرَ الراكِبُ بينَ العراقِ ومكَّةَ، لا يَخافُ إلّا ضُلّالَ الطريقِ، وحتّى يَكثُرَ الهَرْجُ، قالوا: وما الهَرْجُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: القَتلُ” أخرجه البخاري ومسلم. ومن علامات قيام الساعة الكبرى والغير مألوفة ولها دلالات في السنة شروق الشمس من مغربها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، وذلكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إيمانُها” صحيح البخاري. وهناك خروج الدابة، التي تكلم الناس؛ كما ورد في الحديث: “بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: الدَّجّالَ، والدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ”، وهو خروج دابة من الأرض تكلم الناس وتسمي كل شخص مؤمناً أو كافراً، وقد وردت هذه العلامة في القرآن الكريم في سورة النمل: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) الآية 82. وهناك ثلاثة أشكال من الخسوفٍ؛ وهي من علامات الساعة الكبرى، التي وردت في حديث عن حذيفة الغفاري قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “وثلاثَ خُسوفٍ خَسفٌ بالمَشرِقِ وخَسفٌ بالمَغرِبِ وخَسفٌ بجزيرةِ العربِ”. ومن آخر العلامات الكبرى لقيام الساعة خروج النار، التي يُحشر فيها الناس، وهي تخرج من أرض اليمن تلازم الناس حتى يصلوا إلى محشرهم ليوم الحساب، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “وآخِرُ ذلك نارٌ تَخرُجُ من اليمَنِ تَطرُدُ الناسَ إلى مَحشَرِهم” في حديث حذيفة الغفاري.
لقد روت عرافات الأزتك في نهاية الشمس الخامسة عن الزلازل، ثم جاءت وحوش عظيمة من السماء لتلتهم العالم. يتحدث الفصل الثالث عشر من نهاية العالم الزائف ميثوديوس عن متى “ستفتح أبواب الشمال وتخرج قوى الأمم، التي كانت محاطة بداخلها”، كيف “ستتلوى الأرض كلها من وجوهها، وسيصرخ الناس بصوت عال ويهربون ويختبئون في الجبال والكهوف وبين شواهد القبور.” ولكن عندما يموتون، “لن يبقى أحد ليدفن الجثث”، وكان الموت قد وقع في جزيرة رينسين، التي سحق المناخ ساكينها بكلكله. وهنا، نلحظ؛ ليس فقط “نهاية العالم لكل عصر”، بل “نهاية العالم لكل دين”، فأعمال يواكيم من فيوري عن العصر الثالث، رسالة المسيح الدجال لأدسو من مونتييه-أون-دير، موضة القرن الثالث عشر للدراما للمسرح للمسيح الدجال، كتاب “كتاب المحن الكبرى” لتيليسفوروس كوزينزا، و”نبوءات محن يوحنا” من روبسيسا، و”الكوكب العظيم المتأخر الأرض” لهال ليندسي، “88 سببًا”، أو “لماذا سيكون الاختطاف في عام 1988” لإدغار سي. ويحضرنا كتاب “ويزنانت، وبداية النهاية” لجون هاجي، و”تأثير المشتري” لجون غريبين وستيفن بلاجمان، وكتاب “المبشر” لجوناثان كان، وكل كتاب آخر تركنا خلفنا أشبع النهايات توقعات وتكهنات. بما في ذلك كتب “الرؤيا”، و”غضب الله”، أو “غضب الكربون الجوي”، سواء كتبها القديس يوحنا، أو بيل مككيبن، تبقى هي من بين أكثر الأعمال الأدبية شعبية وانتشارًا في تاريخ العالم.
لهذا، تتبع تاريخ علم الأخرويات العصرين الأوليين من الكتاب حول تغير المناخ بشكل أنيق: كالعلامات، والتحذيرات، وتمزيق الأرض، والحرائق العظيمة، والتوسل والدليل والرعب، الذي يستخدم لجعل القارئ يستعد لما هو قادم، لفعل شيء وأن يكون في عيني الله قبل النهاية. ويحث ديداش، في القرن الثاني، الناس بقوله: “انتبه لحياتك؛ لا تخمد أضواؤكم، أو تطلق أعصابكم، بل كونوا مستعدين، لأنكم لا تعلمون الساعة، التي يأتي فيها ربنا”، لأنه عندما يأتي المخادع وترى “المعجزات والعجائب” في جميع أنحاء العالم، “حينها سيأتي خلق الإنسان إلى اختبار الدليل الناري، وسيغضب الكثيرون ويموتون؛ أما من يبقى في إيمانه فسيخلص على الصخرة.” لكن علينا ملاحظة أنه عندما تختلف الإسخاتولوجيات الكلاسيكية عن ورثتها البيئيين يكون ذلك في التحول نحو العاطفي البحت، نحو الحزن، أو اليأس. ومن بين أشهر أنواع الرؤيا، التي هي أقرب نغمة إلى مرثية المناخ، تأتي في كتب عراف سيبيلين، الذين يقال إنهم عرافون رومان من القرن السادس قبل الميلاد، لكنهم على الأرجح محتالون كتبوا في القرن الرابع الميلادي، الذين تنبأوا بقدوم “غضب لا يمكن إيقافه”، وهو تدفق “إعتام عدسة نارية” من السماء حيث سيموت جميع البشر. ثم، لإكمال المقطع: “آه، يا لي من بائس!”
التحول العاطفي:
تتجلى الاستمرارية في الفكر الإنساني من خلال محاولة تجاوز أزمات النهايات، التي أفضت إلى حالة من التردد والانتظار الدائم لمصيرية عاطفية جديدة. ففي ظل تكرار فرضية النهاية، سواء كانت دينية، أو علمية، أو سياسية، ظهرت الحاجة إلى الحفاظ على نوع من الاستمرارية العاطفية، التي تمكن المجتمعات من المضي قدمًا رغم الشكوك والشكوك المضادة. وتتسم هذه المرحلة بمحاولة التوفيق بين اليقينيات، التي توفرها الحتميات النهائية وبين الضرورة المستمرة للحركة والتجدد. ومن خلال ذلك، تتأتى الحاجة إلى استراتيجيات تتيح الحفاظ على عناصر الثبات، رغم تفاقم أزمات النهايات، حيث يسعى الفكر لتأسيس مسار تفاعلي يجمع بين الواقع الرمزي والمعطيات العلمية، بهدف كسب الوقت وتأجيل اللحظة الحاسمة. إذ إن استمرارية هذه الحالة تتضمن تصورات متجددة عن المستقبل، مرهونة بقدرة الإنسان على إعادة صياغة وجوده وتغليب عناصر الأمل وسط أزمات النهائيات، التي تهدد حمل استمرارية الحضارة. إذ يتضح أن التفكير في النهايات، وإن كان يلفت الانتباه إلى حتمية النهاية، إلا أنه يؤدي أحيانًا إلى إحداث نوع من الاسترخاء والتواطؤ مع ذاته، مما يعمق من أزمات النهايات ويجعل من الاستمرارية ضرورة ملحة، تقتضي استراتيجيات جديدة تتسم بالمرونة والابتكار لمواجهة مخاطر الانهيارات المتوقعة. وفي هذا السياق، يتبين أن الاستمرارية ليست ترفًا فكريًا، بل استجابة موضوعية تتلقى ضغوط أزمات النهايات، وتعمل على إدامة وجودها من خلال استحداث حلول وسط، تحافظ على بنيتها الأساسية وتؤمن تجديدًا مستمرًا لآلياتها، رغم شوائب المخاطر وتحديات المجهول.
ولهذا، عندما يتحول الجانب الآخر إلى العاطفة، يكون ذلك غالبًا لأن العالم فشل في النهاية. ففي عام 1844، عندما انقضت سرديات نهاية العالم، التي تنبأ بها ويليام ميلر بخيبة أمل كبيرة، ترك سكان ميليريت للتعبير عن ردهم على الأزمة في المذكرات والرسائل: “لقد تحطمت آمالنا وتوقعاتنا العزيزة، وغمرتنا روح البكاء لم أختبر من قبل… بكينا وبكينا حتى بزوغ الفجر!” والكارثة الحقيقية كانت أن الحياة ستستمر بلا منازع. وقد نرى يومًا ما نفس الاستجابة لنهاية العالم. فإذا كنا محظوظين، فإن النوع الرابع من الكتب عن تغير المناخ سيتناول التعبير عن استجابتنا لحقيقة أن الحضارة استمرت، وبعض هذه الكتب ستكون حزينة جدًا، لكن ندرة وجود سابقة حقيقية لـ”سعيها” في علم الأخرويات قد تكون سبب بحث لورين ماركهام عن نوع من التأثيرات في أماكن أخرى. لن تكون أول من يلاحظ كيف تنفصل المرثية عن كتب الوحي: “الخطابات المروعة لا تزال مركزية في الحركات البيئية، وتمثيلات الإعلام، وحتى الروايات المؤسسية حول السياسة البيئية”. وكتبت سوفي ألت في كتابها “نهاية العالم البيئي: البعد المفقود لنهاية العالم”، لمجلة السياسة البيئية ذات العبارة السابقة: “الخطابات الكارثية لا تزال مركزية في الحركات البيئية، وتمثيلات الإعلام، وحتى الروايات المؤسسية حول السياسة البيئية”. ونعلم أنه “في الوقت نفسه، يجادل المفكرون البيئيون بشكل متزايد بأن نهاية العالم قد وصلت بالفعل: نحن نعيش بالفعل في نهاية العالم.” فالقديس بطرس، القديس توما الأكويني، وعرافة الفولفا في فولوسبا، وأولئك الفلكيون الأزتيكيون القدماء، وتلاميذ رسول الإسلام، صلى الله عليه السلام، لم يروا السماء ممزقة، ولم تأت مياه الفيضانات، أو النار، التي لا تنطفئ؛ لم تتح لهم فرصة للحزن، أو لاختراع المرثية، إنما هي نبوءات لم يكذبها العلم بعد.
لكن هناك شائعات عن استثناءات؛ فمن بين نصوص الوحي، أو الإلهام المختلفة، كانت رؤيا بسودو-ميثوديوس من بين الأكثر شعبية وترجمة على نطاق واسع عبر التاريخ. فقد كتب الرؤيا بالسريانية في القرن السابع، وشهد أن العالم استهلكه “أبناء إسماعيل” وجيوش ياجوج ومامجوج، اللذين سجنهما الإسكندر الأكبر منذ زمن بعيد. وتنبأت هذه الرؤيا بهلاك مصر واليونان، وفارس وسوريا، وكل الأراضي الصالحة حتى أصبح العالم يشرب دم الماشية ويذبح الصغار لإطعام نفسه. وتمت ترجمة رؤيا النهاية هذه أولًا إلى اليونانية، ثم إلى اللاتينية في منتصف القرن الثامن، ولاحقًا إلى العديد من لغات أوروبا المسيحية وبلاد الشام. وكان من الشائع حينها أن يدرج المترجمون شروحاتهم على شكل مقدمات. وكانت هذه الكتب غالبًا مختصرة وغير دقيقة: بطرس الراهب، أشهر مترجمي ميثوديوس، الذي تم تضمين مقدمته في النسخة اللاتينية، لا يستغرق سوى بضع صفحات ليعد القارئ بأنه لم يضف شيئًا للنص ويشرح أنه أنتج ترجمته لأن “ما تنبأ به أكثر صلة بعصرنا”، وشرح أن العلامات بدأت تظهر، لكن ليس كل المترجمين كانوا بهذا القدر من الحذر.
بين آيسلندا والقسطنطينية:
وفي القرن التاسع، وصل المبشرون المسيحيون إلى الآيسلنديين، وهم آخر من الناس صمودًا بين الشماليين ضد الكنيسة الأم. ولسنوات، كان رجال الدين الجنوبيين يتصرفون إلى حد كبير من خلال أولاف تريغفاسون، ملك النرويج المسيحي، الذي حاول تحفيز التحول من خلال التهديد بحظر تجاري، واحتجاز النبلاء الآيسلنديين كرهائن، وبعث المبشر الساكسوني تانغبراندر إلى ريكيافيك، حيث رد على الإهانات والرفض بالعنف، ويقال إن تانغبراندر قتل عدة وثنيين في مبارزات. لكن الكنيسة لم تكن راضية تمامًا بأن تثق بأن الفايكنج يعملون من أجل الخلاص، خصوصًا من اعتنق نفسه المسيحية قبل سنوات قليلة فقط. وقد أُرسِلَ رجال علماء وكهنة من جميع أنحاء العالم المسيحي لنشر الإنجيل بين الآيسلنديين؛ أحدهما كان هايك أرتاشيان، الذي جلب معه نهاية العالم لبيسودو-ميثوديوس إلى الشمال المتجمد. وكان أرتاشيان من عائلة فاردابيت، راهبًا أرمنيًا، ولد في عام 927 ميلادي في دولة تابعة للإمبراطورية البيزنطية في جنوب القوقاز، وقد اكتشف دعوته للكهنوت في شبابه. وبعد أن أدى نذوره الأولية، عبر الأناضول، التي دمرها العباسيون ورسم كاهنا في القسطنطينية حوالي عام 955. رغم أن الكثير من نشاطه خلال العقود الأربعة التالية غير مسجل، لكنه كان معروفًا بأنه يتعلم اللغات بسرعة، وخاصة في النصوص الدينية، ومن المرجح أنه عمل بشكل أساس كناسخ ومفسر لهذه النصوص الدينية. ونعلم أنه عَلِمَ بتحول الفايكنج في عام 987، على الأرجح من أحد حراس فارانج في العاصمة، وعلى الرغم من اقترابه من عيد ميلاده الستين، شعر أرتاشيان بأنه مضطر للانضمام إلى المهمة. وفي صيف عام 988، سافر مع مجموعة من الكهنة على نهر الدنيبر قبل أن يبحر من النرويج إلى آيسلندا على إحدى سفن أولاف.
بينما واجه العديد من الكهنة الجنوبيين صعوبة في التكيف مع الطقس والعادات في الشمال، انضم أرتاشيان إلى الآيسلنديين، وهم بدورهم تعاطفوا معه، وتعلم لغتهم وأثبت أنه طالب جاهز لعاداتهم. وفي عام 994، تم قبوله في شبكة القرابة الخاصة بالهيرسير ثور بيورنسون واتخذ اسم هايك ثورسون. وفي القسطنطينية، درس هايك الميثوديوس الزائف، وكان يعتقد أن تحول آخر الوثنيين الشماليين يجب أن يحدث قبل أن تتحقق النبوءة. ومن المحتمل أنه استند إلى نص يوناني كان قد نسخه بنفسه في بيزنطة، حيث حول هايك نهاية العالم إلى وزن النوردية القديمة التقليدي للفورنيريسلاج. وكترجمة، كان هذا الكتاب الميموديوساري من أوبليوستران نموذجيًا: مشروحًا جيدًا، ودقيقًا كالأصل، لكنه غير مريح قليلًا في أسلوبه؛ وهو انتصار لرجل تعلم اللغة حديثًا فقط. وما جعله غير معتاد هو مقدمته؛ إذ كان من النص ما يقرب من 150 صفحة، أي أكثر من ضعف طول النص الفعلي. وقد وثق، بتفاصيل شخصية للغاية، قلق هايك ورعبه من نهاية العالم الوشيكة.
كتب هايك لسنوات عديدة أنه رحب بنهاية الأيام، فقد قضى حياته في دراسة علم الأخريات؛ وقد استعد لليوم الآخر. وكان يتوق لرؤية المجيء الثاني والوقوف بين الصالحين في ملكوت السماوات، لكن وقته في الشمال غيره. فمن بعيد، تفاجأ عندما فكر في عدد العلامات، التي تنبأ بها ميثوديوس قد حدثت في منزله القديم. وعانت الأرض المقدسة تحت حكم “أبناء إسماعيل” لمدة سبعة أسابيع من السنين. فقد مضى تقريبًا هذا الوقت منذ سقوط بلاد الشام البيزنطية. وسبق الأيام الأخيرة وباء عظيم من الردة، وظهور الكاذبين وخدم المسيح الدجال يعلنون الولاء الكاذب بينما يشاركون في كل أشكال الخطيئة والشك. وشهد هايك، حتى بين القساوسة في بيزنطة، انتشار الشك والرذيلة والانحلال في الجسد والروح. وستأتي الحرب الأخيرة عندما سار آخر إمبراطور روماني، ابن اليونان وإيطاليا وإثيوبيا، على رأس جيش من الصالحين لطرد المسلمين من الأرض المقدسة. وبدأ هايك يسمع شائعات بين معارفه في الكنيسة الغربية؛ قالوا إنه بين الإيطاليين والفرنجة، كان يعتقد أن مثل هذه الحملة حتمية خلال جيل واحد.
لأول مرة، اضطر هايك إلى التفكير في احتمال أن نهاية العالم ليست مجرد تجريد بعيد، أو حدثًا مباركًا يتوقعه أحفاده، بل كارثة يجب تحملها في حياته الخاصة. وسيعيش ليرى الألم والنشوة من هلاك العالم، وكان مرعوبًا. وكان يؤمن أن روحه ستخلص؛ إذ كان رجلًا صالحًا، لكنه كان دائمًا يخاف من النار. فكر في والدته، التي لا تزال في أرمينيا: قريبة جدًا من حدود المسلمين، هل ستنجو من الحرب الأخيرة، أم ستكون من بين أولئك المجانين واليائسين، يذبحون أبناء عمومته الصغار ويطعمونهم للحيوانات؟ وبينما كان يتطلع عبر جليد بحر الشمال، كان ينظر إلى الطيور، التي تحلق فوق الماء؛ وجدها جميلة، وأغانيها كانت راحة في هذه الأراضي القاحلة. وتساءل: هل كان من المقرر استهلاكها؟ هل تم تدميرها؟ أجنحتها ممزقة وأجسادها تلقى في الجليد أدناه لإفساح المجال لمجد ابن الله؟ كان هايك يعلم أن العالم ملعون، وأن كل البشر يقصرون ف حق مجد الله، وأننا نستحق ذلك. لكنه لم يؤمن بأن العالم بلا قيمة، وأن كل ما سيفقد في النار والمجد هو مجرد قمامة مقدر لها أن تحترق. قال إنه يريد طريقة للتذكر. لا؛ هو فقط أراد أن يعيش في هذا العالم لفترة أطول قليلًا. وكان يؤمن تمامًا بنهاية العالم، لكن إيمانه لم يجلب له الراحة، بل فقط الحزن. وينتهي التعليق بسلسلة من التصريحات: يا رب، أنا مرعوب! يا رب، أنا في حالة من الحزن الشديد للغاية! يا رب، يا رب، أنا خائف! أنا خائف! أنا خائف! كان شرح هايك أرتاشيان على نهاية العالم لمرثية لبيسودو-ميثوديوس.
إن هذه بحق قصة غريبة، وهي في قول إيميت رينسين فإن هذا المقدمة كانت أمرًا غريبًا بالنسبة لأرتاشيان حتى أن يفكر في الخوف بهذه الكيفية، ناهيك عن أن يكتب في مقدمته، فتأمين الحبر والرق الإضافيين وحده أضاف شهورًا إلى جهوده. وورد أنه قضى وقتًا أطول بكثير في تأليف ومراجعة مقدمته مقارنة بترجمة الكتاب نفسه، ووجد زملاؤه المبشرون الأمر غير مفسر تمامًا. وعلى مر القرون الفاصلة، ناقش العلماء تفسيرات؛ من الممكن أن أرتاشيان عانى ببساطة من نوع من الانهيار العاطفي. ومن الممكن أيضًا أن يكون التعليق نوعًا من الأداء؛ ربما بسبب حساسية لأن الآيسلنديين لم يعتنقوا المسيحية بعد، أراد أرتاشيان طمأنة القراء الوثنيين بأن الكهنة الجدد لا يغيرونهم إلى طائفة انتحارية حماسية، وكان فقط يظهر، أمام زملائه الحائرين، بصيرته المتفوقة للثقافة الآيسلندية، لكن هناك احتمالًا آخر، أغرب من ذلك. فقبل أربعمائة عام من ميلاد أرتاشيان، انقسمت الكنيسة بسبب سلسلة من الخلافات حول طبيعة جوهر المسيح، ما يسمى بـ”النقاشات المسيحية”. هل هو إنسان كامل؟ إلهي بالكامل؟ مزيج من الاثنين؟ من طبيعتين تمامًا؟ وقد سُفك الدم على هذه الأسئلة واستمر لمعظم قرن حتى عام 451 ميلادي، عندما أعلن مجمع خلقيدونيا أن المسيح يمتلك طبيعتين موحدتين في شخص واحد، وأنه إنسان كامل وإلهي كامل، دون ارتباك، أو تغيير، أو انقسام، أو انفصال. ولم يؤد هذا الإعلان إلى توحيد الكنيسة، لكنه وضع الأساس لانفصال نظيف ومستقر. وأصبحت “المسيحية الخالقدونية” هي الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، وظلت أجزاء كبيرة من الكنائس الأرمنية والسريانية والإثيوبية والمصرية القبطية ملتزمة بمجموعة متنوعة من العقائد البديلة حول الميتافيزيقيا، أو الماورائيات.
لقد تمت رسامة هايك أرتاشيان كاهنًا أرثوذكسيًا، لكنه كان من أرمينيا، وفي مقدمته لنهاية العالم، يذكر عابرًا أنه اكتشف دعوته إلى رجال الدين أثناء زيارته لأقاربه في العاصمة القديمة المهجورة شيراكيان عندما كان مراهقًا. هو يذكر شيراكيان، بالطبع، كمركز للبيوتيتيين المنشقين، أتباع ما يسمى أحيانًا بـ”بدعة كواليان”، التي تأسست في عام 545 على يد الراهب السوري ماتيوس من الرها، واستند البيوتيتس إلى الفلسفة الأفلاطونية المتأخرة وعمل الديونيسيوس الزائف ليقترح أن طبيعة المسيح ليست إلهية كاملة ولا إنسانية بالكامل، بل هي كواليا، أو كينونة جوهرية، وهي شكل أفلاطوني من الوعي البشري نفسه.
لهذا، برروا أن الله كان بإمكانه أن يغفر خطايا العالم بدون الآلام، وكان هذا ضمن حدود القدرات المطلقة. وكان الهدف الحقيقي من حياة يسوع هو أن يتعلم ما لا يزال الله، في علمه المطلق، لا يزال هو لا يستطيع معرفته: كيف يشعر الإنسان بنفسه. وكان يسوع المسيح هو التجربة النموذجية، أركيتيبوس بييرا، النموذج الكامل والعالمي لما يعنيه أن تختبر الوجود كروح فانية. وهو على قناعة أن جسده لم يكن ماديًا على الإطلاق، بل كان شكل الإحساس: ألمه، فرحته، حزنه كانت من جوهر هذه التجارب، الكاملة، الأبدية، بدلًا من الأحاسيس المحدودة لرجل عادي. وتضحيته كانت كافية لخلاص العالم لأنه شكل المعاناة نفسه، أكثر واقعية من أي تجربة فردية للألم. لذا، كان عقل المسيح عالميًا؛ أي جوهر كل وعي الإنسان، الذي يمكن التعرف عليه كذلك. وفي عام 554، قام المجمع الثاني في القسطنطينية بتهميش البيوتيتس، وأُسِرَ ماتيوس نفسه وحوكم وأحرق في أنطاكية عام 558، لكن الكواليانية استمرت تحت الأرض، وانتشرت بين المسيحيين المتعلمين فلسفيًا في أنطاكية والرضا وأرمينيا، واستمرت في الهمسات سرًا في أروقة الأديرة في سوريا ومصر. وتختلف تقديرات العدد الحقيقي للكواليانيين بشكل كبير، لكننا نعلم أنه كان من الشائع أن يسعى الأتباع إلى الرسامة التقليدية بين الأقباط والأرثوذكس، لنشر عقيدتهم عن طبيعة الله بين الرجال الذين التقوا بهم في رعاياهم وأديرتهم، ونمت تحت أنوف السلطات الكنسية.
إدانة التجريد:
بينما أدانت الكنائس الأرثوذكسية وحتى العديد من الكنائس غير الخالصدونية البيوتيتس لتحويلهم المسيح إلى “تجريد”، كان الكواليانيون بطريقتهم الخاصة أكثر إنسانية بكثير من العلماء القانونيين في الكنيسة السائدة. وكانوا يؤمنون بأن الله في أبديه يتوق إلى لمس حياة الإنسان الزمنية إلى درجة أنهم أرسلوا ابنه الوحيد ليشعر بالعالم ويموت فيه. وكانوا يؤمنون بأن الله يريد أن يفهمنا، لكن الفهم الحقيقي يتجاوز حتى القدرة المطلقة والمعرفة المطلقة. وكان الأرثوذكس يفتقدون الغابة من أجل الأشجار؛ فعلى الرغم من انشغالهم بتفسير النصوص القديمة، لم يتساءلوا أبدًا لماذا، باستثناء حياة وخدمة يسوع المسيح، كان الله يتحدث إلى الإنسان في الألواح والكتب والرسائل، لماذا أعطى الله العالم الكلمة المكتوبة أصلًا. كوان لدى الكواليانيين إجابة: الله تكلم، تمامًا مثلنا، وكان يتواصل بلغة؛ تواصلنا معه بالكلمات. فالمسيح أعطي بعض الصفات في الحياة البشرية، لكننا لم نكن مثل الله، ولم يكن مثلنا، وكنا بحاجة إلى لغة، رموز، استعارات؛ خطاب لإجراء الحوار بين الخالق والخلق. ونتيجة لذلك، كان الكواليانيون يعتقدون أن الله يمكن أن يتحرك بالكتابة؛ وإذا وجدت الكلمات المناسبة، يمكنك أن تجعله يدرك ما تُريد.
يقول رينسين إن الأدلة ظرفية فقط، لكن إذا كان هايك أرتاشيان من الشيفريين، فإن مقدمته لكتاب أوبليوستران ميوديوسار كانت أكثر إثارة للدهشة من رعب راهب يعيش في الشمال البارد بعيدًا عن وطنه، وكان يحاول إنقاذ العالم، ويغني التراتيل؛ معبرًا عن استجابته، لنبوءة نهاية العالم، التي كان يعتقد أنها ستتحقق قريبًا، ويأمل أن يغير الله رأيه. وكان ذلك مبدأ من مبادئ التعاليم المدرسية في بيويتيتيس، إذ لا يمكن لأي تعبير أن يحققها. وكان العثور على الكلمات المناسبة أمرًا حيويًا، لكنه صعب، كعمل العمر، أو على الأقل شهور عديدة قضياها بين الوثنيين. ولكن إذا تم ذلك بشكل صحيح، إذا استطعت التعبير عن العواصف العاطفية في القلب البشري بهذه الطريقة، فقد تصل إلى الله، وتحركه. فهل نجح هايك أرتاشيان؟ نحن لا نعرف؛ ففي عام 1000 ميلادي، ناقش المتحدث بالقانون ثورجير ليوسفيتنينغاغودي إيمان شعبه ليلًا ونهرًا تحت عباءته ثم أعلن للألثينغ أن آيسلندا ستتحول إلى الدين؛ ربما تأخر تأليف مقدمته، لم يكتمل أوبليوستران لأرتاشيان حتى عام 1003 على الأقل، ولم يكن له أي دور على الإطلاق، ونعلم أن العالم لم ينته بعد. وتوفي أرتاشيان في مكان ما في طريقه بين بريتاني وروما، حيث ذهب للتحقيق في شائعات عن بعثة قادمة إلى الأرض المقدسة، في وقت ما من عام 1016. وبحلول القرن الثالث عشر، وصلت مقتطفات من ترجمة سلافية قديمة لنهاية العالم، ربما استندت إلى جهود أرتاشيان، إلى سجل السجلات الروسية الأولية. وفي عام 1683، عندما حاصر الأتراك فيينا، طبعت مقتطفات من كتاب الميثوديوس الزائف، المترجمة بالألمانية إما من الروسية، أو الآيسلندية، على الصحف العريضة وتوزعت في جميع أنحاء المدينة. ثم، كما حدث قبل ستة قرون، لم تفتح البوابات، التي تحتوي على ياجوج وماجوج، واستمرت الأرض بعد رحيل آخر إمبراطور للرومان.
لقد ركزت نسخة غلاف مجلة “إيميموريل”، والكثير من موادها التسويقية، على عنصر ثان من “سعي” لورين ماركهام: كانت “بحاجة إلى كلمة”. وحزنها على المناخ لم يكن كارثة بيئية فقط، بل كان أيضًا “أزمة لغوية وذاكرة”. على الرغم من أنها كانت تنجذب إلى النصب التذكارية “لأنها تعمل بمواد غير الكلمات”، إلا أن المشكلة الحقيقية كانت في “رضاها اللغوي”، وعدم قدرتها على الشعور “تحت أغلفة اللغة القديمة.” وكانت بحاجة إلى “طرق جديدة لتحويل الأزمة العالمية، كلمات جديدة”، واللغة ك”قوة كيميائية لتحويل ذلك الحزن إلى شيء آخر.” وهذا الموضوع يشغل جزءًا من الأزل أقل بكثير من دراسة التماثيل والمراكز والطقوس، لكنه يكشف مدى قصد ماركهام دائمًا كتابة كتاب. وكان الأمر فقط أنها تحتاج إلى اللغة المناسبة. وتكتب “كنت أبحث عن الكلمات المناسبة”، و”لم يكن هناك ما يكفي منها.” ويقول رينسين إن الكلمة، التي تبحث عنها لورين ماركهام يصعب تحديدها، وليس من الواضح دائمًا ما إذا كانت ماركهام تريد كلمة لتخليد المناخ، أو كلمة تصف نوع النصب التذكاري، الذي تسعى إليه، أو كلمة للرغبة في الذكرى، التي تريدها، أو كلمة للرغبة في تخليد الفقد؟ هل تريد اسمًا للمرثية، أم لطموحاتها، أو، وربما الأصعب من ذلك، للتأثير، الذي يفترض أن تتركه في العالم؟ تقول “كنت أفكك اللغة كعالم مبتهج وأعيد تركيبها من جديد”، تكتب ماركهام، لكن “المهمة” تنتهي بالفشل. وتختار مرشحين: “المبكر”، الذي قدمته مجموعة فنية تدعى مكتب الواقع اللغوي، ومصطلح اخترعته بنفسها؛ “إلى الأبد”، وهو ليس عنوان الكتاب بشكل ملحوظ.
ويبقى السؤال: ما الذي تهدف إليه هذه الكلمة الجديدة، وهذه اللغة الجديدة؟ ماركهام لا تريد فقط التعبير عن تعبيرها بدقة أكبر. إذن فـ”ما فائدة الكلمات عندما كان العالم يحترق؟” تسأل في وقت مبكر. تجيب في الصفحة الأخيرة: تريد، من خلال تلك القوة الكيميائية، أن “تدع حزننا يصبح وقودًا.” وتحاول ماركهام أن تضع نظرية لنوع أدبي؛ تحاول الإجابة على سؤال “ماذا يفعل كتاب عن تغير المناخ؟” ووجدت أن المرثية غير الواعية؛ أو التعبير النقي عن الاستجابة، غير كافية. فهي تريد الرد، الذي يتجاوز مجرد التعبير، النوع، الذي قد يغير العالم، الذي يحرك قلب الله ويبعد نهاية الأيام. من هنا، فإن مأساة “الكتاب عن تغير المناخ” هي أنه بعد أن واجهنا أخيرًا نهاية العالم جلبناها لأنفسنا وتمكنا من منعها دون تدخل قوة عليا، لم نفعل شيئًا على أي حال: الكلمات لم تكن كافية. ولم تستطع الحقبتان الأوليان من كتاب المناخ أن تحركا البشر، ولذا مثل القرويين، مثل هايك أرتاشيان، لجأنا إلى نظرية العاطفة. مرثية المناخ نوع حديث، لذا هذا الدافع خفي، نصف واعي، نصف معبر، ومع ذلك كيف يمكن قراءة كل مرثية المناخ إلا كشيء يتحرك بالحاجة النفسية المكبوتة لجسر الفجوة الرهيبة بين اللغة، التي هي غير كافية للتعبير عن الكارثة، وبين الفعل، الذي يبدو مستحيلًا القيام به، حتى لو لم يكن الوقت قد فات بالفعل؟ مغنو الرثاء يريدون أغنية قادرة على استدعاء المطر. وماركهام، مثل العديد من الكتاب في نوعها، ملتزمة بنوع من فرضية وورف؛ وهي فكرة أن “الكلمات تساعد في تحديد الواقع، الذي نعيش فيه”، فهي تعني ذلك أكاديميًا واجتماعيًا، وليس حرفيًا، وتكتفي المرثية بالتعبير عن رد لأن لا شيء آخر يبدو ممكنًا.
لهذا، فإن هذه هي المعضلة القديمة لما بعد البنيوية؛ بعد أن أطاحت بإيمان التنوير بالعقل التجريبي، فإن الكشف عن أننا لا نستطيع الوصول إلى الواقع إلا من خلال التأثير الوسيط للخطاب لا يعني أن الخطاب نفسه هو الواقع، وليست ماركهام أول فنان موهوب يكافح لاكتشاف أن وظيفة الكتابة ليست تغيير العالم بل وصفه. ومرثية المناخ نوع أدبي صادق؛ تفعل ما تفعله الكتب؛ تشعر، وتتذكر، وتصف، وتحزن، لكن معرفتها الخارقة تأتي بألم، في التذكر، والوصف، والحزن على مدى أن كل هذا بدأ يشعر بأنه غير مهم. ما تبقى للصفحة هو مجرد بحث عن طريقة جديدة لقول ما تريد الكتابة فعله لكنها لا تستطيع. ففي وقت مبكر من الأزل، تقول ماركهام إنها تعاني من “مشكلة نحوية… واحدة تتطلب وقتًا لتنثني مثل البوميرانغ.” وهذا ما تعتقد أنه تحدي كبير في المرثية؛ غياب المفردات لهذا الخراج في الزمن، وتعود مرارًا وتكرارًا إلى هذا الشعور بأنها محاصرة بين ماض يتلاشى ومستقبل رهيب، تحاول تذكر ما لم يحدث بعد، تحاول الحفاظ على ما فقد، تحاول إيجاد طريقة جديدة للتعبير عن هذا المكان الغريب وهذا الشعور الغريب، الذي سيوفر وقود حزنها. ولكن هناك بالفعل مصطلح للحافة الهشة بين الماضي والمستقبل؛ الحاضر. وهناك بالفعل عبارة للحزن والحنين وعدم اليقين، التي تشعر بها، وهي عبارة مناسبة تمامًا للتعبير عنها، حتى لو لم تلمس عقل الله حتى الآن: “أنا خائفة.”
خواتيم لا نهايات:
تُعد حجة الإبقاء على الأمل والبدائل العملية من الأسس المهمة، التي تفرض نفسها في مواجهة الاستعصاءات الفكرية الناتجة عن هوس النهايات عند كُتَّاب الغرب خاصة، إذ تستند هذه الحجة إلى إدراك أن الشعوب والمجتمعات لا يمكن أن تبقى رهينة لتصورات جامدة حول نهايات حتمية، بل ينبغي أن تكون هناك عوامل مرنة وقابلة للتعديل تتيح تحويل التحديات إلى فرص جديدة. من هنا، تنبع أهمية التمسك بمبادرات عملية تواكب التغيرات، وتخلق مسارات بديلة تزيل رهبة الانهيار، أو التلاشي. ويتجلى دور هذه الاستراتيجية في تعزيز مرونة الفكر والمجتمع عبر تبني رؤى واقعية تركز على الحلول بدلًا من الانسياق وراء أوهام النهاية المحتومة، التي لا راد لقضائها إذا أراد الله لها أن تكون. فهي تؤمن بأن النهايات، على غرارها كوظائف طبيعية، أو مصطنعة، ليست مطلقة، بل متغيرة ومتجددة، ويمكن للإنسان أن يصنع لنفسه بداية جديدة من خلال العمل والإبداع، مع استثمار كل فرصة لإحداث التغيير. لذلك، فإن الإصرار على الأمل والإيمان بقدرة الإنسان على التكيف والتجديد يعمقان مفهوم الاستمرارية، ويشجعان على استثمار الموارد والطاقات في مبادرات نحو التطوير والتنمية. أما البدائل العملية فهي بمثابة خارطة طريق للتنقل بين أوجاع النهايات، حاملة في طياتها حلولًا ملموسة قابلة للتطبيق، تحد من مظاهر اليأس والتشاؤم، وتؤكد على أن المستقبل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة لقرارات وإرادات واضحة. وبذلك، يتحول هوس النهايات من خطر يهدد الوعي الإنساني، إلى فرصة لتعزيز الثقة في قدرة الحضارة الإنسانية على تجاوز الأزمات وإعادة بناء مساراتها إلى آفاق أرحب، معتمدين على العمل الجماعي والإبداعي، قائلين للعالم إن النهاية ليست إلا بداية جديدة، تتطلب فقط الإيمان بها والعمل على تجسيدها.
وتبرز، في خاتمة هذا المسعى، أهمية فهم ظاهرة هوس النهايات وتأثيرها العميق على الفكر والثقافة الغربية، حيث تتجلى الرهبة من الانتهاء والتلاشي في مختلف المستويات، ما يثير تساؤلات جوهرية عن مستقبل الإنسان والمتطلبات الحضارية لمواجهة تلك المخاوف. ولذلك، فإن استبطان أوجه هذه الهواجس يوضح كيف أصبح التصور النهائي للحقيقة، أو النهاية السعيدة، محركًا أساسيًا في تشكيل السياسات والنظريات، رغم التحديات والانتكاسات، التي تعترضها. فضلًا عن ذلك، يبرُز النزاع بين الميل إلى التمشّي نحو الافتراضات النهائية وبين ضرورة الاستمرارية والتكيف مع التحولات، إذ إن اعتماد ثقافة النهاية يُهدد بفرض قيود على الإبداع والمرونة. ومن ناحية أخرى، تظهر الحاجة إلى التوازن بين الإيمان بالمآلات المحتومة وإمكانية صناعة مستقبل بديل، عبر تبني رؤى تتيح للإنسان أن يتخطى حدود الرهبة ويعيد بناء الأمل من خلال المبادرة والعمل المبدع. ويتضح أن تجذير مفهوم النهاية في الفكر الغربي لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن سياق أزماته الوجودية، العلمية، والسياسية، التي دفعت الفكر إلى حواف اليأس والانقسام. ومع ذلك، فإن استمرارية الحضارة تعتمد على قدرة الإنسان على استثمار هذه الأزمات كفرص لإعادة تقييم القيم، وتطوير البدائل، وإعطاء معنى عميق لغياب النهايات المطلقة. وفي المحصلة النهائية، يظل الأمل ركيزة أساسية في مواجهة هوس النهايات، إذ يتطلب الأمر إرادة جماعية وفكرًا مستنيرًا يوازن بين حقيقة الأفق المحدود وضرورة السعي لمعانقة مستقبل أكثر حيوية ومرونة، بحيث لا يُنهك الإنسان أمام هواجس النهاية، بل يؤسس لوجود يمتد بإيجابية من الأمل والإبداع.
* أمين عام منتدى الفكر العربي، الأردن، أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية، جامعة سكاريا، تركيا
الدكتور الصادق الفقيه
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





