علوم التربية: التعريف – الدلالة – الوظيفة – الامتداد
قراءة في إشكالية المفهوم وتحولات الممارسة من النموذج الكلاسيكي إلى المقاربات المعاصرة

تقديم
لا بد من الإشارة في البداية ،أن أكبر إشكال معرفي في التربية وعلومها ،يكمن أساسا في إشكالية التعريف والتحديد لمفهوم التربية ،ودلاتها المعجمية والاصطلاحية ،بحيث اختلفت التحديدات، وتعددت التعريفات ،وتباينت المقاربات لمصطلح التربية ،تبعا لتعدد واختلاف المدارس التربوية ،وتباين تصورها للتربية في الوظيفة والمهام والأهداف والغايات ،كما ساهم الامتداد التاريخي الطويل والمسار البعيد الذي مرت منه التربية ،وقطعته علومها ومرت منه مباحثها في تعميق هذا الإشكال المفهومي .
وضبط المفهوم التربوي له أهمية خاصة في علوم التربية ،ونظرا لأهمية المفاهيم والمصطلحات التي تنتمي الى معجم علوم التربية ، فقد صرح الأستاذ أحمد اوزيبأنه:”لا تستقيم علوم التربية ،ولا تغدو معارفها ومفاهيمها واضحة لمتلقيها والدارس لها، بدون وضوح مصطلحاتها ومفاهيمها المتداولة فيها..”.
ما يعني أن مفاهيم علوم التربية لا تغدو مفاهيمها واضحة لدى المتلقي بدون وضوح مفاهيمها ومصطلحاتها المتداولة والمستعملة فيها.
وقديما قال علماء الاسلام لا علم بدون ضبط المصطلح ،وأن من مقدمات العلوم هو تحقيق المفهوم وضبط دلالته ،ما يعني أن تحديد المفاهيم هو مدخل أساسي في الاشتغال على العلوم الحقة والانسانية .
وعليه نقول إن التربية في اللغة العربية من فهل ربا يربو، بمعنى نما ينمي أي الزيادة ، وهو المعنى الذي نجده حاضرا ومستخدما وشائعا في القرءان الكريم ،قال سبحانه”فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج”الحج أية 5″، يعني أي نمت وزادت .
و تربية الإنسان تعني تطوير شخصيته وتنمية قواه النفسية،وقدراتها الجسدية والعقلية والخلقية ،والرفع من مهاراته ليتيسر له الاندماج في الحياة.
كما تعني التربية إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام والكمال،وفي اللغة الفرنسية فالتربية مشتقة من كلمةéducation واصلها اللاتينيéducareالتي تدل على القيادة والهيمنة والإخراج والرعاية والتحول من حال إلى أخر، كما تعني ذلك العلم المعين على إخراج الطفل من حالته الأولية التي كان عليها في البيت والأسرة ،ومساعدته على تحصيل الفضائل والقيم من المحيط القريب منه ،وبالأخص المدرسة ، ليتيسر له الاندماج السريع والسهل في المجتمع….
كما تعني التربية الرعاية والتنشئة وتحصيل القيم الإيجابية والنبيلة والارتقاء بالمجتمع نحو الأفضل ، والتخلي على القيم السلبية.
- تعريف التربية
مما ينبغي الوقوف عنده في البداية ،هو الاشارة أن أكبر إشكال معرفي ومفهومي في التربية وعلومها ،يكمن أساسا في إشكالية التعريف والتحديد لمفهوم التربية،في جهة دلاتها المعجمية والاصطلاحية ،بحيث اختلفت التحديدات، وتعددت التعريفات ،وتباينت المقاربات لمصطلح التربية،وهذا يعود الى تعدد واختلاف المدارس التربوية ،وتباين تصورها ورؤاها للتربية،كما ساهم الامتداد والتطور التاريخي الطويل والبعيد الذي مرت منه التربية ،وقطعته علومها ومباحثها الكبرى من تعميق وتوسيع هذا الإشكال المفهوميوالمصطلحي،بحيث ظلت التربية لأمد بعيد متعايشة ومتداخلة مع الفلسفة، احتضنها الفلاسفة وبالأخص عند فلاسفة اليونان و فلاسفة الاسلام ،ولم تنفصل التربية عن الفلسفة إلا في وقت متأخر.
لكن أكبر طفرة في علوم التربية كانت مع نشأة العلوم الإنسانية،بحيث قدمت هذه الأخيرة خدمات كبيرة لعلوم التربية ترجمت في البحوث الميدانية والدراسات التطبيقية التي لها تعلق بقضايا التربية والتعليم ومهن التدريس ،من ذلك علم النفس التربوي الذي اشتغل على كثير من القضايا التربوية ،وعالج عددا من المشاكل البيداغوجيا ذات الصلة بمهن التربية والتدريس مثل التعلم والتأخر الدراسي وصعوبات التعلم ،والتعثرات المدرسية ، والخوف والخجل والاضطرابات النفسية ، ومشاكل الطفولة والمراهقة . ..
التربية في الاصطلاح
من التعاريف الاصطلاحية للتربية:
– تعريف روني اوبير ، إذعرف التربية :بأنها “مجموع التأثيرات،والأفعال التي يمارسها بكيفية إرادية كائن إنساني على آخر غالبا ما يكون هذا الكائن راشدا أو طفلا صغيرا ويستهدف من هذه العملية تكوين ،وتأهيل مختلف الاستعدادات النفسية والاجتماعية التي تقود الطفل إلى النضج والكمال” .
تعريف إميل دركايمÉmile Durkheim :1858-1917
وعرف عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم التربية بقوله: ” هي الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال الصغيرة التي لم تصبح بعد ذلك ناضجة للحياة الاجتماعية، وموضوعها إثارة و تنمية يحتاجها المجتمع السياسي في مجمله والوسط الخاص الذي يوجه إليه”.
ومن تعاريف علماء الاسلام ،تعريف الإمام الغزالي ت505ه اذ عرف التربية بقوله:”معنى التربية يشبه الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الفاسدة من بين الزرع”.
وهذا التعريف لقي انتشارا واسعا وذيوعا كبيرا بين المهتمين بالتربية الاسلامية وبتاريخها وبقضاياها ، لأنه تعريف يتأسس على المعيار الأخلاقي والقيمي.
فالمربي عند الامام الغزالي مثل الفلاح ،فهو يعمل يوميا على اخراج ونزع الشوك الفاسد، ليبقي ويحتفظ بالصالح، وكذلك المربي ،فهو ينقل الفرد من حال الى أخرى تكون الثانية أحسن من الأولى …..
والتربية عند أبي حامد الغزالي بصفة اجمالية هي طريق للتزكية والتخلية والتحلية بالفضائل ،وهي سبيل في التحلي بالأخلاق الحميدة ،والابتعاد والتخلي عن الأوصاف الرذيلة..
ويعتبر ان مصدر التربية هو التربية الوالدية، فينيغي للوالدين رعاية أ بنائهم،فالطفل أكثر تأثيرا بوالديه وبالوسط القريب منه.
- تعاريف معاصرة لعلوم للتربية
وقد عرف الباحث المغربي أحمد أوزي التربية بقوله” هي مجموع القيم،والمفاهيم المعرفية والتطبيقية التي تعمل على تنمية الفرد والمجتمع في جميع مجالاته وقطاعاته”.
أما الباحث التونسي عبد المجيد النجار، فعرف التربية « في كونها هي التنشئة المستمرة،والدائمة على الخصال والقيم المحمودة والنبيلة”..
وأغلب التعاريف المعاصرة للتربية ،تراهن على هذا البعد القيمي والتنموي ،وتخصيصها بهذا الاعتبار ،وهو أن تكون التربية رافعة للتنمية،وعنصرا فاعلا ومتدخلا في مشاريع التغيير والتنمية، وبانية للقيم الايجابية التي يحتاجها المجتمع في ارتقائه نحو الأفضل ،وطريق معين في مواجهة التحديات التي يعرفها العالم اليوم في سياق التحول الرقمي، والطفرة التكنولوجية..
والتربية في علاقتها بالبيداغوجيا وعلم الديداكتيك هي علاقة مترابطة ومتلازمة ،محددة بعلاقة الخاص بالعام ، بحيث يصعب الفصل بينهما لأن كل طرف يحتاج الى الطرف الاخر..
ومن منعطفات التربية وعلومها إنها تأثرت بالنقلة المعرفية التي أحدثها عالم التكنلوجيا والثورة التواصلية، فما يعرفه العالم اليوم من تطور في الاقتصاد و تحول في المعرفة بمختلف صنوفها وأشكالها ، فان الضرورة تتطلب بشكل أكثر من جعل منظومة التربية والتعليم ومهن التدريس من أن ترتبط مع متطلبات سوق الشغل ومواكبة التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم في العلوم في العالم الرقمي.
ولقد أصبحت التربية اليوم تتأسس حاليا على مخططات علمية وبرامج مستقبلية مستفيدة من التحول التكنلوجي الذي طرأ على عالم الرقميات ،كما استفادت علوم التربية من النظريات السيكولوجية الجديدة ،إذ أن الفعل التربوي لا يمكن أن يحقق مقاصده ويصل الى أهدافه الكبرى إلا إذا كان يعتمد على تصورات ورؤى جديدة ،تأخذ بعين الاعتبار التطور العلمي ومستقبل المتعلمين في سياق هذه التحولات التي تحصل في مؤسسات المجتمع .
- التربية والعلوم الانسانية
لقد تطورت الممارسات التربية في الفترة الحديثة والمعاصرة بشكل كبير، واستفادت من الثورة المعرفية التي تحققت في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية والبيلوجية والفزيائية بمختلف فروعها ،و بجميع تخصصاتها ومسالكها وشعبها بسبب اختيار هذه العلوم للمنهج العلمي و التجريبي القائم على الضبط العلمي .
فأكبر نقلة معرفية تحققت في علوم التربية،كان بفضل اندماجها وتداخلها وتفاعلها مع العلوم الإنسانية،واستثماراتها للبحوث التربوية التطبيقية لهذه العلوم ذات الصلة بالمجالات التعليمية والتربوية وبمهن التدريس.
وبفضل هذا التطور والتحول الكبير الذي حدث في مفهوم التربية وعلاقتها وتداخلها بالعلوم الانسانية وحنى العلوم الحقة ، فقد تغيرت الملامح والخصائص العامة لمفهوم التربية من حيث المهام والأدوار والوظائف والغايات.
اذ اتجهت العناية بما هو عملي تطبيقي ، و المراهنة على المتعلم في بناء تعلماته، والاقتراب من المشاكل التي تعترضه في تدبير وانجاز أنشطته الصفية ،وهذا من أبرز رهانات التربية الجديدة والمعاصرة .
فهذا الانتقال والعبور للمباحث التربوية في حضورها في العلوم الإنسانية والاجتماعية ،هو ما أكده الباحث في علم الاجتماع محمد جسوس*عندما قال :” لا توجد علوم تربوية،و إنما توجد علوم إنسانية اشتغلت واستحضرت المجالات والقضايا التي لها صلة وقرابة مباشرة بمجال التربية وبقضايا التدريس والتعليم من ذلك علم النفس التربوي الذي حملت مواضيعه كثيرا من القضايا ذات الصلة بالتربية وبمهن التدريس “.
ومع العلوم الانسانية احتلت التربية مقام الصدارة ،من حيث هي رهان أساسي ومطلب مجتمعي في مواجهة مظاهر التغيرات المتسارعة و التحولات المتلاحقة من خلال انخراط الفعل التربوي من المساهمة في تقديم الحلول للمشاكل الأنية والاكراهات القطاعية التي تعيشها المجتمعات اليوم بفعل التغير والتطور السريع.
التربية في العصر الحديث :
في الفترة المعاصرة حققت علوم التربية نقلة نوعية،وطفرة معرفية،بفضل تأثيرها واستفادتها من البحوث التي تحققت في العلوم الإنسانية بفروعها المتعددة وأنواعها المختلفة ،ما جعلها تنال موقعا خاصا ،وحضورا متميزا بين العلوم الحديثة والمعاصرة.
وقد أثر التحول الكبير والنقلة العلمية العميقةالتي وقعت في المجتمعات المعاصرة بسبب التداعيات الاقتصادية والتحولات العميقة على المسار التاريخي الذي مرت منه التربية وعلومها.
والعادة التي ترسخت بين المشتغلين بتاريخ التربية، أنهم اختاروا هذا التعارف العلمي والأكاديمي، وهو أن يؤرخوا للتربية بهذه النقلة العلمية والطفرة المعرفية التي حدثت وتحققت في التربية بانتقالها من العهد الكلاسيكي إلى العهد الجديد ،بصدور كتاب ج -ج -روسوrousseau:G-G: الذي حمل عنوان :إميل أو حول التربية”Emile ou sur l’éducation”وهذا الكتاب الذي كتبه روسوrousseauسنة:1762 شكل نقلة نوعية ،و طفرة معرفية في الممارسات التربوية، بحيث انتقلت هذه الممارسة من الخطاب النظري الفلسفي إلى الخطاب العلمي التطبيقي الإجرائي، أي التوجه نحو التمركز حول المتعلم، و خدمة هذا المتعلم بمساعدته ببيان الكيفية والطريقة التي بها يتعلم ويكتسب معارفه ، ويؤسسه بها تعلماته بصفة عامة.
انطلاقا من هذا السياق نقول إنالتربية الكلاسيكية هي تربية تتمركز حول المعلم- pédagogique centrée sur l’enseignant-، فهو المصدر المعرفة، والمتعلم هو متلقي لهذه المعرفة فقط، أما التربية الجديدة فتتمركز حول المتعلم- pédagogique centrée sur L apprenant- .
وعلى هذا الاعتبار فإن أكبر نقلةمعرفية تحققت في علوم التربية ،كان بفضل اندماجها وتداخلها وتفاعلها مع العلوم الإنسانية ،واستثماراتهالبحوثها الميدانية والاجرائية ، وبالأخص النتائج ذات الصلة بالمجالات التعليمية والتربوية ،وبمهن التعليم و التدريس.
وعلاقة التربية،وتداخلها بالعلوم الانسانية ،وبفروعها المختلفة ،قد غيرمن الملامح والخصائص العامة لمفهوم التربية ،من حيث المفهوم والمهام والأدوار، والوظائف التي تقوم بها التربية في المجتمع.
لا نعني بهذا الكلام بأن العلوم الإنسانية بمفردها هي التي اتجهت إلى الاشتغال على التربية واستحضرت قضاياها ومباحثها ،دون أن تكون لباقي العلوم الأخرى مشاركة أو مساهمة في هذا الانجاز ،وهذا الاستقلال الفعلي والعلمي عن الفلسفة ، لكن نقول حتى العلوم الحقة أو العلوم الصلبة كانت لها مشاركة في تطور موضوع هذا العلم المنعوت بعلوم التربية في العصر الحديث والمعاصر .
وما يعزز هذا الاختيار أن كثيرا من أعلام التربية المشهود لهم بالمشاركة الرائدة والمساهمة الفعلية ومن الحضور الوازن في الميدان التربوي والبيداغوجي ، دخلوا إلى هذا العلم –علوم التربية – واقتحموا مباحثه من أبواب علوم أخرى ، مثل علم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات وعلم اانتربولوجية .
يعني هذا الكلام أن أعلام البيداغوجيا الكبار الذي تركوا أثارهم وبصماتهم في هذا العلم كانت لهم مشاركة علمية في تخصصاتهم العلمية التي اشتغلوا فيها و اشتهروا بها ، قبل أن يلجوا علوم التربية مثل العالم البيلوجي :جون: بياجي Jean Piaget) الذي كان في بادئ أمره عالم بيلوجيا قبل أن يكون مربيا وعالم النفس ،وهو أحد مؤسسي المدرسة البنائية ،واهتم بشكل خاص بمراحل النمو عند الكائن البشري ،لا سيما علم النمو الطفل ،ومدى تأثير هذا النمو على عملية التعلم وتحصيل المعارف و بناء الذكاء عند الإنسان .
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






