في الحاجة إلى نقد الثقافة وثقافة النقد

يمثِّل سؤال تخلُّف المسلمين اليوم، أحد أكبر الأسئلة التي طُرحت ولا زالت تطرح وإن بصيغ متباينة، فهي حقيقة لا تحتاج إلى عناء الإثبات، حقيقة يؤكِّدها الواقع الإسلاميّ على كلِّ الأصعدة والمستويات، وأحد هذه المستويات هو مجال التربية والتعليم.

ثمَّة محاولات شتَّى لتدارك الأمر، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في منظومتنا التعليميَّة المهترئة؛ لكن تبقى كل هذه المحاولات (أغلبها دعوات ليس إلَّا) محدودة التأثير، لأنَّها لم تكن بالعمق والصرامة المطلوبين، لتغيير واقع المسلمين اليوم. هذا الواقع الذي يحتاج باختصار إلى التأسيس لفكر وعقل نقديّين، يتجاوزان التفاصيل والأشكال إلى الأصول والمسلَّمات، وهي مهمَّة صعبة في الحقيقة، لأنَّ ذلك وجب أن يمرَّ عبر البنية الثقافيَّة العربيَّة، أي نقد الثقافة السائدة والتأسيس لثقافة وفكر جديدين وبديلين عن الفكر والثقافة السائدة.

يشير صاحب مشروع نقد العقل العربيّ، المرحوم عابد الجابري إلى أنَّ تخلّفنا الفكريّ هو تخلُّف مرتبط باللاعقلانيَّة، بالنظرة السحريَّة إلى العالم والأشياء وبالنظرة اللاسببيَّة، لذلك فإنَّ تحقيق تنمية في الفكر العربيّ الإسلاميّ المعاصر يتطلَّب طرحًا عقلانيًّا لكلِّ قضايا الفكر، والفكر الدينيّ بالضرورة داخل في هذه الدائرة، لأنَّه يساهم بقدر أساسيّ في تكوين ما أطلق عليه توماس كوهن “النموذج الإدراكيّ”، أو “اللاشعور المعرفيّ” عند جان بياجي، وهو باختصار مجموعة المفاهيم والتصوّرات والعمليَّات الذهنيَّة التي تحدِّد نظرة الإنسان العربيّ – مثلا – إلى الكون والإنسان والمجتمع وكذلك لنفسه، وتحدِّد على ضوئها معالم واقعه ومستقبله، أي العقل العربيّ السائد اليوم.

وهكذا لا يمكن نظريًّا وواقعيًّا القول بإمكان التفكير بواسطة هذه الثقافة العربيَّة خارج تلك المنظومة المرجعيَّة التي تتشكَّل إحداثيّاتها الأساسيَّة من محدِّدات هذه الثقافة ومكوّناتها، وفي مقدِّمتها الموروث الثقافيّ والمحيط الاجتماعيّ والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون، والإنسان، كما تحدِّدها مكوّنات تلك الثقافة وكما تمَّت صياغتها تاريخيًّا بفعل الدور الطاغي الذي لعبته مناهج الغزالي الأشعري والشافعي على كل الموروث وشكَّلت على أساسه خلفيَّة العقل الإسلاميّ السائد.

على هذا الأساس تطرح قضيَّة نقد الثقافة السائدة أهمِّيّتها وإلحاحيّتها، لكن يبقى هناك تساؤل آخر مهمّ ومحوريّ في القضية، وهو : بأيِّ مضمون يلزم أن تكون به هذه العمليَّة؟ ما هو سقف هذا النقد ؟

أهمِّيَّة هذا التساؤل نابعة من تخوّف أن لا تتحوَّل هذه العمليَّة، والمفترض أنَّها عمليَّة تفكير نقديّ، إلى عقبة ابستمولوجيَّة بتعبير “غاستون باشلار”، لأنَّه ليس مجرد رفع شعار النقد يعني حتميَّة النقد وحتميَّة التغيير الفكريّ والثقافيّ، وإنَّما هناك شروط أخرى تحتاجها هذه العمليَّة لتكون ذات جدوى.

إنَّ الصعوبة الكبرى التي تواجهنا تكمن في كيفيَّة تحرير العقل النقديّ نفسه من القيود الابستيميَّة التي فرضت عليه، والمتحكِّمة في جميع الممارسات الفكريَّة والثقافيَّة، بعبارةٍ أخرى؛ كيف نعرف أنَّ أيّ عمليَّة نقديَّة غير خاضعة ابستمولوجيًّا لمسلّمات معرفيَّة وجب نفسها أن تتعرَّض للنقد؟ فما من شكٍّ أنَّ الهيمنة القوية للموروث القديم على فكرنا جعل أدوات إنتاجنا الفكريّ تخضع لهذا الموروث القديم، بوصفه بنية عامَّة، والتحرُّر من هذه الهيمنة هو ما يسميه الجابري “ضرورة العقلانيَّة”. ضرورة العقلانيَّة بالنسبة للوضع العربيّ الراهن تتجلَّى خاصَّة في الروح النقديَّة، بنشر الروح النقديَّة، فالعقل العربيّ لم يمارس نقد سلاح الفكر أي ممارسة عمليَّة النقد داخل هذا الفكر و تعرية أسسه وتحريك فاعليّاته.

وبتعبير أبو القاسم حاج حمد فالأزمة الفكريَّة في الواقع العربيّ الراهن، هي أزمة تركيب ذهنيّ غير منهجيّ، ويصعب الخروج من هذا النوع من الأزمات المأزقيَّة ما لم تتطوَّر البنية العقليَّة نفسها.

إنَّ الأمر في الواقع ليس عمليَّة سهلة، ليس عمليَّة ميكانيكيَّة وتمرّ، ولكن رهان يحتاج في نجاحه لإرادة حقيقيَّة وجادّة؛ لأنّ أيّ نهضة فكريَّة أو إصلاح حقيقيّ لا يمكن أن يتمّ بالقفز على نقد الثقافة والعقل العربيّ، فقد تستطيع جزء من النخب الحاكمة والقوى المحافظة تأجيله، ولكن لا تستطيع منعه إلى الأبد.

وكما ذكرت سلفًا، فإنَّ النقد بأدوات من داخل نفس المنظومة، لن يكون إلَّا إعادة لنفس المنظومة السابقة ونفس العقل السائد، ولتلافي ذلك نحتاج إلى الاستعانة بأدوات ومحدّدات نظريَّة حديثة، بالاستفادة من الابستمولوجيا المعاصرة، وما تتيحه من أدوات نظريَّة وخبرتها الطويلة في الممارسة النقديَّة للعلم وتاريخ العلم، ما يسمح بزرع هذه الروح النقديَّة داخل ثقافتنا  وتقاليدنا المعرفيَّة.

اخترنا لكم