أدبالتنويريسلايدر

قراءة نقدية في رواية “زهرة من حي الغجر” للكاتب عصام الدين أحمد صالح

من "كارمن" الغربية إلى "زهرة" العربية: تفكيك سردية الهامش والتروما التاريخية في أدب المهمشين

رواية “زهرة من حي الغجر”  تفتح   الباب لدراسات غربية  مقارنة مع الروايات العربية التي  تناقش قضايا المهمشين. 

 القيمة  الكبرى للرواية في القدرة التحويلية التي أظهرها الكاتب في اختراق الصمت، وكسر حاجز الإهمال التاريخي لجماعة ظلت طي النسيان في المتخيل العربي.  


“زهرة من حي الغجر” مساهمة أدبية جريئة تستحق القراءة والدراسة، ليس لأنها قدمت تمثيلاً مثالياً للغجر، بل لأنها أثارت الأسئلة الصحيحة حول إشكالية تمثيل المهمشين. 

زهرة من حي الغجر رواية للأديب صلاح شعير  عن وكالة الصحافة العربية(ناشرون) بالقاهرة، والرواية ليست  مجرّد استقصاء سردي لأوضاع جماعة مهمشة، بل بوصفها استعارةً مكثَّفة لأزمة الهامش الوجودية في مواجهة مركزٍ متصلب. فمنذ عتباتها الأولى، تفرض الرواية نفسها كمتناقضة جمالية: “زهرة” ترمز للنقاء والتفتح، و”حي الغجر” يحمل دلالات التهميش والانزياح. هذه المفارقة لا تُقرأ كتقنية سردية فحسب، بل كتشخيص لمعضلة البطل/ة الممزق بين منبته الهُووي و شرطه الوجودي. 

وإذا كانت القراءات الانطباعية –كقراءة إيمان حجازي – قد أُخذت ببراعة الاستهلال والاختتام، فإن المهمة النقدية هنا تتجاوز توصيف هذا الجمال إلى تفكيك شفرات النص. فالعنوان الدال “من حي الغجر” –لا “فيه”– يشي بإشكالية الهُوية الجوهرية: هل الانتماء سُنبلة تُقطف أم جذرٌ لا ينفصم؟ وصورة الغلاف التي تتصالب فيها براءة الأنثى مع تعقيدات الطبيعة، ليست مجرد زينة بصرية، بل هي عتبة تأويلية لتمثيل الجسد الأنثوي الغجري بوصفه ساحة للصراع.

الأكثر إيلاماً أن الختام، عبر مشهد “الروبابيكيا” المُفعم بالقسوة البلاغية، لا يختتم حدثاً روائياً بقدر ما يفتح جرحاً ثقافياً: إنه يشي بإعادة تدوير الهامش نفسه، حيث تُفرم الذاكرة (الكتب) لتصير غلافاً لسلعة جديدة (الأحذية). هنا بالضبط، حيث يلتقي مصير المعرفة بمصير المهمشين في دائرة مفرغة من التهميش.

ومن هذا المنطلق، لا تكتفي هذه الدراسة بمساءلة تمثيل الغجر في المتخيل السردي، بل تتعداه إلى تفكيك البنى العميقة للنص عبر مقاربة نقدية مركبة: تبدأ من تشريح البنية السردية، لتغوص في الأعماق النفسية للشخصيات، وربطها بشبكة العلاقات السوسيوثقافية، وتنتهي عند الأبعاد الجمالية والرمزية التي ترفع النص من حكاية محلية إلى خطاب عن الهُوية والوجود. 

وذلك كله دون إغفال مساءلة الإشكاليات التي تطرحها الرواية، وعلى رأسها التوتر بين التوثيق التاريخي والتخييل الروائي، وبين التمثيل والتأويل، سعياً وراء قراءة لا تكتفي بفك شفرات النص، بل تتلمس حدود إمكانياته وأوجه قصوره  معاً.

أولا: الإطار النظري والمنهجي: نحو نموذج تحليلي متعدد المستويات: لا تكفي قراءة عمل متعدد الطبقات كـ “زهرة من حي الغجر” بمنظور نقدي أحادي، فهو نص ينفلت من أي إطار وحيد الجانب. لذلك، تتبنى هذه الدراسة مقاربة تكاملية تتعامل مع النص الروائي كنسيج معقد، حيث تتداخل الخيوط البنيوية مع النفسية والاجتماعية والرمزية في تشكيل الدلالة. ولا يقتصر هدف هذه المقاربة على تفكيك هذا النسيج فحسب، بل يمتد إلى تبيان كيف تتفاعل مستوياته المختلفة لإنتاج خطاب مركب عن الهوية والهامش. يمثل المنهج التطبيقي للدراسة مسارًا تحليليًا متصاعدًا، يبدأ من الأساس المادي للنص ليصل إلى تجلياته الرمزية الأكثر تجريداً، وفق التدرج التالي  المدخل البنيوي وتشريح هيكل الهامش،  الهدف وتحليل النظام الداخلي للنص بوصفه البنية التحتية لتوليد الدلالة. التركيز وفك شفرة الثنائيات المؤسسة للرواية (المركز/الهامش، الفرد/الجماعة، المعرفة/النسيان) من خلال تحليل عناصر السرد الأساسية: المكان (حي الغجر كفضاء منغلق)، الزمان (التشابك بين الماضي الحاضر ليعكس استمرارية التهميش)، الشخصيات (زهرة نموذجاً للممزق، والشخصيات الثانوية كتمثيل للقوى المجتمعية)، والرؤية السردية (تداخل صوت الراوي العليم مع الوعي الداخلي للبطلة).

ثانيًا المدخل النفسي:  تبدو أعماق الجرح  من خلال سبر أغوار البعد الذاتي للتهميش، والانتقال من مستوى “الوصف” الاجتماعي إلى مستوى “التجربة” الوجودية، وتحليل تشكل الهوية المأزومة لمجتمع الغجر، كما أن هذا المدخل  يطرح مفهوم “التروما التاريخية” لفهم كيف تورث الجماعة المهمشة إحساسها بالمظلومية عبر الأجيال، وكيف يتجلى ذلك في اللاوعي الجمعي والسلوك الفردي.

ويبدو المدخل الجمالي–الرمزي من الانتقال من الواقعي إلى الاستعاري، للكشف عن كيفية تحويل الرواية لقضيتها الواقعية إلى خطاب رمزي مكثف، يتجاوز الخاص إلى العام.، وتتبع شبكة الرموز الكبرى التي تشكل العمود الفقري للرواية: “القلم” (المعرفة والذاكرة المهددة)، “زهرة” (الجمال والهشة في مواجهة القسوة)، “الحي” (الهامش ككيان فيزيائي ورمزي)، و “الروبابيكيا” (إعادة تدوير الهامش ومحو الذاكرة) وفي هذا المدخل تبدو ذروة التحليل، حيث يبيّن كيف تتحول الرواية من سرد عن غجرية إلى استعارة عن مصير كل من يُنبذ على هامش التاريخ والمجتمع. ويمكن مناقشة المدخل النفسي في عدة نقاط:

1-شخصية البطلة:  تبدو  “زهرة” في ضوء مفهوم “العار الاجتماعي” المرتبط بأصلها، وصورة الجسد الأنثوي بوصفه موقعاً للصراع. جسدها يصير موقعاً للسيطرة من قبل المجتمعين: الغجري (الذي يحاول التحكم في عفتها كشرف جماعي) والمصري السائد (الذي يتلذذ بامتلاك gaze ناظراً واستغلالياً).

 ولا تعاني زهرة فقط كغجرية، ولا كأنثى فقط، بل تعاني من “تقاطع أنظمة القمع” – حيث يلتقي التمييز العرقي (ضد الغجر) مع البطريركية (ضد النساء) مع الطبقية (ضد الفقراء).

وتمزق زهرة ليس بين “اللذة والواقع” بل بين “الانتماء الآمن المُذل” و “التحرر المجهول الخطير”. الانتماء للغجر يمنحها هوية لكنه يقيدها، والتحرر يعدها بحرية لكنه يهددها بالضياع والوحدة، ويمكن قراءة استراتيجية زهرة في استخدام جمالها للانتقام على أنها محاولة يائسة لـ “معالجة جرح العار” عبر إثبات قيمتها لمن أهانوها. لكن هذا العلاج يثبت فشله، إذ يعيد إنتاج دائرة الاستغلال والاستلاب.

ويصير جسدها “سجلاً رمزياً” تُقرأ عليه كل صراعات الرواية، صراع الجندر، صراع الهوية، صراع المركز والهامش. جمالها ليس صفة جسدية بل قوة رمزية تتعارض مع وضعها الاجتماعي.

وتتحول زهرة من شخصية غجرية إلى “استعارة كونية” للجمال النقي الذي ينبت في الأماكن القاسية. هي تجسيد للهشة الإنسانية في مواجهة قسوة الأنظمة الاجتماعية. وتكمن قوة الرمز في “التناقض المؤسس” بين دلالتي “الزهرة” (النقاء، الجمال، التفتح) و”حي الغجر” (القذارة، الهامش، الإقصاء). هذه المفارقة تخلق توتراً جمالياً يغذي النص كله.

2- تشريح جرح الهوية – بين العار الاجتماعي والتروما التاريخية:  يمثل الانتقال من البنية السردية إلى الأعماق النفسية نقلة من تشريح الهيكل إلى تشخيص الجروح الكامنة فيه. يتجاوز هذا التحليل النظريات الكلاسيكية ليغوص في السيكولوجية المعاصرة للتهميش، مركزاً على كيفية تحول الوصمة الاجتماعية إلى صدمة نفسية عميقة، وكيف تتحول الإهانة الجماعية إلى جرح وجودي فردي.

3- العار الاجتماعي: السجن اللامرئي للهوية: لا يعاني الغجر في الرواية من الفقر أو الإقصاء المكاني فحسب، بل من عار وجودي أعمق، حيث تتحمل زهرة عبء “العار المُورَث” المرتبط بهويتها الغجرية. هذا العار ليس شعوراً فردياً عابراً، بل هو “بنية انفعالية مؤسِّسة” تشكل نظرتها إلى ذاتها والعالم. إنه العار من الأصل، من الجسد، من الاسم، ومن أي شيء قد يفضح انتماءها.

4- الاستبطان الداخلي للوصمة: تظهر زهرة كضحية لـ “استبطان النظرة الدونية”، حيث تتبنى هي نفسك الصورة النمطية التي يرسمها المجتمع عنها. هذا يخلق صراعاً داخلياً بين كراهية الذات (لانتمائها للغجر) والرغبة في الانتقام (لعدم اعتراف المجتمع بها). ويصبح جسد زهرة – بجماله الاستثنائي – موقعاً مزدوجاً للصراع: فهو من ناحية مصدر قوة تمكنها من التلاعب بمن يستضعفونها، ومن ناحية أخرى مصدر تهديد دائم يجعلها عرضة لنظرات الامتلاك والاشتهاء التي تعيد إنتاج عارها. ويتجاوز الألم في الرواية كونه حدثاً فردياً ليكون جرحاً جماعياً متوارثاً.

  حكايات الغجر عن الاضطهاد والنبذ ليست مجرد حكايات، بل هي “ذاكرة جسدية” تخترق الأجيال. مشاهد مثل “مجلس المغارم” لا تمثل ظلماً آنياً فحسب، بل تستحضر تاريخاً طويلاً من الإقصاء، مما يجعل الزمن كله سلسلة من الصدمات المتكررة  ليست حدثاً من الماضي، بل هي “حالة مستمرة” يعيشها الغجر. الخوف من النبذ، توقع الخيانة، وارتيابهم الدائم من الخارج – كلها أعراض لتروما جماعية لم تندمل.   صمت بعض الشخصيات الغجرية ليس غياباً للحكي، بل “صمتاً تروماتيكياً” عن جرح لا يُحتمل التلفظ به. بينما تمثل ثرثرة الأقلام القديمة محاولة من الماضي للإفصاح عن آلامه المكبوتة.

5-  الرموز  النفسية: تتحول الرموز الرئيسية في النص إلى تعبيرات عن اللاوعي الجمعي، حوار الأقلام  هو حاجة الهامش إلى التسجيل،  ويمكن تفسير هذا الحوار على أنه تعبير عن “هوس المهمشين بالتوثيق”، وخوفهم من أن تُمحى آثارهم وتضيع حكاياتهم، تماماً كما يخشى الغجر أن يمحوهم النسيان.

و الروبابيكيا ومشهد فرم الكتب لا يمثل تهديداً ثقافياً فحسب، بل يعبر عن “القلق الوجودي الأعمق” لدى المهمش: الخوف من أن يصير هو نفسه “مخلفات” تُعاد تدويرها في خدمة نظام لا يعترف بإنسانيته.

ثالثًا: المدخل السوسيوثقافي:  يبدو  هذا المدخل في سياقات الإقصاء وآلياته،  في إطاره المجتمعي الأوسع، لفحص الخطابات الاجتماعية التي تنتج التهميش وتُعيد إنتاجه. وتحليل تمثيل الغجر في المتخيل الاجتماعي المصري، ومساءلة علاقتهم بـ “سلطة المعرفة” (التي يمثلها القلم) و “سلطة المكان” (التي يمثلها المركز الحضري). ينفتح هذا المدخل على مفهوم “التمركز حول الذات” (Ethnocentrism) للمجتمع السائد، وكيف يمارس سلطة تمثيل “الآخر” الغجري.

ويتجاوز هذا المدخل الوصف السوسيولوجي المباشر إلى تحليل الخطابات والآليات التي تنتج التهميش وتُعيد إنتاجه. فـ “زهرة من حي الغجر” لا تسجل فقط وضعاً اجتماعياً، بل تكشف عن المنطق الخفي الذي يحكم العلاقة بين المركز والهامش، وتفضح التقنيات الرمزية التي تستخدمها السلطة لترسيخ هيمنتها.

1 -خطاب التمركز حول الذات (Ethnocentrism) وآلية “التمييز:  لا يظهر الغجر في الرواية كـ “آخر” بشكل طبيعي، بل يتم “بناء غربتهم” عبر خطاب اجتماعي وسياسي يمارس عملية “تمييز منهجي”. هذا الخطاب يحول الاختلاف الثقافي إلى تهديد، والتفرد إلى انحراف.

وتمثل النظرة الدونية للغجر ليس مجرد آراء فردية، بل “تقنية سلطوية” لتبرير الإقصاء. تتحول صفات مثل “الترحال” و”الاختلاف” في الخطاب السائد من مجرد خصائص ثقافية إلى “علامات دالة” على عدم الموثوقية والخطورة.

ويمكن قراءة دور المؤسسات غير المرئية في الرواية (الأسواق، النظرات، الأحكام المسبقة) كآليات تعيد يومياً إنتاج التهميش دون حاجة إلى قوانين رسمية.

2- سلطة التمثيل ومن يتحدث باسم الغجر؟:  تطرح الرواية إشكالية جوهرية في “سياسة التمثيل” – فالكثير مما نعرفه عن الغجر يأتينا عبر روايات الآخرين (المؤرخين، الإعلام، والأدب نفسه). الرواية تحاول كسر هذا الاحتكار بإعطاء الغجر صوتاً، لكنها تظل محكومة بإشكالية: هل يمكن للقلم (المنتمي لثقافة المركز) أن يمثل بدقة عالم الهامش؟

ويصبح الكاتب نفسه في موقف إشكالي – فهو ينتمي ثقافياً إلى “المركز” الذي ينتقد خطابه، بينما يحاول تمثيل “الهامش”. هذا يخلق “توتراً أخلاقياً” في النص بين النية التحررية وإمكانية إعادة إنتاج الصور النمطية.

وتتحول هوية الغجر في الرواية إلى “رأس مال رمزي سلبي” في سوق الهويات الاجتماعي. فبدلاً من أن تمنحهم تميزاً، تصير عبئاً يقلل من قيمتهم الاجتماعية. ويمكن قراءة استراتيجية زهرة في استخدام جمالها كشكل من أشكال “المقايضة المضادة” في هذا الاقتصاد المعطوب. فهي تستخدم ما تملكه (جمالها) للحصول على ما حُرمت منه (الاعتراف، القوة، المال).

كذلك مشهد فرم الكتب لا يمثل مجرد تهميش للمعرفة، بل هو استعارة عن “استعمار الذاكرة” – حيث يتم تحويل تراث المهمشين (الذي تمثله الكتب) إلى مادة خام تخدم نظاماً لا يعترف بأصالتها.

ثالثًا-المدخل البنيوي و تشريح هندسة الهامش: يأتي التدرج المنهجي  في التشريح البنيوي كخريطة طريق تحليلية تكشف عن تشابك المستويات المختلفة للنص. وهو لا يخدم فقط الكشف عن تماسك العمل الفني، بل يهيئ الأرضية أيضًا لتقييم نقدي موضوعي للإشكاليات التي تطرحها الرواية، مثل التوتر بين الوظيفة التوثيقية والمتعة التخييلية، وبين تمثيل الهوية وإعادة إنتاج صورتها النمطية.

و تمثل تقنية البنية السردية المزدوجة إحدى الركائز الفنية التي تنبهت إليها د. دينا عبد الرحمن ، حيث تخلق الرواية حواراً بين مستويين زمنيين: حكاية الأقلام التاريخية ممثلة للذاكرة الجمعية، وحكاية زهرة المعاصرة ممثلة للواقع الراهن، مما يخلق حواراً جدلياً بين جذور المشكلة واستمراريتها.

لا يقتصر البعد البنيوي في “زهرة من حي الغجر” على مجرد رصد عناصر السرد، بل يتعداه إلى كشف الآلية التي تنتج بها هذه العناصر نظاماً دلالياً متكاملاً. فالنص يُبنى على ثنائيات متوترة تشكل هيكله العظمي وتُنتج المعنى من خلال علاقات القوة الكامنة فيها: مركز/هامش، فرد/جماعة، معرفة/جهل، تَمركُز/تَهميش. 

1- جغرافيا التهميش  والمكان كفاعل سردي:  لا يقدم النص المكان كخلفية جامدة، بل ككائن فاعل في تشكيل الوعي والهوية،  ولا يمثل الحي الغجر مجرد موقع جغرافي، بل هو كيان سوسيولوجي ونفسي. فهو “فضاء منغلق” يفرض عزلة قسرية على سكانه، لكنه في الوقت ذاته يصير ملجأً هووياً يحميهم من عدوانية الخارج. هذه المفارقة المكانية (الأمان/الأسر) تعكس المأزق الوجودي للغجر، ارتباطهم بمكان هو مصدر هويتهم وسبب تهميشهم في آنٍ واحد.

وتقف المدينة كفضاء معادٍ، يمثل سلطة المجتمع السائد وآلياته الاستبعادية. هي فضاء “الحداثة المزيفة” التي ترفض من لا ينتمي إلى نمطها. العلاقة بين الحي والمدينة ليست علاقة تزامن مكاني، بل هي علاقة صراع وجودي بين نظامين قيميَّين متعارضَين.

و تمثل الطرقات والأسواق تلك “المناطق الحدودية” حيث يلتقي العالمان. هنا، على هذه الحواف، تدور محاولات الشخصيات (ولا سيما زهرة) للتفاوض على هوياتهم، معلنين عن صراع بين الرغبة في الاندماج والخوف من فقدان الانتماء.

يتحول حي الغجر من حي سكني إلى “مكان متعالي” يمثل كل هوامش العالم. هو اللا-مكان الذي يصير مركزاً رمزياً للنص.الأسوار الوهمية التي تحيط بالحي تتحول إلى “استعارة للحدود النفسية والاجتماعية” التي تفصل بين البشر، بين من ينتمي ومن لا ينتمي.

2- الزمن هو  الماضي الحاضر أبداً: ينقض الزمن في الرواية الخطية التقليدية ليعكس استمرارية التهميش من   خلال تشظي الزمن الشخصي، زمن زهرة ليس خطياً، بل هو زمن نفسي متشابك، حيث يطغى الماضي (ذاكرة الإقصاء، صدمة “مجلس المغارم”) على حاضرها ويشكل خياراتها. هذا يعكس كيف أن هوية المهمش ليست لحظة آنية، بل هي تراكم تاريخي من الإحباطات.

الزمن الجمعي الأسطوري،  يحضر الماضي لا كذكرى فردية، بل كـ “تروما جماعية موروثة” من خلال حكايات الأسلاف وأساطير الغجر. هذا يجعل الزمن دورياً إلى حد كبير، حيث تُعاد إنتاج نفس أنماط الرفض والاستبعاد عبر الأجيال.

أما مشهد “الروبابيكيا” الختامي لا يغلق الزمن، بل يفتح على “مستقبل كابوسي” تتحول فيه المعرفة إلى سلعة والذاكرة إلى نفايات. إنه زمن ما بعد الثقافة، حيث يُعاد تدوير الهامش نفسه في حلقة مفرغة.

3- سوسيولوجيا الشخصيات  والأفراد كتمثيلات للقوى الاجتماعية: تتحول الشخصيات من كيانات فردية إلى تجسيد لمواقف وصراعات اجتماعية أوسع:،   زهرة: جسد الهامش الأنثوي: ليست مجرد بطلة، بل هي “نص ثقافي” تُقرأ عليه صراعات الهوية والجندر. ترددها وانفعالاتها ليست ضعفاً في البناء، بل هي تمثيل دقيق للازدواجية التي يعيشها المهمش: الرغبة في الاعتراف والخوف من ثمنه.

وتمثل الشخصيات الثانوية  (الأهل، أعضاء الجماعة، شخصيات المدينة) “الكورس” الذي يردد أيديولوجيا المجتمع بقطبيه، المجتمع الغجري المنغلق، والمجتمع المصري المستبعد. هم ليسوا أفراداً بقدر ما هم “أدوات سردية” تمثل ضغوط النظامين على الفرد.

ويتجلى صراع المركز والهامش حتى في تقنية السرد ذاتها،  حيث الراوي العليم هو سلطة المعرفة، والهيمنة التي تمثيل  “سلطة المركز” الذي يرى كل شيء ويفسرّه. فهو يمتلك معرفة بالغجر تفوق معرفتهم بأنفسهم أحياناً.

وتبدو لحظات انزياح الراوي للاندماج مع الوعي الداخلي لزهرة في محاولة لـ “كسر أحادية الصوت”، ومنح المهمش فرصة للتعبير عن عالمه الداخلي. هذا يخلق حواراً سردياً بين صوت السلطة (الراوي العليم) وصوت المهمش (زهرة).

ويبدو التحول الجيوسياسي  من خلال انتقال الغجر من الترحال إلى الثبات في أحياء هامشية ليس مجرد تغير ديموغرافي، بل هو “استراتيجية احتواء” – حيث يتم ترسيم حدود واضحة لهم، جسدياً ورمزياً.  حيث فقدان السيادة على الحركة وهذا الثبات القسري للغجر من جماعة تملك سيادة على حركتها إلى “سكان مُدارين” – موجودين في الحسبان الجغرافي للمدينة لكنهم غير مندمجين في نسيجها الاجتماعي.

4–  لغة بين الواقعية والرمزية: اللغة في الرواية تعمل على مستويين متوازيين، الفصحى الميسرة التي تجعل النص في متناول القارئ، وكأنها محاولة من الكاتب لـ “جسر الهوة” بين قارئ المركز وقضية الهامش. ولغة الترميز حيث صنع المؤلف  الشبكة الرمزية التي تبدأ من حوار الأقلام وتنتهي بالروبابيكيا، محوِّلة النص من سرد واقعي إلى “استعارة كبرى” عن صراع المعرفة ضد آلات الطحن والنسيان.

وتتجلى  المفارقة بين الدمج والإقصاء الناعم في شخصية “باربارا” وجمعية “حق الغجر في الحياة” نموذجاً لـ “خطاب إنقاذي” قد يقع في فخ إعادة إنتاج علاقات القوة. فالحلول الجاهزة التي تقدم من الخارج قد تغير المظهر دون أن تمس بنية التمييز الأساسية.

وتظل الرواية رافضة للإقصاء  حيث  تشير إلى أن أي “حل” حقيقي يجب أن يبدأ من تفكيك خطاب التمركز حول الذات الذي ينتج التمييز أساساً. وذروة المسار التحليلي، تشير إلى  النص تحول  من سرد لواقع اجتماعي إلى خطاب استعاري مكثف عن الوجود الإنساني في مواجهة آلات التهميش. هنا تلتقي كل الخيوط، البنية تنكشف كاستعارة، والنفسي يتجلى كرمز، والاجتماعي يتحول إلى خطاب كوني. لا تكتفي الرواية بتمثيل الغجر، بل ترفعهم إلى مرتبة الرمز الجامع لكل من يقف على هامش التاريخ والمجتمع.

حوار الأقلام في الرواية ليس مجرد تقنية سردية طريفة، بل هو “استعارة متعددة الأصوات” لاستمرارية المعرفة وهشاشتها في آن. كل قلم يمثل مرحلة من مراحل تطور الوعي الإنساني وتسجيله. وتعاقب الأقلام (من المسماري إلى الذكي) يخلق “طبقات زمنية رمزية” تثري النص وتجعله حواراً بين عصور المعرفة المختلفة، وكأن الغجر وألمهم حاضرين عبر كل العصور.

وتبدو الروبابيكيا  ككابوس رمزي  يشير إلى اختفاء الذات، لقد جاءت  النهاية كاستعارة مروعة، فدلالة  مشهد فرم الكتب، يشي بأكثر من “استعارة مكثفة”  حول مصير المهمشين في عصر الرأسمالية المتوحشة، أو قوة المال في سحق المعرفة التي تحترم حق الإنسان في الحياة،  كأن  تحويل الكتب إلى عبوات كرتونية هو استعارة عن تحويل البشر إلى أدوات استهلاكية.  

التضاد بين “الكتب” (رمز المعرفة والذاكرة) و”الأحذية الجديدة” (رمز الاستهلاك والاستعمال) يخلق “صدمة جمالية” تكشف عن الزيف الحضاري للمجتمع الذي يضحي بذاكرته من أجل سلعه.

الدائرة الرمزية المغلقة: الختام يعيدنا إلى البداية لكن بشكل مقلوب – فبدلاً أن تنتصر المعرفة (التي يمثلها الأقلام) تنتهي إلى “دائرة العدمية” حيث تُعاد تدوير كل شيء، including الذات الإنسانية.

5  – جدلية الواقعي والرمزي: تخلق الرواية “بوطيقا خاصة” تجمع بين دقة الوصف الواقعي (حياة الغجر) وعمق الرمزية الكونية (صراع الذات مع الهيكل الاجتماعي)  هذا المزج يمنح النص قوة مزدوجة تتمثل في مصداقية الواقع وعمق الفلسفة.

كما أن  أنسنة الأقلام ليست مجرد تقنية من تقنيات الواقعية السحرية، بل هي انزياح جمالي يخلق مسافة نقدية بين القارئ والنص،   allowing لقراءة متعددة المستويات، حيث  لا تعمل الرموز منفصلة بل تخلق “نسيجاً رمزياً متكاملاً”: الزهرة (الجمال المهدد)، الأقلام (الذاكرة الحية)، الحي (الفضاء المغلق)، الروبابيكيا (الفناء المحتم). هذا التكامل هو ما يمنح الرواية قوتها الجمالية ويحولها من عمل عن الغجر إلى عمل عن الإنسان. وتمثل الرواية “فعل مقاومة جمالي” – فتحويل معاناة الغجر إلى استعارة فنية جميلة هو في ذاته تحدٍ لإهمالهم ونسيانهم.  والجمال هنا ليس تزييناً للواقع بل سلاح لمواجهته. الرمز ليس هروباً من الواقع بل وسيلة لفهمه على مستوى أعمق.

رابعًا: المقارنة بين زهرة كرواية عربية  بين كارمن  كرواية غربية:  لا يمكن فهم الأبعاد الكاملة لشخصية “زهرة” بمعزل عن الحوار الخفي الذي تباشره الرواية مع النماذج العالمية لتمثيل المرأة الغجرية، وفي مقدمتها شخصية “كارمن” الأسطورية التي هيمنت على المخيال الغربي منذ القرن التاسع عشر. فالرويتان  جسدا:    المرأة الغجرية المتمردة على الأعراف والقوانين،  والجمال المدمر الذي يفتن الرجال ويقودهم إلى حتفهم،  الحرية كقيمة مطلقة تفوق الحب والحياة نفسها، الجسد الأنثوي كسلاح مضاد في مواجهة مجتمع ذكوري.  ولكن كل رواية تناولت الأمور السابقة  بطريقة تعبير متفردة ومختلفة.  

 لقد قدم صلاح شعير الصورة في سياقها العربي، فزهرة ليست مجرد امرأة شريرة مستهترة كما صورت كارمن في بعض القراءات، معاناتها النفسية أعمق، ودوافعها الاجتماعية أكثر تعقيداً،  هذا بخلاف أن الرواية العربية تضيف بُعدًا “أخلاقياً واجتماعياً” يغيب عن شخصية كارمن المتمركزة حول ذاتها، أضف إلى ذلك أن رواية زهرة ناقشت  قضية الغجر حول العالم  منذ  آلاف السنسن، وهذا البعد جعل الرواية  جزءاً من حوار ثقافي أوسع حول تمثيل “الآخر” بين المحلي والعالمي.

وتفتح هذه القراءة الباب لدراسات مقارنة مع أعمال عربية أخرى تناولت قضية الأقليات، كما تدفع نحو مساءلة جادة عن أخلاقيات التمثيل في الرواية العربية المعاصرة عموماً. 

فـ “زهرة من حي الغجر” ليست مجرد رواية عن الغجر، بل هي عتبة لدخول حوار أعمق عن قدرة الأدب على تمثيل من ظلوا لقرون خارج حدود التمثيل.

الخاتمة

وتمثل القيمة الكبرى للرواية في القدرة التحويلية التي أظهرها الكاتب في اختراق الصمت، وكسر حاجز الإهمال التاريخي لجماعة ظلت طي النسيان في المتخيل العربي. وتحويل معاناة واقعية إلى استعارة فنية مكثفة عبر شبكة رموز متكاملة.

وسوف تبقى “زهرة من حي الغجر” مساهمة أدبية جريئة تستحق القراءة والدراسة، ليس لأنها قدمت تمثيلاً مثالياً للغجر، بل لأنها أثارت الأسئلة الصحيحة حول إشكالية تمثيل المهمشين. 

هي رواية تذكرنا أن الكتابة عن الآخر ليست مجرد نقل لأخباره، بل هي مسؤولية أخلاقية وجمالية معقدة – مسؤولية تتطلب وعياً دائمًا بحدود التمثيل وإمكانات الخيانة حتى مع أحسن النوايا.

عصام الدين أحمد صالح


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عصام الدين أحمد صالح

رئيس مجلس إدارة شركة العصاميون العرب، وباحث دراسات عليا في النقد الأدبي بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون في الإسكندرية. أسّس منصة هوامش للأدب، وهو عضو نشط في مختبر السرديات ومؤسسات ثقافية متعددة بالإسكندرية والقاهرة. شغل منصب المسئول الإعلامي بالجمعية المصرية لهواة طوابع البريد ونائب رئيس تحرير دورية L’ORIENT PHILATELIQUE لعدة سنوات، مثل مصر في لجنة الأدب البريدي الدولية (23-2024). نشر له عشرات دراسات النقدية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى