التفاعل الثقافي في ضوء مقولة ” الترجمة مرايا لثقافات الشعوب ”

ينبني التصور المعرفي الخاص بالمجال الثقافي الذي تتوفر فيه الشروط الجامعة بين بنيتين ثقافتين مختلفتين، على مجموعة من الأسس والمرتكزات التي تشكل أساس العوامل المابينية المساهمة في تقريب الفضاءات الجغرافية الثقافية بين الدول، وجعل التباعد الوهمي بينها خارج النطاق الجغرافي للثقافة، التي لا تسمح بموجب مبادئها الكونية، بترسيم الحدود الفاصلة بين شعبين أو أمتين، لهما من استفادة بعضهما البعض، ما سيسعيان به إلى توطيد أواصر السلام والتعايش العالمي.

وانطلاقا من التحديد المفاهيمي الذي سنحاول من خلاله الكشف عن الدور الثقافي للترجمة، فإننا سنستند بلا شك إلى المعطى الذي يشكل المدخل الأساس للموضوع في ضوء مقولة: ”الترجمة مرايا لثقافات الشعوب”، بمعنى مفصل ودقيق، أن الترجمة هي مرآة ثقافية عاكسة لصورة الآخر بوجوه متعددة، منها ما هو لغوي، يجسد اللسان الذي يختزن مضمون الوحدات الكونية على اعتبار أنها تمثيل وترميز دلالي للعالم الخارجي، ومنها ما هو فكري، يجسد الوعي الكائن والممكن، ويضم الوحدات التي تعكس في العمق طبيعة التفكير ومستوى التطور العقلي لدى الفئات والأفراد، ومنها ما هو أيديولوجي، يجسد الوعي الأكثر خطورة، ويضمر الوحدات التي لا تربطها علاقة بالمباشرة، ويستتر خلف الاتجاهات التي تفرض نفسها بنفسها، ويحتمي بواسطة الأساليب التي تزيف الوقائع بأخرى ذات منحى لا يمت إلى الحقيقة بصلة. وبالتالي، يتضح أن للترجمة مسؤوليات كبرى، فهي من جهة تشمل كل هاته التجسيدات التي تتقوى بفعل تداخل عناصرها وصعوبة تطويع الواحدة منها، وهي من جهة ثانية تحاول الجمع المئتلف، والمتسق، والمنسجم، بين كل الأنساق التي تحتفط لنفسها بعنصري الإبهام والغموض في الكثير من الأحيان، خاصة في سياق ما تشهده من تضاد على مستوى الرؤى الفكرية الإنسانية المشكلة لها على نحو نقدي مختلف ومتضارب. أما من جهتها الأخيرة، فهي مسؤولة عن النقل الثقافي المعقد من لغة المصدر إلى لغة الهدف، أي أنها تتجاوز النقل البسيط والسطحي الذي يترجم ترجمة حرفية ما تقف عنده الأصوات، والكلمات، والعبارات، والجمل، والأساليب، هذا بالإضافة إلى أنها تحاول أن تبتكر أساليب لغوية وثقافية تختلف عن مصدرها الأم، وتتناسب بطبيعة الحال مع ما يشكل المرجعية اللغوية والثقافية للغة الهدف داخل نسيجها الاجتماعي تحديدا. ولعل هذا ما يجعل الترجمة تتغلب على كل الأطاريح القائلة بخيانتها لأصل المادة، وانحرافها عن المعنى المتولدة في أتونه مجموعة من القراءات التي تقترف عن طريق الخطأ سوء الفهم والتأويل، أي الخروج عن السياق العام الذي يؤطر المادة المترجمة على المستوى اللغوي أولا، فالمستوى الثقافي ثانيا.

ومن ثم، تصبح الخيانة في الترجمة خلاقة trahison créative، إذا استطاع المترجم أن يبدع في خيانته، أي أن يبدع في ابتكاره للأساليب التي لا يمكن ترجمتها طبقا للأصل، وذلك لأنها تكون في غالبية الأحايين مرتبطة بوضعيات إبستيمية تحيل على سياقات شديدة الخصوصية والحميمية بالمنطقة التي تنتمي إليها. وعليه فإن الترجمة في هذه الحالة بالذات، يستحب أن تقوم فقط بتقريب القارئ من هذه المنطقة بود ولطف، لا الرمي به بعنف مباشر داخلها، وذلك في سياق عدم احترام مختلف الشروط والمعايير التي تصون النص من التشويه، حفاظا على نصيته، وأدبيته، وشعريته من جهة، وتأكيدا من جهة ثانية على أن الترجمة تقوم على 1” إيجاد العديل الطبيعي الأقرب إلى الأصل في اللغة المنقول إليها، من ناحية الدلالة أولا ثم من ناحية الأسلوب ”.

ويستفاد من ذلك كله، أن الترجمة هي فعل ثقافي بامتياز، وذلك لأنها تساهم في ربط الحوار الثقافي بين النصوص التي تقع بين ضفتين مختلفتين، كما أنها تساهم في إثراء زوايا النظر إلى الآخر الذي تتعد واجهاته بصيغ تستدعي الوقوف الطويل عند تشكلاتها وتجلياتها على المستوى الفردي والذاتي، أو على المستوى الجماعي العام. ومن ثم، يمكن اعتبار الترجمة بمثابة الوسيط الثقافي الذي يتدخل بواسطة اللغة بين الثقافات والجماعات، لغاية مفيدة، وهي الإفادة والاستفادة من النماذج الفكرية والإبداعية المتقدمة لدى الآخرين الأغيار، تدعيما لمبدأ الأخذ والعطاء، وترسيخا لفكرة المثاقفة التي جعلت على سبيل المثال، الكتاب العرب يتعرفون على أشكال فنية جديدة لم تتداولها الإنسانيات الأدبية السابقة، منها تحديدا، المسرحية، والقصة الحديثة، والمناهج النقدية التي أحدثت نقلة نوعية في قراءة النص الأدبي، وذلك في سياق تخليص النقد العربي من أسسه البلاغية التقليدية، ومن أحكامه الذوقية المعيارية، ومن انطباعاته الشخصية وأهوائه التعصبية.

إن الترجمة هي القناة الوحيدة التي يستطيع أن يدخل منها المقارنون من كافة اللغات الإنسانية، وذلك على اعتبار أنها الأداة العلمية، واللغوية، والثقافية، التي لا تعيقها الحدود الطبيعية التي تجعل الإنسان بغير قادر على تعلم جميع اللغات الإنسانية. فهي إذن تعويضا إنسانيا عن اللسان المفقود بين لغات العالم، وإضافة لغوية تغني الرصيد الفكري والثقافي، وفرصة ثمينة للتعرف على العالم الثقافي من خلال ما ترجم عنه بواسطة اللغة التي تعيد تشكيل عوالمه من جديد. 2” فالإنسان لا يفهم العالم ويتفكر فيه وحسب بواسطة اللغة بل إن رؤيته للعالم وطريقته في العيش ضمن هذه الرؤية محددتان مسبقا بواسطة اللغة ”. وبالتالي لا يمكن اعتبار الترجمة ترفا فكريا بحسب تعبير الناقدة الأكاديمية المغربية فاتحة الطايب، وذلك لأنها علم مستقل بذاته، وبموضوعاته، وبنظرياته، التي بلغت أوجها بفعل التطور الهائل في حقل الأبحاث والدراسات النقدية من جهة، وفي حقل الأعمال الميدانية التطبيقية التي اشتغلت على ترجمة النصوص الأدبية، والعلمية، والقانونية، والدينية من جهة ثانية، وفي حقل الدرس الجامعي المقارن للترجمة بصفتها مكونا تربويا، وتعليميا، وتثقيفيا من جهة أخرى. ونتيجة لذلك كله، حظيت الترجمة باهتمام علمي كبير، وتظافرت على يدها الجهود الجماعية المبذولة من طرف الباحثين والدارسين من مختلف الجهات والجنسيات، وخصص لها قدر وافر من المنح على شكل جوائز تشجيعية وتحفيزية للأدوار المتعددة الفعالة التي تقوم بها بجدية ومسؤولية، وذلك طبعا في إطار الاعتراف بقيمة المترجم، والرفع من شأنه، والدفع به إلى أن يصبح اسما بارزا بدل الحط من مكانته وتبخيس خدمته في ضوء ما عبر عنه بغضب ظاهر المترجم والمنظر الفرنسي الشهير دومينيك أوري Dominique Aury في تقديم كتاب ( المسائل النظرية في الترجمة لجورج مونان Georges Mounin ) قائلا: 3” نحن المترجمين مشاة جيش الكتاب، نحن البديل المتعاوض la doublure interchangeable، المكد شبه المجهول في مملكة النشر، فخلا بعض استثناءات جديرة بالتقدير في فرنسا وانجلترا، إذا كان غلاف الكتاب يحمل اسم المؤلف واسم الناشر، فيجب التفتيش عن اسم المترجم الحقير في صفحة العنوان الداخلية بل في الصفحة التي بإزائها، في أعلاها أو في أسفلها، وبأصغر حروف الطباعة، وبأشد ما يكون الخبء والستر”.

استنادا إلى الرأي الذي عبر عنه دومينيك أوري، يتضح أن ميدان الترجمة يعيش حالة توتر دائم، وذلك لأن مراتب التصنيف داخل هذا الميدان بالذات، تشهد نوعا من التمييز والإقصاء الذي يجعل من الترجمة مادة مثيرة للجدل، ليس فقط على مستوى الحقيقة المرتبطة بالنص الأصلي، وإنما أيضا على مستوى العمل الفردي الذي لا ينأى عن التعالي الفكري، لا سيما في ظل تضارب المصالح وغياب مبدأ الاعتراف بمهنية المترجم الذي يكد جاهدا دون ما اهتمام وتقدير بما يقدمه من إسهامات تحقق التطور الحضاري العالمي المنشود.4” وإذا كان ينبغي لهذه اللغة أن تكون عالمية فلأن هذا الشكل الحضاري يميل اليوم لأن يكون حضاريا ”. وهو تأكيد مباشر على أن الأمم تتطور من خلال ما يميزها على المستوى الداخلي أولا، أي على المستوى الذي يضمن خصوصية المكون الحضاري، تلافيا لكل اختراق خارجي معولم قد يعتريه بفعل سوء تدبير التنوع الثقافي، محليا ووطنيا، فرديا وجماعيا، مدنيا ومؤسساتيا.

لقد تميزت الترجمة بطبيعة الرؤية التي تشكلت عناصرها وفق سمات الإيجاد، والخلق، والتوايد، وقد اصطلح عليها حسب توصيف المنظرين بالرؤية للعالم، وذلك في سياق إبرازهم لأهمية المعطى المترجم في تنويع الرؤى المتحكمة في الخلفيات الضاغطة على فهم واستيعاب كل مجتمع إنساني للعالم، كما أن القصد من وراء هذه الرؤية هي تجميد المنطلقات الأحادية التي تعكس قصور الوعي في تلقي الإنتاجات العابرة للحدود، لا سيما في ظل تنامي الإكراهات الثقافية التي تجعل من التواصل الثقافي شبه منعدم بسبب المقولات العدائية التي تتصدر المشهد السوسيوثقافي بين دولتين لا تستجيب إحداهما أو كلاهما لخطابات التفاهم الثقافي. وفي ضوء تلك الرؤية الملمع إليها، نجد على سبيل التمثيل لا الحصر، ثلاثة كتاب أصاغوا مفهومها من خلال تنظيرهم العلمي لمادتي الترجمة والأدب، وهم: جورج مونان Georges Mounin ، لوسيان غولدمان Lucien Goldmann ، رومان جاكبسون  Roman Jakobson. الأول بصفته أول من قعد لهذا المفهوم، فقد اعتبر أن تطابق الرؤية وتشابهها ناتج عن تطابق البنية اللغوية والفكرية لدى الأفراد، أي الاكتفاء بالنسق اللغوي العام والاستناد إلى المرجعية الثقافية نفسها على مستويي الشرح والتفسير، الفهم والتأويل ( أحادية اللغة = أحادية الفكر = سوء الفهم، والنقد، والتأويل). أما الثاني باعتباره مؤسس البنيوية التوليدية أو التكوينية، فقد وظف هذا المفهوم في سياق اشتغاله على التحليل الاجتماعي للأدب، وقد اعتبر أن الأدب يعكس رؤية حقيقية لكل مجتمع، ذلك أن العلاقة بين حياة المجتمع والخلق الأدبي، تتصل بالأبنية العقلية التي هي أساس الحياة الإنسانية بكل تجلياتها الذاتية والجماعية، المادية والمعنوية، الفكرية والإبداعية. ومن ثم، فإن عملية التحليل الاجتماعي للأدب، تتجسد في ضوء 5” الشكل الفني الذي تتبلور بنيته من خلال التحليل الذي يساعد المتلقي على تكوين رؤية خاصة به للعالم والمجتمع والحياة ”.

أما الثالث بصفته أحد رواد المدرسة الشكلانية الروسية، وأحد أهم المساهمين في تأسيس حلقة براغ اللغوية، فقد أكد على أن الوقائع والظواهر الاجتماعية والثقافية، تختلف تأويلاتها من منطلق تنوعية المرجعيتين اللغوية والثقافية المفسرة والمؤولة لها في الحين ذاته، ما يعني دلاليا، أن التأويل المرتبط بثنائية الرؤية للعالم، هو تأويل قابل لأن يكون مرجعا هاما في قراءة الوقائع والظواهر التي ترد في سياقات تختلف من حيث المصدر والمنشأ، وتتباين من حيث طبيعة الأثر الذي تخلفه في ضوء تقديم كل رؤية ثقافية للعالم. وبالنظر إلى أهمية الجانب التواصلي الذي تستنهض الترجمة أفقه، فإن الغاية ينبغي أن لا تقتصر على الجانب اللغوي فحسب، وذلك نظرا لتوفر العناصر الأخرى الأكثر تأثيرا من غيرها، خاصة تلك المرتبطة بالجانب الأدبي والثقافي للترجمة. وهذا يعني أن الجانب اللغوي وحده لا يكفي ”لأن نقول الشيء نفسه تقريبا” حسب تعبير أمبرتو إيكوUmberto Eco، وذلك نظرا لوفرة تجارب لا لسانية Non – linguistique، لا وجود لمماثل حقيقي لها في لغة الهدف، وذلك لأنها ترتبط بسياقات تاريخية، أو ثقافية، أو دينية، تحتفظ لنفسها بخصوصية الفضاء الهوياتي الخاص بكل تجمع بشري على حدة.

وإذا كانت اللسانيات الحديثة في أواسط القرن العشرين تحديدا، قد حاولت احتكار المجال بالاعتماد فقط على المظهر اللغوي والمنهج الوصفي في معالجة مواد الترجمة، فإنها أخفقت بالمقابل في إيجاد الروابط اللغوية الشبيهة بتلك التي اصطلح عليها من داخل المجال بتجارب لا لغوية، وهو ما أدى بالضرورة مع مرور الزمن إلى تجاوز التوصيف اللغوي المباشر، خاصة مع تطور ميدان الدراسات الأدبية المقارنة، التي أعادت للترجمة بريقها الأدبي من خلال التركيز على أدبية النص المترجم من جهة، ومن خلال استعادة الانسجام الثقافي بين النصوص من جهة ثانية، ومن خلال تجميع كل المكونات التي تتفاعل بنياتها لتحقق وحدة المكون الأدبي والثقافي للنص المترجم ترجمة أدبية وثقافية بالدرجة الأولى من جهة أخرى.

بناء على ما سبق، نخلص إلى أن الترجمة تظل ممكنة بفضل استيعابها للأنساق الثقافية التي تلج بها إلى فضاءات التفاعل الثقافي بين اللغات، وهي تتميز على مستوى الفعل الثقافي، بقدرتها على استنطاق ما لا يفهم، وذلك من خلال تطويعها للغة لتصبح أداة الكشف عن مناطق الفكر والعلم، ولتصبح أيضا أداة التواصل الثقافي بين الأمم التي تحترم نفسها ثقافيا، أي بين الأمم التي تشكل الثقافة بالنسبة إليها مصدر قوة وتمكن على المستوى الداخلي الخاص، ومصدر تلاقح وانفتاح على المستوى الخارجي العام. وأما عن المترجم، فهو المثقف المتعدد الرؤى والاختصاصات، هو العالم الذي يتقن كل ما له صلة بأنواع المعرفة، هو التنويري الذي يساهم في إضاءة العقول، وتنويرها، ومحو الأمية عنها. إنه بتعبير ألكسندر بوشكين فارس التنوير.
____________   

لائحة المراجع :

1- Eugene NIDA, «Principles of Translation as Exemplified by Bible Trans-Lating » ( voir sub Brower ), P. 19.

2 –  Ernst Cassirer, « Etude Sur la Pathologie de la Conscience Symbolique », dans journal de psychologie, 1929, P. 29.

3- دومينيك أوريDominique Aury ، عن كتاب المسائل النظرية في الترجمة لجورج مونان، ترجمة لطيف زيتوني، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، 1994، ص 43.

4 – André Martinet, « la linguistique et les Langues Artificielles », word, 1946, P P. 41-42.

5- نبيل راغب، موسوعة النظريات الأدبية، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط1، 2003، ص 323.

_________
*لبنى المستور من المغرب: باحثة بسلك الدكتوراه بكلية الآداب والفنون-القنيطرة، الإعلام والتواصل الحديث ،وفاعلة في المجالين الفني والثقافي.

وسوم:

اترك رد

جديدنا