مفهوم: التربية والبيداغوجية الديداكتيك

*مقدمة:

إنَّ التربية مرَّت بعدد من المراحل، وقطعت عددًا من الأشواط إلى أن استقرَّت بموضوعها، وتميَّزت بمناهجها، واختصَّت بجهازها  المفاهيمي، واستوت بلغتها المصطلحية.

ومن أهم هذه المراحل التي قطعتها التربية في تاريخها الطويل، ومرَّت منها  محطَّاتها، المرحلة المعاصرة بحيث ستحتضنها العلوم الإنسانية، إذ ستنخرط  التربية، وتتداخل مع مهن التربية والتعليم والتدريس، وكان ذلك بفضل التحوُّل المعرفي الكبير، والنقلة المنهجية التي طرأت في المسار المعرفي للعلوم الإنسانية والاجتماعية.

فالمتغيرات الجديدة التي عرفها قطاع التربية والتعليم، كانت  بفضل  مجموعة من  التحوّلات التي  شهدها العالم اليوم، وهي التحوُّلات التي وقعت في المعارف، وفي العلوم والقيم، و هو ما  ساهم في التحوُّل الذي طرأ على  الدالة المفهومية لمصطلح   التربية.

ـ   المسارالتاريخي لعلوم  التربية:

لقد مرَّت التربية بعدد من المراحل، وقطعت مجموعة من الأشواط إلى أن استقرت علما مخصوصا بذاته، مستقلا بموضوعه ومتميزا بمناهجه،ومختصا، بمفاهيمه وبلغته   المصطلحية….[1].

وأكبر منعطف عرفته علوم  التربية، كان هو تقاربها وتداخلها وتواصلها  مع  العلوم بصفة عامة، والعلوم الإنسانية  بفروعها المختلفة بصفة خاصة، وهذا يعود أن المعرفة العلمية الدقيقة والمفصلة  بمعطيات الواقع، وبجميع مكوناته ودعائمه وأسسه، وتداعياته،هي الكفيلة بفهم هذا الواقع في تحولاته البنيوية المركبة له، بقسميها الداخلي والخارجي، وهذا الفهم من شأنه أن يعمل على تجلية متطلبات، وحاجيات المجتمع المادية والروحية، وتقديم الحلول لمعظم الإكراهات والصعوبات التي تمر منها العملية التعليمية و التربوية في جميع أبعادها ومستوياتها .

المنزع الفلسفي في التربية

من الصعب أن نجد تعريفا واحدا وجامعا  للتربية، تشترك وتتقاسمنه جميع المذاهب التربوية، وهذا يعود إلى  اختلاف المذاهب  في نظرتها إلى التربية، وتعدد مدارسها واتجاهاتها وامتدادها التاريخي [2].

إضافة إلى هذا الإشكال،هناك إشكال أخر، وهو الامتداد التاريخي الطويل والبعيد الذي مرت منه التربية، بحيث ظلت التربية لأمد بعيد  تحت وصاية الفلسفة، بحيث لم تخل كتابات الفلاسفة القدماء والمسلمين من آراء وتأملات وخواطر وأفكار، تتصل  مباشرة بمجال التربية وبقطاع التعليم  رغم ان نظرتهم يغلب عليها البعد الفلسفي.

فحضور التربية بجانب الممارسة الفلسفية حضرت بين  فلاسفة اليونان، ومنهم   الفلاسفة الرواد الذين اختزلوا التربية في القيم العليا التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، ويصل إليها  من اجل الكمال، وإرضاء الآلهة، فأفلاطون الفيلسوف اليوناني  على سبيل المثال كان يقول ويردد: صناعة الإنسان والرجل  تطلب خمسين عاما.[3]

لكن  أكبر نقلة للتربية كان مع العلوم الإنسانية والاجتماعية،إذ ظل  البحث  المتصل بالتربية والتعليم   لأمد طويل متداخلا ومتفاعلا  مع  كثير من العلوم، وبالأخص ما تعلق  بالعلوم الإنسانية و الاجتماعية والنفسية، وعلوم البيولوجيا وعلم اللسانيات ،فهذه العلوم احتضنت وحملت كثيرا من البحوث والدراسات والنظريات، التي تنتمي إلى الممارسات  التربوية والتعليمية.

التربية الجديدة:

 من العادة التي ترسخت بين المشتغلين بالتربية وتاريخها، وبتحولاتها، هو أن يؤرخوا للنقلة والطفرة التي حدثت في التربية، في انتقالها من العهد الكلاسيكي إلى العهد الجديد بكتاب  ج ج روسو “إميل أو حول التربية “Emile ou sur l’éducation” الذي شكل نقلة نوعية في الممارسات التربوية،بحيث انتقلت هذه الممارسة من الخطاب النظري  الفلسفي إلى الخطاب العلمي التطبيقي، أي التوجه نحو خدمة  المتعلم ببيان وعرض  الكيفية والطريقة التي بها تتم عملية المتعلم  .

فالتربية في الحقبة الكلاسيكية انصب اهتمامها وتوجهت عنايتها إلى ما له صلة ومهمة بتكوين النبلاء والخاصة و الأمراء ورجال الدين والعلماء والقضاة والأطباء بصفة عامة،لكن في عصر الأنوار عمل علماء  التربية على نقد الطابع النخبوي للتربية بالتوجه نحو تعميم التربية على  جميع فئات المجتمع، وتوسيع من فضاءات التعليم والتدريس، حتى  تستفيد  بها جميع فئات المجتمع بدون استثناء،وهذا من اكبر الطفرات التي تحققت للتربية في العهد الفلسفي..[4].

إن عصر الأنوار الذي مرت منه ارووبا،وهو يحتل مكانا خاصا في التاريخ البشري برمته، إذ اهتم مفكروه بقطاع التربية وبالتعليم ودور هذا القطاع في بناء الإنسان الجديد،منطلقهم في هذا الاختيار والتوجه،أن إصلاح العالم وتغييره من مقدماته ومداخله  تغيير الذهنيات  والعقليات والمؤسسات عن طريق التربية والتعليم.[5]

وبفضل التربية وأثرها  في تكوين وبناء الإنسان، وفي تغيير الأفكار والقيم، ستنتقل التربية من عهد يسمى العهد الكلاسيكي إلى عهد أخر، وهو العهد المسمى بالعهد الجديد في التربية.

لكن وجهة و اختيار  التربية الجديدة هومراهنتها  من  أن تكون  بحوثها متجهة نحو مقاربة القضايا العملية الإجرائية على حساب الاشتغال على ما هو نظري فلسفي،  وكان هذا بفضل  التطور الحاصل في   العلوم في انتقالها  وعبورها من مجال نظري صرف يغلب علية النظر والتأمل  إلى مجال تطبيقي إجرائي يعمل على خدمة  الإنسان في حياته العامة والخاصة   [6].

فالتربية الجديدة في أهدافها الكبرى، دعت بإلحاح  إلى توجيه البحوث التربوية،نحو الوجهة التطبيقية العملية  الإجرائية،التي تخدم المتعلم والعملية التعليمية بجميع عناصرها.

التربية: تعريفها في اللغة والاصطلاح

إن التربية في اللغة العربية من فهل ربا يربو بمعنى نما ينمي أي الزيادة، فهي من مصدر رَبَّى بمعنى النمو والزيادة، أي الزيادة والنماء،ورب الولد ربا،وليه وتعهده بما يغديه وينميه ويؤدبه.[7]

 وهو المعنى الذي نجده مستعملا في القرءان الكريم،قال سبحانه”فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج”الحج أية  147“، يعني أي نمت وزادت.

 و تربية الإنسان،تعني تطوير وتنمية قواه النفسية والجسدية والعقلية والخلقية،والرفع من قدراته ومهاراته في الحياة….

كما تعني التربية إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام والكمال، وفي اللغة الفرنسية فالتربية مشتقة من كلمة  éducation  واصلها اللاتيني éducare التي تدل على القيادة  والهيمنة والسلطة،والإخراج والتحول من حال إلى أخر، كما تعني العلم المعين على إخراج الطفل من حالته الأولية التي كان عليها في البيت والأسرة،ومساعدته على انتقال إلى أخر  يتيسر له تحصيل الفضائل والقيم من المحيط القريب منه ـحتى يتيسر له الاندماج الفعلي معه..[8].

تعاريف للتربية

من التعاريف الجديدة للتربية تعريف الدكتور أحمد فؤاد الأهواني في أطروحته الجامعية حول التربية في الإسلام،حيث قدم توصيفا للتربية حدد فيها أن  التربية الإسلامية منذ ظهور   الإسلام  ظل معناها يدور بين تأديب النفس، وتصفية الروح، وتثقيف العقل، وتقوية الجسم، فهي تعنى بالتربية الدينية، والخلقية والعلمية، والجسمية، ودون تضحية بأي نوع منها على حساب الآخر”.   [9]

اما  الدكتورأحمد اوزي  فقد عرف التربية بأنها ” هي مجموع القيم،والمفاهيم المعرفية والتطبيقية التي تعمل على تنمية الفرد والمجتمع في جميع مجالاته وقطاعاته”[10].

أما الدكتور عبد المجيد النجار، فقد قيد التربية  بهذا الوصف الدال  “على أن التربية   هي  التنشئة  المستمرة ،والدائمة على  الخصال والقيم  المحمودة  والنبيلة  .”.[11].

وبصيغة عامة  ومختصرة، فالتربية من خلال هذه التعاريف،هي  تلك القيم والأفعال والسلوكات التي يحدثها الراشدون أو الكبار في الصغار، بشكل منتظم وبسياق مستمر،و   في بعض الأحيان ترادف التربية  التنشئة والرعاية  والمصاحبة.

مصطلح  البيداغوجية

ويشير مصطلح  البيداغوجية إلى الفن والطرق والوسائل المتبعة في مهنة التدريس، وتعتمد البيداغوجية اعتمادًا كبيرًا على علم النفس التربوي، وعلى بحوثه ذات المنحى التعليمي الإجرائي، وخاصة نتائج بحوث مدارس   المدرسة السلوكية والمعرفية   والبنائية، وتشير البيداغوجيا وتعتمد على   نظريات التعلم وممارسة التعليم.

وحسب  عالم الاجتماع اميل دركايم، فان البيداغوجيا هي النظرية التطبيقية للتربية،تركز على العلاقة الجامعة بين الأطراف المكونة للعملية التعليمية بجميع عناصرها[12].
و البيداغوجية  بصفة عامة هي مجموعة من القواعد والنظريات التي تتخذ موضوعها التربية وفلسفتها وبمهن التعليم،ومشاكل التعليم  بفلسفتها وغاياتها البعيدة والقريبة،فهي  تشتغل على التربية في جهة التدريس.

الديداكتيك

علم الديداكتيك  هو مفهوم جديد،يعني تعليمية  المواد الدراسية-  التعليميةالتدريسية -الذي يعني تعليمية المواد المدرسة، ويتعلق هذا المصطلح بمنهجية التدريس وبطرائق و تعليم المواد التعليمية بجميع أنواعها أطرافها و أقطابها[13]، مع الأخذ بهذا الاعتبار البعد  المنهجي التعليمي المحدد في ضرورة مراعاة البعد النفسي والعقلي، والنمائي،و استحضار المجال الاجتماعي،والقيمي والثقافي لشخصية المتعلم مع مراعاة  معطيات ومركبات   العملية التعليمية في سياقها، وتنبتي  الديداكتيك على النسق البيداغوجي الذي يركب المرجعيات السيكلوجية والاجتماعية للعملية التعليمية.  

وبصفة عامة ان الديداتكنيك تعني الطريقة التعليمية المتبعة للتدريس والتي يستخدمها ويختارها المعلم لتعليم لتدريس متعلميه،باستخدام الوسائل المساعدة والمعينة على التعليم.

لكن الوجهة التي أخذت حصة الاهتمام والعناية أكثر من غيرها من الجهات في علم التربية في العهد الجديد،هي جهة تشخيص الفوارق بين المتعلمين،و اختلاف التعلم ودرجة التحصيل بين المتعلمين،بإبراز الفوارق الفردية بين المتعلمين، واختلافهم من حيث المدة و الغلاف الزمني الذي يستغرقونه  ويقضونه في التعلم والتحصيل والتكوين.[14]


[1] -ما هي علوم التربية تأليف جماعي سلسلة التكوين التربوي-العدد:-1- السنة 2000.ص :22

[2] – إضاءات في أصول التربية لمحمد قاسم علي قحوان إصدار  دار غيداء السنة :2016:ص 33.

 

[3] -الفكر التربوي  الغربي عبر النصوص لمجموعة من المؤلفين تحت إشراف الدكتور محمد الدريج إصدار مجلة علوم التربية السنة :1990 ص: 201

[4] -Histoire de leducation:-RgalM78.-ed:

[5] -.63. p, 1999, Seuil Du. éd, futur du éducation’l à nécessaires savoirs sept Les, Morin

[6] – بنية الثورات العلمية لتوماس كوهن ترجمة علي نعمة:دار الحداثة بيروت الطبعة-1ط-1-السنة1986.ص: 12

[7] – المعجم الوسيط، إعداد الدكتور إبراهيم أنيس و جماعة – دار الحديث للطبع و النشر و التوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية، بدون سنة الطبع :ص:123.

[8] -dictionnaire actuel de ledu cation  legendre:56

[9] التربية في الإسلام” : الدكتور أحمد فؤاد الأهواني / 9-ط: 2 القاهرة – دار المعرف- 1968 ص: 35

[10]، المعجم الموسوعي الجديد لعلوم التربية للدكتور احمد  اوزي ، إصدار مجلة علوم التربية السنة : 2016، ص:135

[11] — التربية الفكرية من منظور إسلامي للدكتور عبد المجيد النجار: مجلة الفكر الإسلامي المعاصر العدد:99السنة:2020.ص: 16.

[12]من البيداغوجيا إلى الديداكتيك لرشيد بناني مطبوعات الحوار الجامعي السنة : 1991ص: 91

[13]-ما هي الديداكتيك لمحمد الدريج مجلة التدريس ص:46 العدد-7-السنة :1984

[14]-التربية-اليبداغوجيا- الديداكتيك-محاضرة للمفتش محمد ملوك بدار الشباب ابن سينا وجدة 10-10-2019.وهذه المحاضرة موجودة على صيغة:PDF في صفحة الأستاذ محمد  ملوك على الفايس بوك.
________
*الدكتور محمد بنعمر.

وسوم:

التعليقات:

  1. جزاك الله خيرا وبارك فيك من أحسن الأساتذة التي أدرس عندهم أستاذ بكل ماتحمل الكلمة من معنى محبوب من الجميع أتمنى لك التوفيق والسداد والنجاح الدائم في مسيرتك

Comments are closed.

جديدنا