خطوات عملية نحو المذاهب الإسلامية

منذ عقود عملت الكثير من المراكز والمؤسسات والشخصيات الدينية على إيجاد أرضية خصبة لتحقيق نوع من الحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية ومحاولة سد الشرخ الحاصل بينها، خصوصا في ظل الصراعات المذهبية التي يتم إذكاؤها من عدة أطراف وجهات لتحقيق مكاسب مشبوهة، فعملت تلك المؤسسات على دعوة علماء من مختلف المذاهب الإسلامية  إلى المؤتمرات والملتقيات وبحث مختلف المواضيع ومناقشتها مناقشة علمية وفقا للنصوص التشريعية والمراجع الإسلامية.

إن تعدد المذاهب الإسلامية رحمة للمسلمين وإثراء للفقه الإسلامي، وهي تتناسب مع الطبيعة البشرية التي تميل إلى التنوع والتعدد، ومن المؤكد أن هذا التنوع كله يصب لمصلحة الإسلام والمسلمين، ومن الخطأ حرفه عن أهدافه المحقة، ومحاولة جعله سلاحا ذا حدين لاستخدامه لأهداف غير نبيلة، لأن هذه المذاهب كلها تنطلق من وحي الشريعة الإسلامية الغراء ومن عقيدة واحدة تؤمن بالله الواحد الأحد وبخاتم الأنبياء، وبفريضة الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج بيت الله الحرام، وهذه هي مقومات الدين الإسلامي الحنيف التي تشترك فيها المذاهب الإسلامية جميعا.

لقد رأينا في السنوات الأخيرة كيف تم استخدام ورقة الطوائف في الدول التي تتنوع لديها المذاهب، وتم تحريكها من دول لزعزعة الأمن والاستقرار فيها والنظر إلى كل مذهب بعين التكفير، بل أصبح هناك استهداف لأماكن العبادة ووصل الأمر إلى تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الآمنين بحجة تكفير أتباع هذا المذهب أو ذاك، وهذا مازاد الأمر خطورة ودفع بالمراجع الإسلامية إلى ضرورة عقد مؤتمرات طارئة لوضع حد لهذه المخاطر، فكانت اللقاءات بين أتباع المذاهب الإسلامية تعقد في عواصم عربية وإسلامية لمحاولة التقريب بين المذاهب والتأكيد على أن المذاهب كلها تصب في بوتقة الإسلام وغير مسموح التعرض لأي من أتباع أي مذهب أو تكفيره.

لا شك أن مثل تلك المؤتمرات التي كانت تسعى إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية لها دورها ومزاياها في مرحلة معينة وقد استنفذت ولانقلل أبدا من أهميتها، لكننا اليوم في مرحلة جديدة يجب أن ننتقل فيها من مسألة التقريب بين المذاهب والحوار إلى خطوات عملية جادة ومثمرة تؤتي أكلها على أرض الواقع، ونراها متجسدة في حياتنا وفي مجتمعاتنا وفي واقعنا، وإن  “ملتقى المرجعيات العراقية” مع “رابطة العالم الإسلامي” خير مثال على ذلك فلم يكن اللقاء بينها مجرد لقاء جمع  عددا من علماء الدين فحسب، بل كان هناك عمل جاد حرص فيه معالي أمين عام رابطة العالم الإسلامي فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى على رعاية السلم الأهلي والديني في العراق، وحمايته من الصراعات الطائفية المسلحة بين السنة والشيعة، كما أن الشيخ العيسى أكد على أهمية استيعاب الخصوصية المذهبية لكل مذهب في دائرة دينهم، مشدداعلى أن الطائفية ليست من هدي الإسلام في شيء، لأنها تقود إلى الوقوع في متاهات التكفير والصدام والصراع.

لذلك نحن ندعو إلى تكثيف العمل المشترك وتفعيل دور رابطة إسلامية عملية واحدة تعمل على تكريس كل المخرجات، والسهر على تنفيذ كل المقررات التي تتعلق بحماية المذاهب الإسلامية واحترام خصوصية كل مذهب وضمان عدم المساس بأماكن العبادة الخاص بكل واحدة منها، وعدم التعرض لمقدساتها على مستوى كل المؤسسات الاجتماعية وهياكل الدولة حتى يكون نمط حياة يتربى عليه أجيال وأجيال، ونكون بذلك وضعنا حدا لأزمة الصراع الدموي الذي فتك بهذه الأمة منذ عصور بسبب اختلافات مذهبية شكلت تهديدا ومصدر ضعف للمسلمين، ونحن بذلك نكون قد أغلقنا الأبواب أمام المتصيدين وأصبح هذا التنوع مصدر قوة وفسيفساء فكرية تثري الحضارة الإسلامية.

——————

*أمين عام المجلس الإسلامي العربي

وسوم:

اترك رد

جديدنا