تخطيط التعلُّمات

تقديم

يكتسي تخطيط التعلّمات أهميَّة خاصَّة في العمليَّة التعليميَّة، فالتخطيط بجميع أنواعه وأقسامه وفروعه هو إجراء توقعي لأنشطة تخص الممارسات الصفيَّة ،فعمل المدرس لا يبدأ بالدخول إلى الفصل الدراسي كما يعتقد  أو يظن، بل تسبقه إجراءات  قبليَّة وأخرى  استباقيَّة  تشمل جميع العناصر والمكونات التي تتركَّب منها العمليَّة التعليميَّة التعلميَّة التي تشتغل بشكل نسقي ومنتظم، ما يعني أن الدرس المزمع إنجازه  وتقديمه للمتعلِّم يأخذ بعدًا نسقيًّا، فهو عبارة عن  حلقة جامعة ومركَّبة من مجموعة  من العناصر والمراحل  المتداخلة  بعضها مع بعض،إضافة أن  بتخطيط التعلّمات يتمكَّن الأستاذ والمتدخِّل في بناء التعلُّمات من تطوير أدائه المهني، وكل ما  كانت عمليَّة التخطيط عمليَّة محكمة ومنسَّقة  ومرتَّبة ومنظّمة تستعين بالمرجعيات البياداغوجيَّة والديداكتيكيَّة فإنها  تغيب فيها الارتجاليَّة والعفويَّة، وتكون هذه العمليَّة  محقّقة وموصلة لأهدافها بشكل أكثر، وأ يسر.

المقال هذا محاولة للتعريف بمحطة تخطيط التعلمات في العمليَّة التعليميَّة.

مقدّمة في تحديد  المفهوم التربوي للتخطيط

لا تستقيم علوم التربية ولا تغدو مفاهيمها ومصطلحاتها  المتداولة واضحة لدى المتلقِّي لها، بدون وضوح وبيان لأهم المفاهيم المستعملة و المتداولة فيها،لأنَّ من أهم المداخل  الأساسيَّة والأوليَّة الموصلة إلى العلم “معرفة اصطلاحات أهله“.

وفي هذا السياق نقول إن التحقق من المفهوم التربوي من حيث التداول والاستعمال والاستخدام من شأنه أن يخلق أكبر مساحة واسعة من الفهم المشترك ومن التلقي الجامع بين الباحثين والمتدخلين في الشأن التربوي والتعليمي بصفة عامة.

وعلى هذا الاعتبار فإنَّ البحث في  موضوع تخطيط التعلُّمات يستلزم أولا التحقُّق من مفهوم  التخطيط  من حيث الدلالة اللغويَّة والمصطلحيَّة، ومن حيث التداول  والاستعمال في المعجم التربوي والتعليمي المخصَّص لأهم المفاهيم المستعملة في علوم التربية.

والتحقُّق من هذا المفهوم  التربوي  بصفة عامَّة  يعين ويساعد على  تحديد الأرضيَّة العلميَّة المشتركة والجامعة بين الباحثين والمتدخّلين في أي علم من العلوم، أو في أي تخصُّص من التخصّصات لا سيما ما كان من قبيل التخصُّصات التي تنتمي إلى علوم التربية أو التي لها علاقة بمهن التعليم والتدريس،عملا بهذا المبدأ المنهجي  المتعارف عليه وهو “أن لكل علم لغته ومفاهيمه الخاصَّة به”.

وتزداد الأهميَّة والعناية العلميَّة للمفاهيم والمصطلحات التي لها انتماء مباشر، وصلة بقطاع التربية وبمهن التعليم والتدريس،نظرا لارتباطها المنهجي والعلمي بمجزوءات التكوين وتأهيل المدرسين، وهو ما يقتضي مزيد من  العناية  والاهتمام بتحقيق المفاهيم والمصطلحات  التربويَّة بصفة عامَّة،ومصطلح التخطيط بصفة خاصَّة.

بهذا الاعتبار المنهجي والعلمي المشار إليه سنخصص فصلا خاصا للإطار المفاهيمي لمصطلح التخطيط من حيث الدلالة اللغويَّة والمصطلحيَّة بإبراز حقيقة التخطيط في التداول التربوي والبيداغوجي،وعرض لأنواع وأقسام التخطيط تبعًا للفترات الزمنيَّة التي تقطعها  وتغطيها عمليَّة التخطيط وفق الهندسة الجديدة التي جاء بها المنهاج الجديد للتعليم الابتدائي،مع تقديم وعرض لأهم  أهم الأهداف عمليَّة التخطيط، كل هذا من أجل الرفع من الأداء التربوي والمهني لفائدة الأساتذة  المتدرّبين للتعليم الابتدائي.

التخطيــط لغـــــة:

 التخطيط في اللغة من مصدر الخطَّة، ويقدِّم ابن منظور في (لسان العرب) مجموعة من التعاريف اللغويَّة لكلمة  التخطيط المشتقَّة من فعل  خط وخطط الذي يحيل على مجموعة من الدوال المعجميَّة، كالخط الذي هو عبارة عن الطريقة المستطيلة في الشيء، والجمع خطوط. والخط: الطريق. والخط: الكتابة ونحوها مما يخط. والخط: ضرب من الكهانة. وخط الشيء يخطه خطا: كتبه بقلم أو غيره. والتخطيط: التسطير.

والتخطيط يرادف الكلمة الأجنبيَّة : Planification ، وهي تدل على التصميم والتخطيط، وهي مشتقَّة من كلمة Planifier التي تعني بدورها خطط وصمم.

-التخطيـــط اصطــلاحا:

التخطيط هو عبارة عن مجموعة من الطرائق والتصاميم والمناهج والأساليب والعمليات التي يلتجئ إليها المخطط  أو المعد للدروس سواء تعلق الأمر بالأنشطة الصفيَّة وبأنشطة محطة  التقويميَّة والدعم من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف والغايات على المستوى البعيد والمتوسّط والقريب.

وعادة ما يوصف التخطيط بأنه مجموعة من الإجراءات القبليَّة التي تكون قبل إنجاز وإعداد  الدروس أو تصميم الأنشطة التقويميَّة وأنشطة المعالجة والدعم.

وبعبارة أكثر اختصارا وإيجازا،فإن التخطيط هو تصميم وإجراء  قبلي استباقي لإعداد حصة تدريسيَّة أو تصميم  مقطع تعليمي تعلمي،أو لنشاط صفي قد يتعلق بمحطة التقويم والدعم والأنشطة.

واختارت بعض المعاجم التربويَّة أن تحدد مفهوم التخطيط:

  • التخطيط هو مجموعة من التدابير المحدّدة التي تتَّخذ من أجل تحقيق هدف معيّن.
  • هو أسلوب أو منهج يهدف إلى حصر الإمـكانات المـاديَّة والمـوارد البشريَّة المتوفـِّرة ودراستها وتحـديد إجـراءات الاستفادة منها لتحقيق أهداف مرجوَّة خلال فترة زمنيَّة محدَّدة.

ومن خلال هذه الدلالات الاشتقاقيَّة يتبين أن التخطيط هو عبارة عن خطة مرسومة ومحدّدة بدقَّة وطريقة مسطرة لإعداد التعلّمات وأنشطة التقويم والدعم.
والتخطيط في سياقه البيداغوجي يرتبط بشكل خاص بالمسار التي تقطعه العمليَّة التعليميَّة في أطرافها الأساسيَّة   لإيصال  التعلُّمات  والمعارف  والموارد إلى المتعلم.

وهذا الارتباط بين مكونات العمليَّة التعليميَّة يفيد أن التخطيط لصيق بشكل دقيق  بمسار عمليَّة التدريس في شموليَّة   مكوناتها وعناصرها  التي ترجع  إلى المنهاج الدراسي الذي يتركَّب من: التخطيط والتنفيذ والتقويم.

والسند في هذا أن العمليَّة التعليميَّة هي عمليَّة نسقيَّة مركبة من مجموعة من العناصر، بحيث لا يمكن أن تحقق هذه العمليَّة  أهدافها القريبة أو البعيدة، أو أن تصل إلى غاياتها الكبرى إلا إذا كانت  مجتمعة ومتَّسقة.

ومهما تباينت التعاريف للتخطيط فهو في النهاية  مجموعة من الإجراءات والعمليات المحدّدة التي عادة ما تتَّخذ من أجل تحقيق والوصول إلى هدف معين.

ملحوظة في أنشطة التخطيط

– التخطيط يكون في محطَّة  بناء التعلُّمات و إرساء الموارد وتقديم المعارف إلى المتعلِّمين .

— التخطيط يشمل  حتى محطّة   تقديم الأنشطة التقويميَّة إلى المتعلّمين سواء أكان هذا التقويم  تشخيصيا أو بنائيا  أو تكوينيا أو إجماليا .

– التخطيط يشمل أيضا محطة  تقديم الدعم  والمعالجة للتلاميذ  المتعثرين أو الذين يحتاجون إلى الدعم،أو حتى لأولئك الذين  يجدون صعوبات في متابعة ومسايرة التعلمات  الأساس،لان الدعم هو تثبيت للمكتسبات أو تدخل لعلاج  الصعوبات التي تعترض المتعلِّم في مسايرته للتعلُّمات الأساس .

– التخطيط يشمل  محطّة  الأنشطة الصفيَّة الداعمة:-مشروع القسم –مشروع الوحدة-مشروع المتعلمـ أنشطة الحياة المدرسيَّة.

-أهداف التخطيط:

-يجعل عمليَّة التدريس ذات معنى.

-يساعد على تعيين الهدف من  بناء التعلمات.

-يحدِّد ويوضح الكفايات المنشودة والأهداف التعلميَّة المرتبطة بها.

-يضمن الاستخدام الأمثل للموارد والاستراتيجيات.

-يجنِّب اتخاذ القرارات الاعتباطيَّة والعشوائيَّة.

-يؤمِّن الزمن المدرسي للمتعلم.

-يساعد على ضبط الوقت و يعين على الاقتصاد في الجهد تبعًا للغلاف الزمني المقرَّر لكل مادة  دراسيَّة.

-يوفِّر الأمن النفسي للأستاذ والمتعلّمين والمتعلّمات على حدٍّ سواء.

-يسهل من عمليَّة  التقويم وإعداد أنشطة الدعم والمعالجة.

-يعين على وضع تصور عام  يراعى  فيه حاجيات المتعلم وخصوصيات الوسط التي تجرى فيه التعلّمات.

-يضبط المراحل التي تقطعها العمليَّة التعليميَّة.

-يعين على التوزيع الأمثل للمواد الدراسيَّة والأنشطة  التعليميَّة و الصفيَّة على امتداد السنة الدراسيَّة  من خلال الانتقال من التخطيط اليومي إلى المرحلي  وانتهاء بالتخطيط السنوي.

وقد أجمل الدكتور أحمد اوزي هذه الأهداف بقوله  “إنَّ التخطيط  يعمل على  عقلنة العمليَّة التعليميَّة وتنظيم مكوناتها،وذلك بالعمل من التقليل من مخاطر التبذير والهدر للموارد، وتأمين الزمن المدرسي  للمتعلِّم  بتلبيَّة  حاجياته في التعلُّم.

-أنواع التخطيط

 ينقسم التخطيط  إلى ثلاثة أقسام :السنوي، المرحلي، اليومي.

يمكن تصنيف تخطيط التعلّمات حسب المدى الزمني التي تأخذه  إلى :
تخطيط طويل المدى ويتجلَّى في التخطيط السنوي للتعلّمات، وهو تخطيط للكفايات والأهداف والمحتويات المبرمجة في إطار وحدات تعليميَّة على مدى سنة دراسيَّة.
تخطيط متوسط المدى: وهو تخطيط يغطي فترة زمنيَّة مرحليَّة، مثل  تخطيط وحدة  تعليميَّة في مرحلة تعليميَّة من المراحل الستة التي تغطي السنة الدراسيَّة.
تخطيط قصير المدى : وهو تخطيط يغطي فترة زمنيَّة جد قصيرة كالتخطيط اليومي أو الأسبوعي لدرس من الدروس أو مقطع من مقاطع الدرس مثل المرحلة التمهيديَّة، أو المرحلة البنائيَّة لمجموعة من الحصص. وفي جميع هذه المراحل التي يقطعها التخطيط لا بد من مراعاة والأخذ بمبدأ التدرج  التنازلي في الانتقال من التخطيط السنوي إلى التخطيط المرحلي مع الانتهاء بالتخطيط اليومي.

خلاصة:

إنَّ التخطيط بجميع أنواعه وأقسامه وفروعه هو إجراء توقعي، فعمل المدرس لا يبدأ بالدخول إلى الفصل الدراسي كما يعتقد  أو يظن، بل تسبقه إجراءات  قبليَّة و استباقيَّة تشمل جميع العناصر والمراحل التي تتركب منها العمليَّة التعليميَّة التعلميَّة، ما يعني أن الدرس المزمع انجازه  و تقديمه للمتعلِّم يأخذ بعدًا نسقيًّا، فهو حلقة مركبة من مجموعة  من العناصر والمراحل  المتداخلة  بعضها مع بعض، إذ بتخطيط التعلُّمات يتمكَّن الأستاذ والمتدخِّل المبتدئ من تطوير أدائه المهني، وكل ما  كانت عمليَّة التخطيط عمليَّة محكمة ومنسَّقة ومرتَّبة ومنظَّمة،تكون هذه العمليَّة  محقّقة لأهدافها في إيصال التعلُّمات إلى المتعلِّم بشكلٍ أيسر وأسهل.

___________
*الدكتور محمد بنعمر.

وسوم:

اترك رد

جديدنا