بين محمد العربي وزرادشت النيتشوي؛ أفول الأصنام

 ذكرى المولد النبوي الشريف تكتسب قيمة دينيَّة/روحيَّة، لدى المسلمين، لكنها تكتسب، كذلك، قيمة حضاريَّة لا تضاهى. فهذا اليوم يذكِّرنا بقيمة المنجز الحضاري العربي الإسلامي، الذي لا يمكن أن يقاس بالعتاد المادِّي البسيط الذي ساهم في تحقيقه كمشروعٍ حضاري بأبعادٍ كونيَّة. 

يمكن أن ننطلق من مشهدٍ بسيط لكي نفهم قيمة الإنجاز الحضاري!

قبائل منتشرة في بيئة صحراويَّة جدباء، تحيط بها إمبراطوريتان من أقوى ما أنجزه التاريخ في حينه (الروم، الفرس).

في مرحلةٍ أولى، تنجح هذه القبائل في المحافظة على خصوصيّتها الثقافيَّة والاجتماعيَّة، واستقلالها السياسي، وفي مرحلة لاحقة تتمكَّن هذه القبائل من بسط سيطرتها على كل الامتداد الإمبراطوري الروماني – الفارسي، مشكِّلة نمطًا إمبراطوريًّا جديدًا بطابع عربي إسلامي. هذا التحوُّل -الانقلاب التاريخي- لا يمكن تصوّره من خارج حدث الميلاد، ميلاد النبي وميلاد الدعوة الإسلاميَّة.

ما أثار الفيلسوف نيتشه في منطق الإسلام، هو نزعته البيولوجيَّة/الغريزيَّة المفرطة في تأسيس قيمه الأخلاقيَّة، إلى درجة ترتقي بها إلى مستوى الأخلاق العمليَّة. فعلى خلاف المثاليَّة المسيحيَّة التي أسَّست لأخلاق العبيد، أسَّس الإسلام لأخلاق السادة انطلاقًا من نزعة بيولوجيَّة تتعامل مع الإنسان كنموذج واقعي تتحكم فيه الغرائز الطبيعيَّة، و لذلك كانت منظومة الأخلاق الإسلاميَّة استجابة لحاجات بيولوجيَّة أكثر من كونها استجابة لتأمّلٍ فلسفي مجرَّد.


هذا ما خلص إليه الباحث البريطاني “روي جاكسون” في كتابه الثوري “نيتشه و الإسلام” Roy Jackson, Nietzsche and Islam وهو يقارن بين “زرادشت” النيتشوي و “محمد” العربي، فكلاهما أحدث انقلابًا تاريخيًّا انطلق من مجال القيم، كلاهما سعى إلى تحطيم الأصنام القابعة في اللاشعور الجمعي من أجل تحرير الطاقة الإنسانيَّة الكامنة. 

لا يمكن، إذن، استيعاب هذا الانقلاب التاريخي إلا من خلال مُدخلاته input ا لقيميَّة التي أنتجت مُخرجات  outputماديَّة. فـ “إرادة القوة” la volonté  de puissance بلغة نيتشه، قبل أن تتجسَّد، اقتصاديًّا و سياسيًّا و عسكريًّا، كانت قيمة رسَّخها الدين الجديد عبر إعادة تشكيل الشخصيَّة العربيَّة من منظور جديد. 

لا يمكن وسم الإنسان العربي الجديد، الذي أعاد الدين الإسلامي تشكيله، إلا بوسم “الإنسان الأسمى” the superman /le surhomme  بلغة نيتشه، هذا النموذج الإنساني الجديد الذي دخل في سيرورة تطوّر قيمي، نجح من خلالها في كنس انحطاطه والخروج إلى الوجود موجودًا جديدًا مضمّخًا بقيم السادة ومجرَّدًا من قيم العبيد، بلغة نيتشه دائمًا، إنسان يمتلك تحمّل الجمال وعزم وجرأة الأسود وبراءة الأطفال، يقول نيتشه.

من خلال استقرائه لأعمال نيتشه وجد “روي جاكسون” بأنَّ “نيتشه” أشار إلى الإسلام أكثر من مائة/ 100 إشارة ! و كان كلما ضاق بقيم العبوديَّة المسيحيَّة عاد ليتشرَّب من قيم السيادة الإسلاميَّة. 

هل كان “زرادشت” النيتشوي كناية عن محمد العربي؟! هذا ما أثاره روي جاكسون وأثاره قبله محمد إقبال  !

************

عيد مولد نبوي مبارك سعيد على كل الأمة الإسلاميَّة وصلَّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، و لنا في عبر التاريخ دروس، يجب استلهامها لتحقيق فعل النهوض الحضاري العربي الإسلامي.
* د.إدريس جنداري-  باحث.

جديدنا