أحمد بن موسى شحمة يحذِّر من خطر “الإقليميَّة ” التي تسعى إلى تغريب المناهج التربويَّة

قال الإمام والداعية الإسلامي، إنَّ التطرف المتهم به المسلمون سببه المباشر والأخير الأنظمة وقمعها للفكرة الإسلاميَّة، حتى أصبحت دون رأس مفكر وها هو العقل البشري يرزخ في جمود فلا اجتهاد، فلو ترك للمسلمون مجالهم الحيوي في الإسلام حضارته ومخرجاته لأنتجوا مشاريع مجتمعيَّة، ودعا الشيخ أحمد بن موسى شحمة العاملين في الحقل الدعوي إلى النزول إلى الشارع لتوعية الشباب المسلم وإصلاحه، موضحًا أنَّ الإسلام  يقوى بقوة أتباعه ويضعف بضعفهم، كان لنا لقاء مع هذا الداعية، فإذا بنا نجالس هرمًا دينا وفكرا وثقافة وتواضعا، ورغم أنه من هؤلاء القلَّة الذين يتميزون، فكانت حياتهم كفاحا متواصلا، إلا أنه يكاد أن يكون شبه منسيا في بلد همش فيه العظماء،التقينا به في هذا الحوار فتحدَّث إلينا بلغة اتَّسمت  بالصراحة والجرأة في تشخيص الداء الذي تعاني منه الأمَّة الإسلاميَّة.

س: يلاحظ أن الإسلام الحالي ليس هو الإسلام الذي جاءت به المدرسة المحمديَّة، فانتشار الجرائم وسط المجتمع المسلم مثلا يعد مساسًا بالشريعة الإسلاميَّة؟ في رأيكم أين الخلل؟ وما هو دور النخبة الإسلاميَّة في معالجة أوضاع المجتمع أخلاقيًّا؟

المجتمع بعد الحروب الصليبيَّة وانتهائها، خاض لويس الرابع في سجنه حملة في مصر، وضع خطته تتكون من 20 بندًا خلص فيها أن صراع الغرب مع الحضارة الإسلاميَّة بالقوة قد انتهى، الواجب الآن وضع خطة جديدة تكون آلة تنخر المجتمع الإسلامي من داخله، دراسة الشريعة صورا وفروعا  بجميع فروعها والتنقيب على مواطن الخلل في الفهوم أو النقول أو الإسقاطات منها والعمل على تجزئة المجتمع الإسلامي أي الدعوة إلى “الإقليميَّة”، والإقليميَّة هي دعوة استشراقيَّة، أبرز خططها  تغريب المناهج التربويَّة، بدأ هذا العمل بإنشاء الجامعة الأمريكيَّة في بيروت والقاهرة وجامعة القديس يوسف بلبنان، والدعوة إلى الإقليميَّة تعني جعل كل مجتمع وكل بلد أن لا يكون امتداده أفقيًّا بل عموديًّا، وهنا وجب أن نفرِّق بين الانتماء والمواطنة، فماسنسون يعد أكبر الداعين إلى الإقليميَّة في مصر عن طريق تلميذه المباشر أمين الخولي، كانت له دعوة إلى منهج الإقليميَّة في دراسات الأدب وتأثر به بعض الباحثين المسلمين كتبوا عن الأدب المصري والأدب الليبي والأدب الجزائري ومثال ذلك محاضرات في الأدب المغربي للشيخ عبد الله كنّون وهذا الكتاب في هذا المنهج تبعا لغيره وهو مأخوذ من محمود ابن تاويت الطنجي في كتابه صفحات من الأدب المغربي في المغرب الأقصى ليؤكِّد وحدة المسلمين العرب في أدبهم وفكرهم وعقيدتهم.

س: تنوع الخطاب الديني لدى الخطباء والمفكرين الإسلاميين أدى إلى اختلاف الموازين وأثر على ذهنيَّة الشباب ماذا تقولون في ذاك؟

الخطاب الديني الذي ظهر بعد أحداث 11 سبتمبر2001 كان وفق خطة وضعتها الولايات المتحدة الأمريكيَّة لتغيير مناهج التعليم في جميع المجالات وعلى جميع المستويات وخصوصا الدراسات الإسلامويَّة تولىّ دراستها كبار المتشرقين، ومنها الخطط التي وضعت  في مركز “لاند” للدراسات الإستراتيجيَّة  وأشهر خطة وضعتها المؤسسة هي خطة 2007  التي أشرفت عليها زوجة الجنرال زلماي خليل زاده، حيث قسموا أتباع الحركة الإسلاميَّة إلى أربعة أقسام: الجهاديون، المسلمون العلمانيون، المسلمون المحافظون التقليديون (الصوفيَّة)  والمسلمون الحداثيون وهذا بغية الغربلة التاريخانيَّة والتغريب، وأحسن مثال،  رسائل الدكتوراه التي أنجزها أدونيس، طيب تيزيني، حسن حنفي وعبد الرحمان بدوي وعبد الله العروي وغيرهم.

 بالنسبة للخطاب الديني  نشير هنا إلى النموذج الذي وضحت مبدأه ومنتهاه  الدكتورة نوال السعداوي في حوار مع قناة البي بي سي (حصة بلا قيود)  عرّفت تحديد الخطاب الديني الغرض منه هو تغيير النصوص الدينيَّة (القرآن)، أما أنا فأحسن نموذج عملي لتجديد الخطاب الديني وفق أحوال الناس وبلدانهم وأوطانهم ومنهج جماعة الدعوة والتبليغ في نشر الإسلام على مستوى 192 دولة، هذه الجماعة لها أسلوب خاص في مخاطبة الناس وعرض الإسلام بما يتماشى مع بني الإنسانيَّة، والدليل نتائج جهودها في العالم ومؤتمراتها في الهند وباكستان وبنغلادش، كان يحضرها أزيد من 50 مليون من المهتمّين بالشأن الإسلامي.

س: بحكم اختصاصكم في الدعوة والإعلام ما هي الحلول الممكنة لمحاربة الآفات الاجتماعيَّة وكيف يمكن إعادة الشباب المسلم إلى السكَّة الصحيحة؟

أول ما يجب على الداعية العالم المربي استغلال موقعه في المسجد لتبصير الناس بشؤون دينهم وحتى ليتمكن من تأدية هذا الواجب عليه أن يكون أولا مُلِمًّا قدرالإمكان بالشريعة، ومُلِمًّا كذلك بالتاريخ الإسلامي وتاريخ الأمم ( التاريخ العام) وخصوصا المذاهب الفكريَّة، كما عليه النزول إلى الشارع  (المقاهي) لتبليغ دعوته والتعامل مع الناس وقضاء مصالحهم وإكرامهم ( البخيل يجب مهما كان، سواء كان داعية،عالما أو مفكرا أن يبتعد عن الدعوة إلى الله، لأن الله يقول وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) والبخيل هو وبال على الدعوة إلى الله، الأمر الأخير تعلم اللغات الأجنبيَّة وخصوصا الإنجليزيَّة ثم الفرنسيَّة، وواجب عليه كذلك أن يكون ملمًّا بالتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي لأنها أصبحت أكبر وسيلة للدعوة إلى الله وأن يلتزموا الخطاب المعتدل الذي يحفز ولا ينفّر.

س: كثيرا ما نقرأ عن الإيديولوجيا الإسلاميَّة، هل هذه الإيديولوجيا لها علاقة بالمرجعيَّة الدينيَّة وكيف  نوحِّد هذه المرجعيَّة؟

الإيديولوجيا هي فكرة إنسانيَّة لما يريد إنزالها إلى الواقع والإسلام ليس فكرة والأفكار تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة وأحوال النّاس وتكون عرضة للتغيرات السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة، أما الإسلام فهو عقيدة مُنَزَّلَةٌ من عند الله لها ثوابت ومتغيرات، والثوابت لا تقبل التغيير، أما المتغيرات فهي تتاقلم مع واقع المسلمين.

إذن فالإجهاد هنا مطلوب؟

الاجتهاد في هذا العصر له مفهومان: اجتهاد تدعو إليه الحداثة وهو إعادة قراءة النصوص الدينيَّة  دون الرجوع إلى القواعد والضوابط الذي أسسها الأئمة واضعوا مناهج الإستنباط من القرآن والسنة وهذه القواعد مستمدة من اللغة والمباحث العقليَّة، والاجتهاد المتاح اليوم حسب تصوري هو الاجتهاد المتعلِّق بالمسائل المستجدّة وهي النوازل.

س:  هناك ثغرات لم تلق اهتمام المختصين في الشريعة الإسلاميَّة خاصة ما تعلق بالأحوال الشخصيَّة هل حقق الدستور الجزائري مقاصد الشريعة الإسلاميَّة؟

الدستور والشريعة الإسلاميَّة العلاقة بينهما ممثّلة في وزارة الشؤون الدينيَّة والأوقاف.

س:  ما هو رهان الإسلام في العالم العربي الإسلامي  في ظل الصراع الأصولي الحداثي ؟

رهان الإسلام قائم على حاملي لواء الدعوة إلى الله، هل فهموا دورهم وهل استطاعوا أن يضعوا خططا مُحَكَّمَةً لبعث مجتمع عربي / جزائري ذاتيته الإسلام ومجاله العالم الإسلامي، في رأيي أن المسلمون ما زالوا في مؤخرة الركب في فهم ما يجب عليهم القيام به، ومشكلتهم هي القابليَّة للاستغفال والقابليَّة للإستعمار، قديما ألقى الدكتور محسن عبد الحميد العراقي محاضرة في الرباط عنوانها: إلى متى سنظل مغفلين؟، وأؤكد على أن الواجب على المبلغين لرسالة الإسلام  أن يخرجوا أنفسهم أولا ومجتمعهم ثانيا من هذا العفن الذي يعيشون فيه.

س: ماهي قراءتكم لظاهرة التطرُّف التي تنخر جسم الأمّة الإسلاميَّة حتى على المستوى الفكري؟

التطرُّف أحد أسباب الانهيار الحضاري وهو يعني الاستبداد بالحكم دون الرعيَّة وإهمال مبدأ الشورى والتطرف المتهم به المسلمون سببه المباشر والأخير الأنظمة وقمعها للفكرة الإسلاميَّة، حتى أصبحت دون رأس مُفَكٍّرٍ وها هو العقل البشري يرزخ في جمود مخيف فلا اجتهاد ولا تجديد،  فلو ترك للمسلمون مجالهم الحيوي في الإسلام حضارته ومخرجاته لأنتجوا مشاريع مجتمعيَّة، فالدعوة الإسلاميَّة جهد حضاري شامل يهدف أساسًا إلى توعية الناس بقيم الإسلام السمحة ومن ثمّ إحداث التغيير النفسي والإجتماعي بتربية أفراد المجتمع للالتزام برسالة الإسلام كاملة عقيدة وشريعة وسلوكًا باتباع منهج الحوار وباستخدام كافة الوسائل المشروعة، وتجنب آفة التسييس، والمجتمع الإسلامي مدعوٌّ لأن يتحاور، فنجاح الاتصال والمحاورة  متوقّف على الثقافة والمجتمعات مدعوة هي الأخرى لأن تتحاور من أجل التوصل إلى حدّ أدنى من الوفاق يؤسس قاعدة مشتركة هي الفكر، وبدون هذه القاعدة لا يمكن للأمة أن تستكمل وجودها، ولذا على العاملين في الحقل الدعوي أن ينزلوا إلى الشارع كما أسلفنا ويسلحوا الشباب المسلم بالعلم ويعملون على تكوين نخبٍ  تؤمن بضرورة الدفاع عن ثوابتها، ويجب أن تكون حركتهم الدعويَّة حركة تكامليَّة لأن إصلاح الأمّة  وبعث فيها روح الدين والوطنيَّة لا يتم دون تهيئة نفسيَّة وعقليَّة، طبعا، المعركة طويلة المدى والأمر يحتاج إلى جهدٍ متواصل.

س: والجزائر تحيي اليوم الوطني للإمام كيف تقيمون واقع الإمام في الجزائر خاصَّة في الجانب المتعلِّق بالحصانة؟

 حصانة الإمام مطلب فئوي به يستطيع الإمام تأدية رسالته على الوجه الصحيح، وهذه الحصانة فرضت نفسها بعد حملة من الإعتداءات التي كانت المساجد مسرحا لها وأوذي فيها الأئمة كثيرا، فمشكلة الخطاب الديني  في الجزائر قائمة على انعدام الرقابة القبليَّة والبعديَّة، فالندوات والأيام المدرسيَّة والملتقيات عبارة عن زاد ثقافي وعلمي يحتاج إلى آليات فيها من الصرامة والقوّة ما يجعلها تنتج تكوينا منضبطا يُحدد المسار الدعوي لمشروع المجتمع الذي تريد السلطة بعثه  انطلاقا من مبادئ وقواعد ومقاصد الإسلام، كما أن التفلت والتسيب من قبل القائمين على الإرشاد من أئمة وموجهين يتبنون أفكارًا وثقافات لا تتم بصلة إلى المرجعيَّة الدينيَّة والبناء المجتمعي للشعب الجزائري المنحدر منذ أربعة عشر قرنا.

س: كيف تقيمون الحالة الجزائريَّة الراهنة في ظل التغيرات الإجتماعيَّة التي أدَّت إلى الإضطراب في المرجعيات؟

 الحالة الوطنيَّة التي نعيشها اليوم هي تراكمات لسياسات عرجاء وعوجاء، بدأت منذ الاستقلال بل منذ تأسيس الجمهوريَّة الجزائريَّة المؤقتة ونحن الآن نجني ثمار هذه السلوكيات التي نسميها تجاوزا تسييرا وتوجيها لمجتمع عاش أكثر من 132 سنة تحت الاحتلال الغربي الصليبي ممثلا في فرنسا وعندما أراد رواد الحركة الجهاديَّة في سنة 1954  بعث المجتمع الجزائري على أسس ذاتيته المتمثة في الإسلام شريعة ونظاما فقوبل هذا المشروع بالتحريف والتزييف من قبل فرنسا عن طريق مشروع قسنطينة في 1957 وقانون الإطار الذي أّسس الإدارة الجزائريَّة التي  تحرس مصالح فرنسا منذ الاستقلال إلى اليوم.

رسالتكم إلى الشباب المسلم

 أقول لشباب الأمة ولشباب الجزائر أقبلوا على الله، فالله رحيم بعباده، فالإسلام هو خلاصهم من هذا التيه وهذه الغُمّة التي يعيشون فيها، وعليه أن يتحرر من عبوديَّة الطغاة والله تعالى يقول: ” ومن أعرض عن ذكري فله معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى” .

و نحن بدورنا نقول في هذا الداعية ما قاله الشاعر مفدي زكريا:

يا كريما يطيب فيه النظام.. التحيات أيها الإمامُ

التحيات يا باعث الرجّة الكبرى… تهاوى حيالها الأصنامُ

و الذي أنقذ العروبة… لما نصبت للعروبة الألغامُ

بطاقة تعريف بالشيخ بن موسى شحمة

الشيخ أحمد بن موسى شحمة إمام وداعية خريج جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميَّة بقسنطينة شرق الجزائر بشهادة ليسانس دعوة وإعلام  الدفعة الأولى سنة 1988، خريج جامعة باتنة ( 1 ) بدرجة ماستر علوم إسلاميَّة، ثم دعوة وإعلام سنة 2021، شغل منصب أستاذ بالمدرسة الوطنيَّة لتكوين الأئمة دار الإمام بالعاصمة، وإمام أستاذ رئيسي، بلإضافة إلى أنه أستاذ سابق بجامعة الشلف قسم اللغة العربيَّة وقسم اللغة الإنجليزيَّة في الفترة بين 2003 و2006، عرف بمواقفه الجريئة ولا يزال ينشط إلى الآن في مجال الدعوة، يقول الشيخ بن موسى شحمة، أراد الله لنا أن نمشي في هذه الطريق وسنستمر فيها إلى آخر نفس مهما كانت التبعات.

____________

*حاورته علجيَّة عيش.

وسوم:

اترك رد

جديدنا