العدالة الاجتماعية رسالة الأنبياء

على مر التاريخ الإنساني، عانت البشرية من الکثير من الأمور والقضايا السلبية من ظلم وطغيان وجبروت واضطهاد بمختلف الأنواع ولمختلف الأسباب، لکن ثمة قضية بالغة في السلبية، لكونها کانت توفر الأجواء والأسباب لبروز وظهور أمور سلبية أخرى کنتيجة أو کتداع لها، وهذه القضية هي قضية الفساد والتي کانت على مر التاريخ الإنساني واحدة من أکثر القضايا السلبية المٶثرة في الأمم والشعوب، بل إن إنهيار الإمبراطوريات والخلافات، وحتى تفتتها کان نتيجة الفساد المستشري فيها، وعدم معالجته والتصدي له بصورة حازمة وقاطعة.

لم يکن بعث الأنبياء إلى الأمم المختلفة في العالم بمعزل ومنأى عن قضية الفساد، إذ لکل نبي ورسول قصة في مواجهة الفساد والقضاء عليه، لأنه لا يمکن أبداً الدعوة للخير والعدل والصلاح في أجواء يخيم ويهيمن عليها الفساد، ذلك أن الفساد بطبيعته الظلامية ولأنه يتم ويجري بعيدا عن العيون ويجري إخفاء الحقائق بسبب منها ومصادرة العدل والحقوق، لا يسمح أبدا بدعوة خير وفلاح لکونها تتقاطع وتتناقض معه جملة وتفصيلا.

فيوسف “ع”، انبرى من أجل التصدي ضد المجموعة الفاسدة المهيمنة على الهيکل وطهّر المعبد من دنسهم وحقق العدالة الاجتماعية، أما موسى “ع” فقد وقف في وجه ظلم فرعون واضطهاده وظلمه لبني إسرائيل، فحقق العدالة الاجتماعية وقضى على الظلم. ومن جانبه، فإن المسيح “ع”، جاء برسالته من أجل تحرير الإنسان من کل عوامل الاستلاب والظلم والفساد، وتمکن في نهاية المطاف من تحقيق رسالته النيرة القائمة على العدالة الاجتماعية ووضع حد لمظاهر الظلم. ونبينا الأکرم محمد “ص”، قام بوجه الجاهلية التي طغى ظلمها وفسادها وطبقيتها وتمييزها العنصري على الحياة وجعلها بمثابة جحيم للمظلومين الذين کانوا الأغلبية، وقام بسنّ أرکان وقواعد العدالة الاجتماعية بأوضح وأصدق صورها ولا سيما عندما أعلن بوضوح: “لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى”، وأن “الناس سواسية کأسنان المشط”، بل إنه ذهب أبعد من ذلك عندما قال: “وايم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، فإنه ومن خلال هذا الکلام فقد أعلن حربا لا هوادة فيها على الفساد.

محاربة الفساد بالاصلاح والمساءلة سبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية

لو عشعش الفساد في أي بلد ولم يتم مکافحته ومواجهته کما يجب فإنه سيصيب ذلك البلد بمصائب وبلايا لا حد ولا حصر لها، وإن الحديث عن الإصلاح وتحسين الأوضاع وإنهاء المظالم في بلد مثل لبنان، مجرد کلام فارغ لا يمکن إطلاقا تجسيده على أرض الواقع، وإن الأوضاع في البلدان التي يستشري فيها الفساد تقود بالنتيجة إلى الأسوأ وإلى نتيجة مشابهة للتي حدثت في سريلانکا.

فلبنان يقف اليوم أمام منعطف استثنائي ولا يمکنه أبداً تجاوز وتخطي محنته العويصة هذه من دون التصدي الحازم للفساد الذي لم يعد خافياً على أحد، وإن النقطة الجوهرية التي يجب على الجميع الانتباه إليها أن الجميع معنيون بذلك، حتى أولئك المنغمسون في الفساد لأن المساءلة ستأتي حتما وأن الذين يتصورون بأنهم سيکونون خارج الصورة ويمکنهم النأي بأنفسهم عن الکارثة التي تحدّق بلبنان وشعبه، سيجدون أنفسهم في الموقف عينه والوضع الذي وجد فيه الکثيرون من الذين أساءوا إلى شعوبهم انغمسوا في الفساد.

___________

* السيد محمد علي الحسيني / أمين عام المجلس الاسلامي العربي.

وسوم:

اترك رد

جديدنا