خطاب الكراهية وأيديولوجيا التربية

مقدمة:

من نعم الله على الإنسان أن خلقه محباً للحياة مقبلاً عليها، وجعله خليفة له في هذه الأرض ليعمرها بما يرضى، وأنزل له الرسالات لتكون له معيناً على فهم الحياة الدنيا والآخرة لكن، رغم ذلك إلا أن العوامل المجتمعية وأصول التربوية قد تجعل من هذا ألإنسان كائناً عدوانياً يفضل الموت على الحياة، وينظر لها نظرة عدائية، بل أنها رجس من عمل الشيطان، وأنه لا يليق بها إلا الترك، وينظر إلى من ظهر عليه شيء من متع الدنيا ونعيمها نظرة الدون واتهمه في دينه أو طريقة حياته أو شرفه ووطنيته، ولو كان من العلماء والقادة أو المؤثرين، ويوجه له بشكل مباشر أو غير مباشر كل عبارات القذف والتقليل من الشأن إلى الحد الذي يصل إلى التحريض عليه،  وعلى قطع العلاقات معه وإقصاءه رغم القناعة بكفاءته. 

الأمر الذي يدخلنا دائرة الحيرة دون عودة، وأن مثل هذا الإنسان الذي تربى في مؤسسات تربوية ومحاضن ثقافية لطالما ناهضت العنف والتمييز والكره والعنصرية ودعت للوسطية والعدالة، لكنهم أصبحوا كارهين للآخر، وللدنيا بأسرها، ضحية لتجريف أيديولوجي. وقد شهدت الساحة الفلسطينية خلال السنوات السابقة تزايدا ملحوظا في استخدام خطاب الكراهية بالتزامن مع الاضطرابات السياسية الإقليمية بشكل عام، كالقضية السورية والحرب في اليمن، وما تمر به الساحة الفلسطينية من اضطرابات داخلية بشكل خاص، كالذي يحدث في مدينة القدس والحديث عن صفقة القرن، والأسوأ هو حالة الانقسام الفلسطيني.

ما الكراهية وخطابها؟

الكراهية أم العنصرية، العنصرية التي هي ظاهرة في كل المجتمعات التي تنحدر عناصرها من أصول وثقافات ولغات مختلفة، ناجمة عن انزعاج من خلل وتناقض كامن في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولعل هذه الكراهية لا تأخذ المعنى اللغوي بتضاد الحب بقدر ما تأخذ المدلول الاصطلاحي بالتضاد مع اللاعنف، وبالتالي تأخذ صوراً عدة، وينسلخ عنها مجموعة من المصطلحات، وينتج عنها جملة من الاعتبارات، فمن صورها: ضعف التكافل الإنساني والوطني، وتنامي النزاعات الانفصالية، وغياب العدالة الاجتماعية والمساواة، والحرمان من الحقوق السياسية والاجتماعية وعدم إشباع الحاجات الأساسية لقطاعات مهمشة، ومن المصطلحات التي تنسلخ عنها: الإقصاء والعنصرية والعداء غير المبرر والتطرف، ومن الاعتبارات الناجمة عنها: العنف واللاسلام ، والظلم ، وقضم الإنسانية دون وجه حق.

والكراهية في حد ذاتها ناتجة عن خطاب استعلائي تعصبي، يحتكر الصواب المطلق والدين والوطنية، ويتغذى بأوهام الغزو الفكري، خطاب تعبوي متشنج، لا يتسامح مع الاختلاف في الرأي أو النوع أو اللغة أو الدين، ذو نزعة اتهامية، يمجد الانتصارات الوهمية والرموز والأبطال الورقية، ويسكت عن المجازر التاريخية الدامية بحق الأبرياء، يضخم السلبيات، بهدف شحن الجماهير ضد العمل الوطني، والمؤسسي مركزاً على مفردات تخدم مشروع العزلة والعنصرية مثل: الهيمنة، الكيل بمكيالين، المادية، الإباحية متجاهلاً كل خطوة نحو التقدم أو تعديل المسار.

وعليه، فهو خطاب يثير الجانب الغرائزي ويهمش الانتماء الإنساني لصالح القبلية والحزبية والطائفية والمذهبية الضيقة، مما ينتج مجازراً راح ضحيتها الآلاف من البشر والهدر من الثروات والطاقات الهائلة، ولعل ما حدث مع تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا خير دليل كنموذجاً شرقياً، وما حدث في مجزرة المسجد في نيوزيلاندا يوم الجمعة15/3/2019م الذي راح ضحيتها (50) مسلماً يؤدون الصلاة كنموذجاً غربياً.

إن خطاب الكراهية هو كل قول مقروء كتابةً، أو مسموع لفظًا يُثير تحريضًا أو فتنةً أو عنفًا أو ازدراءً أو عصبيةً أو تمييزًا بين الأفراد أو الجماعات، وإن خطورة مثل هذا الخطاب تكمن في إرباكه للأمن الفكري والأمن الاجتماعي، المؤثِّرَيْنِ جميعًا في النسيج المعرفي والتجانس الاجتماعي؛ إذ عليهما مُعَوَّل المجتمعات في أصل الاستقرار، وبهما تُدرأ الفوضى في ثنايا وسائل التواصل بين أفرادها ومجموعها.

ولَمَّا كان خطاب الكراهة شارِدًا عن محور الوسط والوسطية عُرف بأن سبب إذكائه إما غلو حانق، وإما انحراف ساقط؛ ليصبح الخطاب الوسطي ضحية كِلَا طرفَيْ خطابِ الكراهية؛ فالمغالي يراه خطابًا منحرفًا؛ لأنه دونه في الغلظة وضيق العطن، والمنحرف المجافي يراه خطابا متشددًا؛ لأنه لا ينزل إلى بذاءته وانفلاته، وكلا الخطابينِ -عباد الله- تَلْفِظُهما الأسماعُ الرشيدةُ، وليس لهما رجع صدى في أسماع النبلاء ذوي الرزانة والتثبُّت، وأما الخطاب الوسطي فإنه يمر كالبرق من الأُذُن إلى القلب؛ ولا غروَ في ذلكم؛ فلسانُ الصدقِ أربى الألسن، ولا يكون إلا في العلو دائما، (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)[مَرْيَمَ: 50].

يتكون (خطاب الكراهية ) بشكل أساس، في معظمه، من عنصرين:

  • الكراهية: مشاعر قوية وغير عقلانية تنم عن ازدراء وعداوة وبُغض تجاه مجموعة مستهدفة بعينها أو فرد مستهدف بعينه، بسبب امتلاكها خصائص معينة – فعلية أو متصورة) معترف بها بموجب القانون الدولي) الكراهية  هي أكثر من مجرد تحيز، ويجب أن تكون تمييزية.  تعد الكراهية مؤشراً على حالة انفعالية أو رأي انفعالي، وبالتالي تختلف عن أي عمل ظاهر.
  • الخطاب: أي تعبير يُفصح عن آراء أو أفكار – نقل أي رأي داخلي أو فكرة داخلية لجمهور خارجي. يمكن أن يتخذ الخطاب أشكالا عديدة:  مكتوبة أو غير لفظية أو مرئية أو فنية، ويمكن نشرها بأية وسيلة، بما في ذلك الإنترنت أو الطباعة أو الإذاعة أو التلفزيون.

خطاب الكراهية وحرية التعبير:-

تنص المادة 19 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية على معايير صارمة لتقييد حرية الرأي والتعبير، واعتبرت أن تقييد هذه الحرية يجب أن يكون فقط في حالات احترام حقوق وسمعة الآخرين أو من أجل حماية النظام العام أو الصحة العمومية أو الأخلاق العامة حيث اشتملت هذه المادة على شروط لتقييد حرية التعبير، حيث إن العبارات المحددة كخطاب الكراهية يمكن أن تكون مقيدة طبقاً للمادتين 18 و 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بناءً على مبررات مختلفة، بما في ذلك احترام حقوق الآخرين والنظام العام، وتلتزم الدول أيضاَ بأن تمنع العبارة التي تصل إلى مستوى التحريض على التمييز أو العدوانية أو العنف طبقا للمادة 20/ 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وطبقاً لبعض الشروط المختلف وكذلك طبقاً للمادة 4 من الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري.

يمكن للمعايير الدولية عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الكراهية أن تساعدنا إلى حد كبير على تحديد ماهية الخطاب المفعم بالكراهية وكيفية التعامل معه:

  • الخطاب العنصري: حيث أن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري تدعو إلى تحريم التعبير عن أفكار تنم عن تفوق أو دونية الأشخاص.
  • وبالنسبة للكراهية المبنية على الجنسية او الدين: نجد ان هذه الأخيرة مجرمة طبقاً للمادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لكن مع توصيف يقضي بأن تصل التعابير ذات الصلة إلى مستوى التأييد الذي يشكل تحريضاً على التمييز او العدوانية او الكراهية.

وعلى ذلك أصبح (خطاب الكراهية) بتعريفاته المختلفة بحكم المحظور في أغلب الدول، إلا أن هذا المانح محكوم بالملابسات والضحالة الفكرية والمعايير المزدوجة، بحيث إنه يشكل عائقاً جدياً لقيم المجتمع المتفتح، وعليه يحتل إدراك الدافع الكامن وراء الخطاب أهمية كبرى، فغالباً ما تتسم الخطابات حول الآخر عموماً بما فيها تلك التي تلتحف بلحاف الموضوعية العلمية والترفع عن النعرات العرقية، باختزاله في كم من التصورات الذهنية القبلية التي لا تميل إلى (حقيقته) ، بقدر ما تكشف عن حقيقة الذات الواصفة. فرغم اتساع دائرة الحديث من حوار الأديان، وتفاعل الحضارات، والعيش السلمي، وقيم التسامح وقبول الآخر، باعتبارها تمثل وعياً إنسانياً متقدماً، إلا أن الناظر إلى واقع العلاقة مع الآخر يلحظ أن الوحدات الذهنية القديمة ما زالت تؤطر رؤى وتصورات الأفراد والمؤسسات.

فصناعة الكراهية مزدهرة، وعائداتها السنوية تتجاوز ملايين الدولارات !! ولا يختلف الأمر سواء تعلق بالشرق أو الغرب. فكلاهما سيان في مقاربته للآخر، فهذا  الآخر ليس إلا تجسيداً للجحيم بعبارة(جون سارتر).

وعليه، وبناءا على ما يجري في العالم من انتهاكات لا مبرر لها، فإن الأمر يتطلب حاجة ماسة لتمييز الخط الفاصل بين حرية التعبير، وعدم الانخراط في خطاب الكراهية خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، ومنصات الحوار المختلفة، حيث أنها من الوسائل التي يصعب احتوائها في حال وقوعها نظراً لطبيعة وسهولة انتشارها، ولأن الكراهية –تاريخياً- ترجع إلى التصورات التي تترسخ في مخيلة الناس فيما يخص الاختلافات الدينية، فالحرب الأهلية التي عرفتها فرنسا مثلاً كانت عنيفة لأسباب دينية ، مع أن الفرنسيين في القرن(16) كانوا من أصل واحد، وهو ذات الشيء يحدث في أي اقتتال داخلي كالفلسطينيين مثلاً عام (2007) لأسباب سياسية على الرغم من أنهم ينحدرون من أصل واحد.

وهذا يعني أن الفهم الخاطئ للحريات أساس الكراهية وما هي –الكراهية- إلا مجموعة من التصورات التي لا تتعلق بالعنصر فقط، ولكن تتعلق بالعادات والأخلاق التي تختص بها كل جماعة في مجتمع ما، والاصطدام بين العناصر يرجع سببه- في رأيي – إلى المنافسة من أجل السلطة.

التربية على اللاكراهية من لا كراهية التربية :-

لو أردنا تفسير العلاقة بين خطاب الكراهية وأيديولوجيات التربية يجب أن نذهب إلى الأصول التاريخية للمنافسة بين الأديان المنزلة، فالإسلام منذ ظهوره كان له أن يواجه رفض اليهود والنصارى، حيث كان الدين الإسلامي ينافس هذين الدينيين برموز دينية مشتركة كالوحي والنبوة والميثاق، أي العلاقات بين الله الذي يخاطب البشر عن طريق الأنبياء وبين الشعوب التي اختارها ليبلغ كلامه لكافة الناس بواسطتها.

هذه المنافسة لم تزل تزداد بين أهل الكتاب طوال القرون، ولم تزل تتفاقم لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية تتسم بالرغبة في السيطرة والتغلب على الأمم الأخرى، فالمسلمون يعتمدون على القول: (ولله العزة ولرسوله والمؤمنين) والمسيحيون يعتمدون على القول: (إن خارج الكنيسة لا نجاة للناس) واليهود يعتمدون على القول :(نحن شعب الله المختار)، وبهذه الأفكار الثيولوجية التي كانت تلقن في المجتمعات من جانب العلماء، وفي جميع المدارس وفي الخطب الدينية قويت التصورات التي تعبر عنها اليوم بالكراهية، وهذا النوع من الرفض المتبادل بين أمم أهل الكتاب لم يزل يسود إلى يومنا هذا فيما يلقن الأبناء في المدارس باسم الدين، وهذا يوجد عند المسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء.

معنى هذا أننا لم نجد الطريقة السليمة لنقدم للأجيال التقاليد والطقوس الدينية في محتواها الإيجابي الذي يدعو للتسامح والأخوة بين الناس ونبذ الكراهية أياً كان دينهم أو مذهبهم الفلسفي والسياسي، هذا النوع من التربية المعتمدة على روح التسامح والتفاهم والبحث النقدي.

ولما كان نبذ الكراهية والسلم الاجتماعي والإنساني قائم على ضمان الحقوق والحريات وكانت الحضارات قائمة على تقليص الكراهية والعنف، كان من الضروري تعظيم شأن ثقافة التسامح وقبول الآخر. فمصطلح ينطوي تحت التسامح سيكون غرضه الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة في أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة ، ولعل هذا ما أعلنته الجمعية العامة للأمم  في نوفمبر 1998 واعتبرت على أساسه الفترة(2001-2010) عقداً دولياً لتشجيع ثقافة السلام في العالم، لكن للأسف شهدت نهاية هذه الفترة وما بعدها إلى يومنا هذا، الكثير من الانتهاكات التي تنم عن كراهية لم يسبق لها مثيل من قبل.

وبالاطلاع على الأدب التربوي والسياسي المتعلق بثقافة التسامح واللاعنف والسلم الاجتماعي ونبذ الكراهية، يجد من التداخل ما يجد بين هذه المصطلحات إلى الحد الذي يجزم فيها بأنها متراكمة، والدليل على ذلك على سبيل المثال ، التحول الديمقراطي في أي مجتمع رهن بنشر ثقافة اللاعنف ونبذ الكراهية، وتحويل حقوق الإنسان سلوك يحكم علاقة المواطنين ببعضهم من جهة، وعلاقتهم بالمؤسسات من جهة أخرى ورغم أن المجتمع قد أوجد المؤسسات التربوية بهدف الحفاظ على كرامة الإنسان وتنمية جميع جوانبه، إلا أن الحالة اليوم تظهر أن أول ما يمارس خطاب الكراهية في هذه المؤسسات من خلال سياسات التسليط، والحد من الحريات، وعدم قبول الآخر، وما كانت الكراهية إلا تبريراً لواحد من التفسيرات التالية :-

  • التفسير النفسي/ حيث تتولد الكراهية نتيجة الإحباط، فأي حاجز يحول دون تحقيق الاشباعات أو يشعر الإنسان بأنه لم يأخذ حقه سيولد لديه شعور الكره والحقد والسلوك العدواني.
  • التفسير الاجتماعي/ حيث يرى العاملون في ميدان علم الاجتماع أن التراجع في السلوك العنفي  أو تماديه يأتي من خلال التعليم ليس على مستوى المؤسسة التربوية فقط، بل بما تعززه البيئة ، فيقترن ضعف السلم الاجتماعي بخطاب الكراهية بأنواعه.

بعيداً عن النظريات المفسرة للكراهية والانسحاب لآثاره مثل النظرية البيولوجية أو نظريات الإحباط أو النظرية السيكولوجية أو نظرية الصراع، فإني أرى أن أهم مداخل بند الكراهية، هما: التسامح والتربية على حقوق الإنسان.

فالتسامح يقوم على مجموعة من المبادئ والركائز، أهمها:أن البحث عن الحقيقة يكون لذاتها لا لهزيمة الآخرين، والاعتراف بأن الكل معرض للخطأ، وأن الإقرار بظاهرية التعددية أمراً طبيعياً وأن الاختلاف سنة كونية، وأن يكرم الإنسان إنسانيته فقط بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى كالجنس أو العرق أو اللون أو المكانة، وقبول الآخر واحترامه.

ولا أعتقد أن هناك تجربة عبر التاريخ أنجح من التجربة الإسلامية الأولى في بند الكراهية وتعزيز التسامح من خلال :

1.التخلية/ وتعني تطهير التربية من كافة الأفكار والأيديولوجيات القائمة على التعصب والتمييز والإقصاء والتهميش والعنصرية والفئوية، وجميع الأفكار المناهضة لقيم التسامح.

2.التحلية/ من خلال تعزيز قيم الحياة والتضامن بين الأجيال وتوسيع مدركات الشباب والأطفال حول المردود الإيجابي لمبادئ الحب والحق والخير والرفق واللين والمشاركة والأخوة الإنسانية.

والتربية على حقوق الإنسان، رغم أنه من الواجب ألا يحتاج فيها الإنسان إلى تربية، إلا أن اللامبالاة المجتمعية والسياسية أفرزت سلوكيات انتهكت الحقوق وأدت إلى ظاهرة التسلط والتنكر للآخرين في عالم تشح فيه الفرص والعدالة.

وقد كشف التاريخ الإنساني وجهتين متناقضتين للعلاقات الإنسانية الأولى تعبر عن الحرية، والثانية تعبر عن القهر والاستبداد الاجتماعي، ومن أجل ذلك كان التاريخ الإنساني سلسلة من الكفاح والنضال من أجل الحقوق، ولعل من أهم الأسباب والدوافع وراء ضرورة التربية على حقوق الإنسان كأساس لنبذ الكراهية وترشيد الخطاب:-

1.الواقع الاجتماعي المتردي/ من حيث تردي مستوى الوعي بالكثير من القضايا المرتبطة بالحقوق والواجبات وانتشار ظاهرة الفساد والمحسوبية.

2.تردي الأنساق العلائقية/ فمنها تظاهرت العلاقات بين الأشخاص بالجمال، إلا أن هناك أنماطاً متناقضة بين المفاهيم النظرية والواقع الفعلي.

خطاب الكراهية بين سوء الفهم والتشوه المعرفي:

يعد الجهل من أخطر الأسباب المؤدية إلى الانحراف عن المنهج الوسطي، ولا أعتقد أن هناك أكثر من الكراهية ملمحاً منحرفاً عن الوسطية، وذلك لأن أصحاب الفكر المنحرف من جماعات وأفراد إنما يفعلون ما يفعلون باسم الدين والوطنية والحسن الإنساني المزيف، فالجهل جعلهم يكفرون المسلمين، ويخونون غيرهم، ويعتدون على الآمنين، ويذبحون الأبرياء، ويقتلون العلماء ظانين أنهم يجاهدون في سبيل الله وأنهم يطبقون الصواب.

فعلى أساس الدين، فإن أسوأ صور الكراهية وأبشع حالات الطغيان ما كان مستنداً إلى نظرة دينية يساء فيها استخدام نصوص الدين الصحيح بتأويلها وفق الأهواء أو يدس فيها على الدين ما ليس فيه لتحقيق نزوة أو غريزة.

وعلى أساس الاختلاف، يعد التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، جمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمقاصد الآراء والنصوص وظروف  العصر، ورفض الحوار مع الآخرين فيما يختلف معهم فيه، واتهام من خالفه في الرأي بالجهل، ومن خالفه في السلوك بالفسوق والعصيان وإن كان ينادي بغير ذلك ظاهرياً يعد أصل الكراهية، وصورة دافعة للخطاب الداعي للإقصاء  والكراهية.

وعلى ذلك فقد جاء الإسلام منهجاً للحياة، شمل العقيدة والفكر والثقافة والسلوك والعبادة، فكان أهم أهداف التربية الإسلامية هو ترسيخ مبدأ الأخوة (إنما المؤمنون إخوة) من خلال البناء المفاهيمي الصحيح، ولزوم الحق عند الهرج والمرج واختلاط الأمور، وتقديم المعاملة الحسنة على الكثير من الواجبات(إن الدين المعاملة)، ونبذ كل التشوهات المعرفية أو الأفكار اللاعلانية الداعية إلى ظلم الناس أو التحريض على كرههم، والتي أجمع عليها العلماء ، في الأمور التالية:-

1.التعميم الزائد/ حيث إن تعميم النتائج وجمع الآراء تحت رأي واحد لا يعتمد على التفكير الدقيق يولد الكراهية والحقد.

2.التقدير الذاتي/ والذي يعد شكل من أشكال التعميم، ويستند إلى الرؤية الذاتية للأفعال والمواقف بعيداً عن التفكير المنطقي (توظيف الأهواء).

3.الفظاظة/ وهي التي تترتب على المطالب غير المنطقية، والأهداف الشخصية، مما يؤدي إلى الانفعالية الزائدة والتحريض للحصول على ما تدعوه الغرائز.

4.أخطاء العزو/ حيث يميل الفرد إلى ينسب أفعاله الخاطئة إلى الآخرين ، مما يؤثر على إدراكه للأحداث، ومن أخطاء العزو المولدة للكراهية اللوم للآخرين.

إن خطاب الكراهية أياً كان مصدره ظاهرة معقدة مركبة ولا يمكن تحليله بناء على سبب واحد لأن أسبابه كثيرة ومتنوعة ومتداخلة، فبعضها ديني أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو نفسي أو فكري، ومنها ما هو خليط من هذا كله أو بعضه.

وعليه أجمع علماء التربية والاجتماع على أن خطاب الكراهية في الوقت الحالي يستند إلى جملة من المسببات، أهمها:-

1.الفهم السطحي للدين.

2.الفهم الغائب للسنن الكونية والتاريخية.

3.شيوع القهر والقمع على كافة المستويات الاجتماعية –الأسرة أو المدرسة أو المجتمع أو الدولة.

4.العزلة عن المجتمع فكرياً للاعتقاد بانحرافه، والإدعاء بالهداية التي لا هداية بعدها.

خاتمة :-

إن تحليل خطاب الكراهية يعد درباً من الخيال في ظل تداعيات الواقع وتداخل الأحداث والفلسفات والإدعاءات، وعليه لا أعتقد أن هناك طريقة ناجعة يمكن من خلالها الحد من انعكاسات خطاب الكراهية التي تجذرت منذ أن خلق الله الأرض، لكن هناك ما يسهم في الحد من آثارها ألا وهو تأصيل مبدأ الوسطية، لا التأصيل النابع من ناحية المفهوم وأولوية السبق المصطلحي بين الشرق والغرب ، لأننا لسنا في صدد إثبات أقدمية التسامح والوسطية، إنما من أجل إبعاد الحساسية التي أبداها بعض مفكري عصر النهضة من غربة الفكرة عن الإسلام، ولأجل ذلك نحن مدعون إلى تجسيد ثمة معطيات رئيسية في التعامل والتكامل مع الآخرين عن طريق للحد من آثار خطاب الكراهية:

أ.الإصغاء للآخرين أياً كانوا بدافع التعلم منهم لا احترامهم فحسب، خاصة الخصوم ونعني بالإصغاء ملاحظة قيمهم وفكرهم وطرق تفكيرهم والأسس الفكرية التي انطلقوا منها في تدعيم رأيهم وفكرهم ومنطقهم.

ب.المطالبة بتوفير الأجواء المناسبة للتسامح والوسطية، وعلاج التشوهات المعرفية المرتبطة بالنصوص الشرعية، وأهمها جعل القيمة ذات مضمون حياتي في مختلف مشارب تعاملاتنا من أصل شرعي، وأولها تأصيل السلوك في الجامعة والمدرسة.

د. الكف عن ممارسة السلطة أو استخدام القوة في التدخل بآراء الآخرين وأعمالهم ونشاطهم وأساليب تحركهم، والبعد عن المزالق التي يقعون بها أو كشف من يخل بالالتزامات الأخلاقية للتسامح أو يتجاوز قواعدها الأساسية بطريقة مشينة، ولكن لا يحق لنا التدخل بآرائهم إلا في حدود.

كما من الواجب أن تقوم المؤسسات التربوية بدور الحاضنة للخلافات، ومصدر الوحدة، من خلال تجنَب التعصب للآراء الذي قد يؤدي إلى الشحناء والعداوة، وتربية الطلبة على ترسيخ مفهوم الحوار ومبادئه وآدابه وفق رؤية إسلامية صحيحة، وذلك عبر:

أ.التأكيد على حق الاختلاف بين البشر فالاختلاف آية بينة، وإن كان لا يلغى الائتلاف، فالتسامح والوسطية لم يرد في الشريعة الإسلامية إلا أنه يشير إلى إحدى خصائص المجتمع المسلم، كما جاءت الشريعة بما يقاربه أو يدل على معناه، فقد دعا القرآن الكريم إلى التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف، وكلها من صفات التسامح.

ب. تكريس التسامح في الحياة السياسية ففي ظل التعدد في التركيبة المجتمعية الموجودة في مجتمعاتنا، فإنه لا بد من تقبل قيام أي أقلية أو طائفة أو تنظيم سياسي أو ديني تشكيل حزب سياسي يمثله والقيام بالترويج لأفكاره وإن كان مناهضاً لأطروحاتنا ، فليس لنا الحق بادعاء امتلاك الحقيقة السياسية ومصادرة رأي الآخرين.

ج.الارتقاء بالثقافة المدنية القائمة على فلسفة تأصيل طرائق التعددية وبناء مفهوم جديد للمواطنة يقوم على احترام الحريات والحقوق الممنوحة للفرد والتداول السلمي للسلطة ورفض أشكال الاستبداد والدكتاتورية كافة في مختلف مناحي الحياة.

قائمة المراجع:

  1. الحارثي، عبد الرحمن. الانحرافات الفكرية وسبل معالجتها في ضوء أحاديث صحيح البخاري. رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة ام القرى، السعودية، 2012.
  2. سليمان، شريف. الدليل التدريبي حول مواجهة خطاب الكراهية في فلسطين، المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية، رام الله، 2018.
  3. الشريف، بسمة. أثر برنامج توجيه جمعي لتعديل التشويهات المعرفية في خفض الاكتئاب وتحسين مستوى التكيف لدى طالبات المرحلتين الأساسية والثانوية. رسالة دكتوراه، الجامعة الأردنية، عمان، 2005م.
  4. محفوظ ، محمد. في معني التسامح وأفاق السلم الأهلي. بغداد: مركز دراسات فلسفة التربية، 1426هـ.
  5. 5- مركز الدوحة لحرية الإعلام. خطاب الكراهية، إعلام الأزمة الخليجية، قطر، 2015.
  6. وطفة، على أسعد. التربية على قيم التسامح. مجلة التسامح للدراسات الفكرية والإسلامية، ع(11)، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، صيف 1426هـ.
    ______

    *الدكتور محمود عبد المجيد عساف.
وسوم:

اترك رد

جديدنا