الدماغ البشري وتخليق الوعي الحسي

ربما تكون أكبر خرافة حول كيفية عمل حواسنا هي أنها تعكس العالم كما هو في الواقع حقاً. لدينا بالفعل نظام حسي قوي، لكنه نظام لا يقوم إلا بإدراك جزء صغير فقط من البيئة حولنا، وعبر الكثير من الطرق المختصرة، وهو دائماً يملأ الكثير من الفراغات الإدراكية بنفسه ليعطينا الوهم بأننا ندرك الواقع بموضوعية.

الرؤية

من بين جميع حواسك، تستحوذ الرؤية على معظم قدرات القشرة الدماغية البيولوجية. شبكية العين، حيث المكان يُترجم الضوء المنعكس من السطوح التي نراها إلى إشارات عصبية.  وشبكية مسطحة وثنائية الأبعاد. لذلك، نحتاج إلى استنتاج العمق من الإشارات الأخرى، مثل الأشياء التي تحجب بعضها البعض، ومدى كبرها بالنسبة لبعضها البعض، وأين توجد في عين مقابل العين الأخرى.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العصب البصري الذي يأخذ المعلومات من شبكية العين ويرسلها إلى باقي الدماغ يحتوي على حوالي مليون ليف من الألياف. يمثل كل ليف معلومات من جزء واحد من المجال المرئي، يمكنك التفكير فيه على أنه بكسل من شاشة حاسوبك أو هاتفك الجوال.

تبلغ دقة عينك حوالي 1 ميجا بكسل. وهذا يعني أن العين كاميرا غير مناسبة إلى حد ما وفقاً لمعايير اليوم. الطريقة التي تلتف بها العين حول هذه الدقة الضعيفة نسبياً هي تركيز الكثير من أليافها في مركز مجال رؤيتك، بحيث تكون الدقة في المنطقة التي تركز عليها عينيك أفضل بكثير من أي مكان آخر.

ومع ذلك، يبدو الأمر كما لو أن المشهد المرئي بأكمله أمام عينيك يتم عرضه على دماغك بنفس الدقة. أنت فقط لا ترى العالم مثل هذه القطعة الصغيرة المفصلة والمحاطة بالتشويش. تراه وهو يحتوي على دقة موحدة. وذلك لأن دماغك يخدعك. إذ تم تكييفه تطورياً لتزويدك بالمعلومات التي تحتاجها للعثور على الطعام والأصحاب والتهرب من الحيوانات المفترسة.

لا يدرك الدماغ سوى جزء صغير من المعلومات المتاحة من العالم ويملأ الباقي من عنده، مما يمنحنا الإحساس بأنه يمكننا أن نرى ونسمع ونشم ونتذوق ونشعر أكثر بكثير مما نستطيع القيام به في الواقع. هذا المبدأ – رؤية النفق إلى جانب الملء – هو موضوع شائع في الإدراك.

على الرغم من أن بشرتنا تشغل مساحة سطح أكبر من أي عضو آخر، إلا إننا نعتمد على أعيننا أكثر عندما يتعلق الأمر بتكشف العالم من حولنا.

والحقيقة هي إن نظامنا البصري مذهل حقاً، ويتم تخصيص جزء كبير من قشرتنا الدماغية لمعالجة المعلومات المرئية أكثر من أي حاسة أخرى.

تطور النظام البصري يخبرنا أيضاً عن كيفية عمل الدماغ، لأنه نظام، مثله مثل معظم أجزاء الدماغ الأخرى، لديه استعدادات فطرية عند الولادة، ولكن بدون التجارب الصحيحة والتدريب الصحيح يفشل في التطور بشكل طبيعي.

ولادة الخلايا العصبية هي مجرد الخطوة الأولى في بناء الدماغ. والخطوة التالية هي توجيه تلك الخلايا العصبية إلى حيث يجب أن تتمركز تشريحياً لعمل اتصالات مفيدة. والخطوة الثالثة هي توصيل تلك الاتصالات بحيث تشكل شبكة عاملة. هذه المرحلة الأخيرة تعتمد بشكل كبير على الخبرة والتدريب واستمرار التحفيز، فالخلايا العصبية المعزولة، التي لا تتلقى أي رسائل من خلايا أخرى، تموت.

تنطبق هذه الفكرة على العديد من جوانب نمو الدماغ، لكن الرؤية حساسة بشكل خاص لما يسمى بالفترة الحرجة، وهي نافذة زمنية يجب خلالها توفير المدخلات الصحيحة وإلا فلن يتطور النظام بشكل صحيح أبداً. هذا هو السبب في أن استعادة البصر في مرحلة البلوغ بعد فقدانه في مراحل الطفولة المبكرة ليس بالأمر السهل على الإطلاق.

كيف تعمل الرؤية

يعد النظام الإبصاري أداة رائعة لتوضيح مبادئ الإدراك الأخرى أيضاً، لاسيما عملية ملء الفراغات التي يقوم بها الدماغ والتي لا ندركها إلى حد كبير.

ينتقل الضوء المرئي في شكل فوتونات – حزم صغيرة من الطاقة – ترتد عن الأشياء التي تصادفها. يمكن أن تكون موجات الضوء قصيرة جداً أو طويلة جداً، أو بأي طول يقع بين الحدين الأقصيين لطول الموجات الضوئية، ويمكننا نحن البشر فقط إدراك جزء صغير من هذه السلسلة المتصلة من أطوال الموجات. لقد تكيفنا لإدراك فوتونات الضوء التي تخبرنا بما نحتاج إلى معرفته للعثور على بعضنا البعض، والتعرف على الإشارات الاجتماعية، وتجنب الحيوانات المفترسة، وما إلى ذلك.

جزء صغير من الفوتونات التي ترتد من العالم الخارجي تشق طريقها إلى أعيننا، حيث يتم تركيزها بواسطة عدسة في باطن العين على الجزء الخلفي من مقل أعيننا، حيث تقوم الخلايا التي تسمى المستقبلات الضوئية بإطلاق سلسلة من الإشارات العصبية.

لدينا نوعان من المستقبلات الضوئية – تسمى العصي والمخاريط بسبب شكلها – والتي يتم توزيعها بشكل مختلف على طول الجزء الخلفي من الشبكية. عندما تركز عينيك على مشهد ما، فإن هذا الجزء من الشبكية مأهول إلى حد كبير بمستقبلات ضوئية مخروطية الشكل توفر في النهاية معلومات كافية لتمييز الألوان.

المخاريط الموجودة في هذا الجزء من الشبكية مكدسة بالقرب من بعضها البعض ومتصلة بخلايا المنبع بنسبة 1 إلى 1؛ أي لكل مخروط، هناك خلية واحدة في المنبع تلتقط إشاراتها وتمررها إلى الدمغ عبر العصب البصري.

خارج هذه المنطقة، تكون المخاريط متناثرة، والمستقبلات الضوئية على شكل عصي أكثر شيوعاً. لا تتمتع العصي بنفس المستوى من الكفاءة- العلاقة 1 إلى 1 – مع خلايا المنبع؛ بل يجب على العصي في شبكية العين مشاركة إشاراتهم مع عصي أخرى، بحيث ترسل حفنة أو أكثر من العصي إشارات إلى نفس خلية المنبع. ولا يمكن للعصي تقديم معلومات عن اللون، أي أنها لا تبصر ولا تميز الألوان.

هذا النمط من توزيع الشبكية والتقارب في خلايا المنبع يعطي العصي والمخاريط أدواراً مختلفة في المعالجة البصرية: المخاريط مسؤولة عن رؤيتنا عالية الحدة، وهو متاح في جزء صغير من المجال البصري يمكننا من خلاله الإبصار بدقة كافية لقراءة كلمات وهلم جرا.

من خلال الحفاظ على علاقة 1 إلى 1 مع خلايا المنبع، يمكن للمخاريط إرسال معلومات محددة حول الضوء في جزء صغير من الفضاء. وهناك ثلاثة أنواع من المخاريط، كل منها أكثر حساسية لجزء معين من طيف الطول الموجي. من خلال مقارنة النشاط النسبي لهذه الأنواع من المخاريط، يمكن للنظام المرئي تمييز الألوان.

العصي، من ناحية أخرى، تمنحنا حساسية أفضل للضوء. نظراً لأن حفنة أو أكثر من العصي تتلاقى في خلية واحدة من خلايا المنبع، إذا اكتشف أي منها فوتوناً، فإن تلك الخلية تستقبل رسالة. لكن هذه الخلية لا تعرف بالضبط أي عصا أرسلها، وهذا هو السبب في أن رؤيتك ضبابية في محيط ما تركز بصرك عليه. وهناك نوع واحد فقط من العصي، لذلك لا توجد معلومات عن الألوان.

يتم ترتيب هذه الخلايا في شبكية العين بحيث إذا اكتشف المستقبل الضوئي في مجاله الاستقبالي الضوء، فإنه يمرر مباشر الرسالة عن طريق خلايا المنبع، ومنها تمر عبر العصب البصري إلى المهاد، في منتصف الدماغ، ومن ثم إلى الجزء الخلفي من الدماغ، حيث يتم ترتيب القشرة القذالية في أعمدة نمطية من الخلايا.

تحتوي هذه الأعمدة على خلايا بمهام محددة للغاية. على طول مجموعة واحدة من الأعمدة، توجد خلايا تستجيب بشكل أفضل لأشرطة الضوء في اتجاهات محددة. كما توجد مجموعات من الخلايا التي تعالج معلومات الألوان. وهناك منطقة أخرى تكتشف الحركة.

نحن نعلم أن هذه المناطق عالية التخصص على أساس خطين متقاربين من البحث. عندما نحفزها في الحيوانات، أو في مرضى الصرع، أو لدى من لديهم مشاكل تتطلب زرع أقطاب كهربائية في الدماغ، فإننا نرى ردود فعل محددة. وعندما تتضرر هذه المناطق بآفات محدودة – من ورم أو رصاصة، على سبيل المثال – يعاني المرضى من إعاقات معينة.

يعاني بعض المرضى من إعاقات بصرية محددة لا يمكنك مساعدتها وتظهر مدى تعقيد نظامنا البصري. أحد الأمثلة على ذلك هو عمى الوجوه.

الدماغ وتخليق الوعي الحسي

لدينا حتى نقطة عمياء في شبكية العين، حيث تخرج الألياف العصبية من العين، حيث لا توجد مستقبلات ضوئية – لذلك لا يمكننا اكتشاف الفوتونات في هذا الجزء من مجالنا البصري. ومع ذلك، فإننا لا نبصر ما حولنا مع وجود ثقب أسود في رؤيتنا. وعلى الرغم من أن النقطة العمياء ليست بعيدة عن مركز مجال رؤيتك، إلا أنك لا تلاحظها لأن دماغك يسد الفراغ فيما تبصره حقاً بإنتاج محض من الدماغ نفسه لملء الفراغ حصراً.

وبالطريقة نفسها التي تملأ بها القشرة البصرية المعلومات من النقطة العمياء لدينا وتسمح لنا بإدراك الأشياء على أنها ثابتة على الرغم من كونها محاطة بأشياء أخرى، أو مضاءة بأضواء مختلفة، أو متحركة، فإن حواسنا الأخرى أيضاً تعمل بنفس الطريقة مع المدخلات الحسية الخام الأخرى.

كل من هذه العمليات، سواء كانت مرتبطة بالسمع أو الرؤية أو أي حاسة أخرى، تتطلب مجموعة مختلفة من الحسابات، غالباً ما يتم إجراؤها في مناطق متباينة في الدماغ.

__________
*تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها الطبيب مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في مركز دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

**مصعب قاسم عزاوي.

وسوم:

اترك رد

جديدنا