رؤية مغايرة للتربية على السلوك الحضاري (ما بعد الحداثة نموذجا)

مقدمة:

نعيش اليوم في عصر العولمة وما بعد الحداثة، عصر المعرفة واللايقين، عصر العلم والنسبوية، عصر الترابط الكوني وصدام الحضارات، عصر الاعتراف بالآخر وإذابة هويته، عصر التحرر والهيمنة.. إنه عصر المتناقضات.

ولهذا دخل مفهوم الحداثة وما بعدها في شكلها الأكثر طموحاً لتؤكد على أن الإنسان هو ما يفعله، وإن هناك صلة تتوطد بين الإنتاج بفضل العلم، وبين تنظيم المجتمع، ففي إطار مشروع الحداثة الذي انطلق في أوروبا في القرن السادس عشر وما تضمنه من نظريات سلوكية وتجريبية ونظريات التنظيم السلوكي جرى الأساس التربوي له انطلاقا من الوصفية والعقلانية الفنية.

وعليه تكون المدرسة في إطار الحداثة وما بعدها مكاناً للقطعية مع وسط النشأة (المنزل، والأسرة، والرفاق، والشارع) الذي يتسم بشيوع الممارسات اللاعقلانية، فهي التي تتيح للفرد الانفتاح على السلوك الانساني والحضاري، وعلى التقدم بواسطة المعرفة العلمية والمشاركة في المجتمع.

المشكلة والتساؤلات:

يحتدم الجدل حالياً بين أنصار الحداثة وأنصار ما بعد الحداثة، على جميع الأصعدة وفي جميع المجالات، وإذا كان هذا الجدل قد بدأ منذ أكثر من ثلاثين سنة في مجالات الفن والأدب والعمارة، فإنه سرعان ما امتد إلى العلوم الاجتماعية والتربوية والإدارية بفروعها.

فلا تغيب هذه المعركة عن ساحة الفكر التربوي التي تشهد فيضاً من الكتابات والأبحاث التي تؤسس لمدرسة ما بعد الحداثة، وتحاول أن تطرح رؤى جديدة للتربية وإدارتها في عصر ما بعد الحداثة تقوم على نقد الأسس المعرفية التي قامت عليها العلوم المختلفة وخاصة فيما يتعلق بادعائها أنها تعبير منطقي عن العالم الواقعي.

والتحويل من أجل التحسين والتجميل يعتبر من أهم توجهات ما بعد الحداثة حيث يشتق من طبيعة وماضي الأمة وواقعها وتطلعاتها وإمكاناتها المتاحة لأخذ العظة والعبرة وتشخيص جوانب القوة والضعف، وعليه فإن التوجه نحو القيادة التحويلية يبنى الالتزام، ويخلق الحماس والدافعية لدى العاملين في أي مؤسسة للتغيير، ويزرع لديهم الأمل بالمستقبل 

ولهذا تأتي هذه الورقة لوضع رؤية مغايرة للتربية كخطوة نحو السلوك الحضاري باعتبار أن الحداثة لابد أن تكون حداثة مؤسسات وليست حداثة أفراد فحسب، بما لا يتناقض مع الفرد أو يحجر عليه، بل يفتح الأبواب المغلقة أمامه كي يبدع بما يشاء.

ولما كنا ممن لا يؤمنون بنظرية المؤامرة في صنع التاريخ، وإنما نراه في تدفقه تعبيراً عن علاقات وجهود، وجب البحث للإجابة عن الأسئلة:

1-ما مفهوم الحداثة وما بعدها وعلاقتها بالتربية؟

2-ما دور التربية في تعزيز السلوك الحضاري المرتبط بما بعد الحداثة (المعلم نموذجا)؟

3-ما الرؤية المغايرة لملامح التربية على السلوك الحضاري؟

منهجية الورقة:

لتحقيق أهداف الورقة البحثية سيتبع الباحث المنهج الوصفي الفلسفي القائم على استقراء مضمون الفكرة في الأدب التربوي الأجنبي والاستفادة منه في وضع رؤية مغايرة، وذلك من خلال تحديد مفهوم الحداثة ومعيارها القيمي، وكذلك التعرف إلى صورة المعلم في الخطاب الحداثي للخروج برؤية فلسفية مغايرة.

مصطلحات الورقة:

1-ما بعد الحداثة:

يعرفها الشيخ، والطائري (1996: 34) بأنها : ” تيار فكري نشأ في الأصل وفي كثير من جوانبه ردة فعل لـ “الحداثة”.

وما بعد الحداثة من التنوع والتدرج بحيث يصعب إيجاد تعريف دقيق لها. وتكاد تجمع المراجع على عدم إعطاء تعريف لـ”ما بعد الحداثة” لصعوبة تعريفها، وبدلا من ذلك تقوم بتوصيف هذا المذهب، وذلك بمقارنته بنقيضة “الحداثة”. فلكي يتضح مفهوم ما بعد الحداثة فلا بد من مقارنته بمفهوم الحداثة.

والسبب في ذلك أن ما بعد الحداثة مفهوم فضفاض وغامض، فهناك صور متعددة من ما بعد الحداثة. فهي تتدرج من الموقف الرافض للغلو العقلاني الوضعي ورفض الاضطهاد الذي تمارسه الثقافة الغربية بأيديولوجيتها العلمية إلى أن تصل إلى ما بعد الحداثة المتطرفة الثورية العدمية العبثية التي تدعو للثورة على العقل والعقلانية من أساسهما وتصل إلى التشكيك حتى في البديهيات. مما حدا بأنصارها إلى الكف عن توضيح ما هي “ما بعد الحداثة” والانصراف بدلا من ذلك إلى توضيح ما ترفضه ما بعد الحداثة. (Doll, 2003:4  )

ولكن باختصار يمكن أن تعرف الحداثة بأنها: ” اتجاه فكري، يضم خليطا من التيارات،  يجمعها رفض الأسس الأنتولوجية (أي الخاصة بطبيعة الوجود) والمعرفية والمنهجية التي قامت عليها الحداثة أو على الأقل يجعلها محل شك.

محاور الورقة:

المحور الاول: مفهوم ما بعد الحداثة وعلاقتها بالتربية:

بالرغم من النقد الكثير الذي وجهته التيارات (ما بعد الحداثة) للحداثة في مجال التعليم وإدارته، إلا أنها لم تطرح فلسفة تربوية شاملة إلى الآن. فأثر ما بعد الحداثة على التعليم كبير وإن كان غير واضح المعالم.

انتقدت ما بعد الحداثة مبالغة الحداثة في تقدير العقل وتمجيده، كما انتقدت التركيز على العلم والمواد العلمية والمنهج العلمي. وأنكرت أن يكون هناك حقيقة مطلقه قائمة خارج الذهن، وشككت في أن يكون العقل قادرا على الحكم الموضوعي. وإنما العقل يبني الحقيقة، ولا يكتشفها، كما تقول الحداثة، والعقل نفسه تبنيه الثقافة السائدة في المجتمع.

هذه النظرة إلى الحقيقة انعكست على النظر إلى المعرفة، فالمعرفة في المنظور ما بعد الحداثي تبنى في سياق ثقافي، ومهمة التدريس النقدي critical pedagogy هي أن تجعل الطلاب يتفحصون القيم والفرضيات والأيديولوجيات والمصالح المنعكسة في المعرفة، ليقوموا بإنتاج المعرفة بدلا من بقائهم مستقبلين غير ناقدين. وهذا يتم فيما يسميه التربوي النقدي بول فريري بتربية إثارة الأسئلة، مقابل ما أسماه تربية الإيداع banking education، التي تعتمد على ترحيل المعلومات. (Leistyana, 1999: 311)

لقد أثرت النظرة ما بعد الحداثية على عناصر العملية التربوية كافة. المعلم والقائد ، والمنهج، وطرق التدريس والطالب، وذلك على النحو التالي:

المعلم والقائد / ما بعد الحداثة ترى أن مهمة المعلم ليست ـ بل وليس من حقه ـ أن يقوم بنقل الحقائق كما يراها هو إلى ذهن الطالب، بل يساعده في بناء حقائقه الخاصة التي يشكلها مجتمعه وثقافته.

– الطالب/ ما بعد الحداثة تؤكد على أن الطالب يجب أن يتعلم أن لا يعتمد على الموضوعية التي تزعمها الحداثة، وقد كان لما بعد الحداثة أثر على طبيعة العلاقة بين الطالب والمعلم، فحيث لم يعد ينظر للمعلم على أنه الخبير الذي يزود الطالب بالمعلومات، صار هناك تركيز على التفاعل الفردي بين الطالب و”المعلم” والاستكشاف المشترك. (Caine, 1997: 78) 

المنهج/في النظرة ما بعد الحداثية يجب أن يتكيف المنهج مع الطلاب، بحيث يتناسب المحتوى والمهارات مع الطلاب وحاجاتهم. فهدف المنهج أن يكون تحويليا، بحيث يمكن الطالب أن يتفحص ويدرك العالم من حوله أولا ثم يفهم نفسه بشكل أكبر. ولذا فالأنشطة التعلمية ليست مخططا لها مسبقا، إنما تتقرر بناء على رغبات الطلاب وعلى الطرائق التي يتم بها الفهم في أذهان الطلاب. فالمنهج في النظرة ما بعد الحداثية يهتم بالطريقة التي يبني بها الطلاب المعرفة من منظورات مختلفة، بأساليب تعلمية متنوعة وذكاءات متعددة، لا تعتمد فقط على الذكاء التقليدي الرياضي المنطقي.

 ( Doll, 1993: 87)

سمات التربية فيما بعد الحداثة:

يؤكد مارشال (2010: 34) أنه لتحقيق السلوك الحضاري المرتبط بالحداثة وما بعدها، يجب الاعتماد على التدبر، والتدبر في نظره يستلزم الرقابة المستمرة والهادفة لإجراءات التغيير والتحول عند حدوثها داخل المؤسسة والاستخدام الدائم للتغذية الراجعة لتعديل الطرق والأساليب والموارد. وتؤدي الممارسة التدبرية إلى إعادة تنسيق الممارسات بحيث تتسق مع أهداف البرنامج.

وتسود حالياً اتجاهات تدعو إلى أن كلا من العاملين بإدارة الأعمال والمؤسسات التعليمية يجب تشجيعهم على استخدام التفكير الفلسفي الكلي والمتكامل للأمور الذي يأخذ في اعتباره العلاقات المتبادلة، بدلاً من الأشياء المنفصلة، وأنماط التغير بدلاً من المواقف الجزئية. ويضمن التدبر الكلي – في نظره- العناصر التالية:

-متابعة الممارسات بحيث تتسق مع أهداف البرنامج.

-تقدير التحول في المناهج لضمان مقابلتها لاحتياجات الطلاب.

-متابعة الخدمات المساعدة لتحديد أكثرها نجاحاً. ( مارشال، 2010: 57)

ومعنى هذا أن التدبر كاتجاه عام تبنته مدرسة ما بعد الحداثة في التربية في مجالات عديدة من أبرزها إعداد المعلم وتطوير المناهج، والقيادة،  قد وجد طريقة إلى مدرسة الجودة المعاصرة ليكون بديلاً كيفيا عن الطرق والأساليب الكمية في تقدير الجودة وتحقيقها في عالم متغير يشهد تحولات كبيرة في نظمه الاقتصادية والسياسية والمعرفية والاجتماعية والتربوية. ومن ثم يكون التدبر هو المدخل الأكثر ملاءمة لملاحقة هذه التغيرات بشكل مستمر.

وعليه فإن سمات التربية فيما بعد الحداثة تتلخص في:

1.إذا كان من مهام التعليم التدبري صياغة الهوية القومية، فإن الاختلاف من شروطها، فالقيادة في عصر ما بعد الحداثة تدخلات لحل شفرة الثقافة السائدة، وخلق أشكال منظمة لرفض التطبيع مع علاقات القوة القائمة في المجتمع.

2.على المؤسسات التربوية التي تتبنى أسلوب ما بعد الحداثة أن تنبذ أوامر البيروقراطية.

3.الخلاف بين المعايير التكنوقراطية المستمدة من ( العقلانية الفنية ) من ناحية، وبين المواقف الإنسانية المتنوعة كالحكم بمعايير الجمال من ناحية أخرى.

4.أهمية التدريب على استراتيجية تفكيك النصوص وتحليل افتراضاتها، واكتشاف الخداع فيها.

المحور الثاني / دور التربية في تعزيز السلوك الحضاري المرتبط بما بعد الحداثة ( المعلم نموذجاً).

تطرح مدرسة ما بعد الحداثة رؤية أو فلسفة جديدة للسلوك الحضاري متمثلاً بدور المعلم الذي تسعى إلى تحريره من براثن العقلانية الفنية، وتحوله من مجرد وسيط أو ناقل للمعرفة إلى (مشروع فيلسوف) مهمته دفع طلابه إلى إثارة التساؤلات حول المعرفة وليس مجرد اكتسابها، وتشجيعهم على تكوين رؤية جديدة للعالم من حولهم في صيرورته وتغيره يستند إلى التفكيك وليس التحليل فقط.

ولعل أولى المداخل لتعزيز السلوك الحضاري المرتبط بما بعد الحداثة هو النظر إلى التدريس باعتباره مهنة من خلال ( الإعداد أو التمهيد، والتكوين الثقافي والاجتماعي، والتدريب) ومن ثم النظر إليه على أنه علماً على أساس أنه قد أصبح من الممكن دراسة ما يتعلمه الطلاب المعلمون قبل وأثناء الخدمة دراسة علمية وموضوعية ورصد التصورات الميثولوجية عن التدريس والتي تكونت لدى الطلاب بطريقة لا شعورية ووجدانية.( kirk, 1996: 158)

فالمعلم الناجح في إطار الحداثة هو المعلم الفعال الذي تتحدد فعاليته بمستوى أدائه في مختلف المواقف التي يتطلبها عمله، وهو من هذا المنظور يجب أن يكون قادراً على توجيه السلوك الحضاري وفرز البدائل واختيار ما يجعل تدريسه ناجحاً، حيث تتحدد فعالية المعلم في ضوء أربعة معايير، محفزة على السلوك الحضاري ، وهي :-

-الكفايات التدريسية التي يمكنها بما تتضمنه من مهارات وسلوك يؤثر على نواتج العملية التعليمة ، والتربوية.

-أنماط اتخاذ القرار على المدى القريب والبعيد.

-أنماط تفكيره ومدى توافقها مع نظريات التعلم والتعليم.

-قدرته على المواءمة بين أهداف التعليم واحتياجات الطلبة من جهة ، وبين متطلبات السلوك الحضاري من جهة أخرى ( clargen, 1994: 203)

ولما كانت إحدى الطرق التي توصف بها ما بعد الحداثة هي أنها نزعة من الشك حول المرجعيات والحكم القديمة والمعايير الثقافية والسياسية التي تضرب بجذورها في أعماق تراث الفكر. تأتي المدرسة متأثرة بذلك من خلال : ( نصار، 2008: 124)

إشكالية الفكر الشمولي/ فهي ترفض كل النظريات الشمولية والماركسية والهجيلية وغيرها  التي تقوم على المبادئ السببية ، وتضع قرارات وحلولاً عالمية شاملة لمصير البشرية من خلال السلوك الحضاري المتمدن.

إشكالية ثقافة الآخر / حيث ترفض التعالي على ثقافة الجماهير والتفريق بين الثقافة الرفيعة والثقافة الهابطة باعتبار أن الأولى ثقافة النخبة والثانية ثقافة الجماهير المتأثرة بثقافة النقل الإلكتروني.
إشكالية اللغة والتمثيل / حيث يركزون على التعامل مع الأنماط الثقافية والاجتماعية مثل الأعمال الأدبية والأفلام والدراسات النقدية والكتب باعتبارها نصوصاً أو شكلاً للخطاب يجب تحليلها لإيجاد صلة بين تأويل هذه النصوص وبين المؤسسات والممارسات الاجتماعية التي أنجبتها.

وعلى هذا الأساس اعتبر أنصار  ما بعد الحداثة أن التدبر والتفكر والتأويل والنقد هي المفاتيح الأساسية لدور المعلم وسلوكه الحضاري، على اعتبار أن التعليم التدبري يقوم على :-

-التعليم التدبري نوع من أنواع الخطاب بمعنى أنه يوحي بالكثير من المعاني التي يمكن في ضوئها إنتاج رؤية جديدة للأحداث.

-الخبرة والتجربة هي التي تمنح التعليم التدبري القدرة على العمل، فتدبرنا لأمر ما يعني خبرتنا بكل العناصر المكونة له.

-التعلم التدبري يعني إعادة النظر مرة أخرى في القيم  والممارسات التي نظن أنها أصبحت من المسلمات.

-ينبغي فهم التعلم التدبري على أنه الموقف بحثي شامل ، يعتمد أحياناً على الأدوات كوسيلة للوصول إلى رؤية حضارية جديدة.

-أن التعلم التدبري لا يتم إلا بواسطة أفراد يمكن وصفهم أنهم مفكرون نقديون، يمتلكون اللغة ، والحجج، والمهارات.(sim, 1998: 221)

ولعل انعكاس التدبر على سلوك المعلم الحضاري والذي ينعكس بدوره على سلوك التربية من خلال اتجاهين :-

– التدبر أثناء الفعل Reflection in action  ويتعلق بالوقت الذي يتم فيه التدبر فهو يشير إلى أنه يحدث أثناء الممارسة التعليمية.

– تدبر الفعل Reflection on action وهو يعبر عن النتيجة المرغوبة ، فنحن لا نمارس التدبر من أجل العودة إلى الماضي أو الوراء وإنما لنصبح على وعي بالعمليات المعرفية.

اعتمادا على كل ماسبق يرى (نصار ,2005) أن الإعداد التأملي للمعلم من حيث برامجه , يتضمن العناصر التالية : ( نصار, 2005: 132)

1. المداخل التدبرية /حيث تركز البرامج على طرق نقد الخبرات الميدانية , وحلقات المناقشة ومقررات طرق التدريس والأصول الاجتماعية.

2. المهارات والاتجاهات/  حيث تسعى إلى الربط بين بعض المهارات المتضمنة في البحث داخل الصف , والفعل التطبيقي بما في ذلك الكفايات التدريسية والاتجاهات الخاصة بالتفتح العقلي وتحمل المسئولية والأخلاق في العمل.

3.نموذج العمل / يركز البرنامج هنا على نموذج العمل الذي يقوم فيه الطلاب المعلمون نتيجة عادات النقد والبحث والتقصي كي يكونوا قادرين على تقويم ومراجعة ممارساتهم بشكل تدبري.

4. المنهج التكاملي / وهنا يمكن استخدام المقررات البينية التي من شأنها أن تزيد من دافعية الطلاب وتمكنهم كمتعلمين من مواجهة المشكلات التي يتم تجاهلها على مستوى المقررات المنفصلة, ويتم هنا أيضا التكامل بين المناهج التربوية والبحث وآراء الطلاب وانطباعاتهم, وهذا المنهج يعد ثمرة علاقات فكرية وحوار متبادل.

وهنا عنصران في برامج إعداد المعلم المتأمل أو المتدبر لابد من التوقف أمامها , يمثلان جوهر العملية التأملية ويستندان إلى مبدأ أساسي من مبادئ المدرسة النقدية في حركة مابعد الحداثة وهو وجود علاقة جدلية بين النظرية والتطبيق , وان العملية التعليمية لاتسير بطريقة خطية من النظرية إلى التطبيق , بل ينحصر دور النظرية في كونها نقطة انطلاق نحو تعميق وعي الطالب المعلم بظاهرة التربية عموما.

وهذان العنصران هما :

1.بحوث الفعل / التي تسعى إلى وضع الحلول الممكنة للمشكلات والقضايا المباشرة التي يواجهها المعلمون يوميا خلال حياتهم العملية , وهي من المنظور النقدي يقوم على مايقوله الناس وذلك من اجل فهم المشكلة الاجتماعية ومن اجل إقناع الآخرين بالمساعدة في حلها.    

2.الخبرة الميدانية /وهي إما أن تعزز أو تعدل مفهوم الدراسة والمنهج عند الطالب / المعلم, وهي أساس الاعتماد المهني للمعلم , لان التجربة والخبرة تمثلان مصدر المعرفة.

المحور الثالث / الرؤية المغايرة لملامح التربية على السلوك الحضاري

1.حق الاختلاف وقبول التعددية :-

لا معنى لتحرير أي عقل من غير الاعتراف الأولي والبديهي بحتمية الاختلاف الناتج عن حرية بقية العقول، فعدالة توزيع العقول لا تعني الوصول إلى النتائج نفسها بالضرورة ولا تعني التطابق في الغايات، فالعقول تتباين بما تخزنه من معلومات وخبرات، وما تبنى عليه من مبادئ ومناهج، فاختلافها حتمي، حتى في حالات التكافؤ على نفس المستوى المعرفي أو المستوى المنهجي ، لذلك تبقى نسبية المعرفة الإنسانية قرينة اختلافها.( عصفور، 2008: 92)

2- تنشيط الذاكرة الثقافية :

ما أكثر ضحايا الزمن والذاكرة الثقافية الجمعية، سواء في انتقائيتها، أو تقلباتها  ما بين أقصى درجات الإهمال والنسيان وأقصى درجات التذكر والعناية.

وما بين الأولى والثانية، تضيع النظرة الموضوعية إلى الماضي في ذاكرة الأجيال اللاحقة ، وتتزايد ثغرات ذاكرة الأمة، وذلك ما يؤدي إلى آثار سلبية.

ولا أعتقد أن تقدم السلوك الحضاري لن يأتي بآثاره الإيجابية بتغيير النظام التعليمي، والسياسات العقيمة للمؤسسات الثقافية والإعلامية الميالة إلى التخلف بالقدر الذي يجب أن يحدث التغيير الجذري في طبيعة الخطاب وقتل القديمة فهماً، والتعمق النقدي في كل جوانبه.

3-التحويل في سياق التوجيه لتعزيز القيم، حسب متطلبات العصر، وذلك بمساعدة المعلمين حسب التالي:

قيم تقليديةقيم عصرية حسب التغيرات
القيام بالأشياء الخارجة عن المألوفالقيام بالأشياء التي يعملها معظم الناس (التناغم الاجتماعي) بعيدا عن المسايرة.
أن يكون له آراء متشددة في الدين والسياسة.المحاولة في الاتفاق مع الآخرين في آرائهم ( الحوار وقبول الآخر)
التفكير في أن يحرز مركزا أعلى مما أحرزه غيري.التفكير في الاستمتاع بمسرات الحياة أكثر من غيري.
الشعور بأنه يجب أن يتحمل الألم أمر هام له في المستقبل.الشعور بأن السعادة  أهم بكثير من أمور حياتية أخرى.
الشعور أن من واجبه أن يقتصد أكبر قدر ممكن من المال.الشعور بأن الاقتصاد حسن ولكن لا يصل إلى حد حرمان النفس من متع الحياة حسب الإمكانيات.
الشعور بأنه من المهم جدا أن يعيش للمستقبل.الشعور بان اليوم هام وأن يعيش كل يوم إلى أقصى حد ممكن.
الشعور بأنه ينبغي أن يكون له معتقدات قوية عما هو صواب وما هو خطأ.الشعور بان الصواب والخطأ كلمات نسبية.
الشعور بأن العمل هام والترويح غير هام.الشعور بان الانصراف كلية إلى العمل دون ترويح يجعل الشخص غبيا.
الاستعداد للتضحية بنفسه من اجل عالم أفضل.9- ينبغي أن يعمل على تكوين أكبر عدد من العلاقات الاجتماعية.

التوصيات:

في نهاية هذه الورقة يوصي الباحث بما يلي:

1.تنمية الوعي الحسي لدى المعلمين، وتدريبهم على أساليب التدبر، خلال فترة الإعداد والتدريب. وذلك بالممارسة والتطبيق من خلال المدرسة لتعزيز السلوك الحضاري.

2.إعادة النظر في لائحة كلية التربية والقوانين المنظمة لها، بما يوضح معالم الإعداد الثقافي للطلاب وأهدافه والبرامج التي تحققه، بفنون السلوك المتمدن.

3.ضرورة حرص المعلم على حسن التعامل مع الآخرين، وتحليّه بمكارم الأخلاق التي تعينه على تقبّل الآخرين على اختلاف طبائعهم وسلوكهم وتوجهاتهم وقناعاتهم ومواقعهم ومستوياتهم، وذلك بأن يكون رفيقاً، حليماً، متسامحاً، رحيماً، متواضعاً، عادلاً، ودوداً ومحباً للناس، كريماً، مؤثراً للآخرين على نفسه، وذلك لإيجاد مجتمع يقوم على المحبة والمودة والإخاء والتعاون والتسامح. 

4.ضرورة الاهتمام بمعطيات الفكر التربوي الإسلامي فيما يتعلق بالسلوك الحضاري، خلال فترة الدراسة للطالب المعلم والاستفادة منها في إصلاح الواقع التربوي.

5.تضمين المناهج المدرسية مباحث توعية تتعلق بالعلاقات وفنون التعامل والاتيكيت.

قائمة المراجع:

1.تركماني، عبد الله (2004). أسس الحداثة ومعوقاتها في العالم العربي المعاصر، ورقة عمل مقدمة إلى منتدى المركز الثقافي العربي، 6-9/سبتمبر، دمشق

2.الشيخ، محمد والطائري، ياسر (1996). مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، دار الطليعة، بيروت.

3.عصفور، جابر (2008). نحو ثقافة مغايرة، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

4.فريري، باولو (2009). التعليم من أجل الوعي الناقد، ترجمة: حامد عمار، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة.

5.القحطاني، سالم (2003). القيادة الإدارية – التحول نحو النموذج القيادي العالمي، دار المريخ، الرياض.

6.مارشال، برندا (2010). تعليم ما بعد الحداثة – النظرية والمتخيل، ترجمة: السيد إمام، المركز القومي للترجمة، القاهرة.

7.نصار، سامي (2008). قضايا تربوية في عصر العولمة وما بعد الحداثة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.

  1. Caine, R. (1997). Education on the Edge of Possibility. Alexandria (VA): ASCD.
  2. Carlgren, I. (1994). Teachers minds and actions: research on teachers thinking and practice, London, The Flamer press.
  3. Doll, W. (1993).A Post-Modern Perspectives on Curriculum. New York: teachers College Press.
  4.  Kirk, D.(1996). Beyond the limits of theoretical discourse in teacher education , Towards  a critical pedagogy , Teaching and Education ,2.(2).
  5. Leistyana, p. (1999):Presence of Mind: Education and the politics of Deception. Westview Press.
  6. Sim, Stuart( 1998): The  Rout ledge Companion to postmodernism , Rout ledge ,  London.
    _____________
    *د.محمود عبد المجيد عساف.

جديدنا