عدوس السرى؛ إبراهيم الكوني يروي سيرته مفتونًا بالبعد المفقود

(1)

إن أنس لا أنس ذلك المساء وأني للعابر المطارد أن ينسى ! ذلك المساءالبعيد السادر في الزمن اليكسومي. الذي أخنى عليه راسبوتين كما أخنى على أهل  المنكب البرزخي. في طريقي إلى فينيسيا الغبار غاوة البعيدة.البعيدة. قادما من بامكو.  يوم سلكت درب الستة أيام في الصحراء. وكانت الريح بوصلتي  نحو درب النهر. في الخلاء وراء سيكو. على مشارف التخلي عن السوي وأصحاب الوقت اليكسوميين الذين ودعتهم وبودي لو لم أودعهم.أهيل المنكب البرزخي. من استودعتهم السر وأتمنتهم عليه. يوم جاهرت بوحدانية الله وأعلنت الحرب على كهنة الصحراء.

وقد أنكرتني الصحراء. تمثلت عبارة جلال الدين الرومي نور الله ضريحه وقدس روحه “لا بد من مهلة كي يصير الدم حليبا صافيا “.وتحملت وزر الأسرى  وكنت مزهوا بعرش عذاب الموحدين. آنست نار الليل القروي وتسامرت وشيخو. تنفست الصعداء وحمدت الله فقد تركت ورائي السامري يذرو رماد عجله في المحيط الأطلسي.

كان يومي الثالث في الصحراء. كانت تقلنا حافلة صفراء قديمة متهالكة..كانت تتهادى  على طريق رملي وعر. تحفه  الجبال من كل الجهات.وكان الغبار الأحمر الكثيف يحجب الأفق ويتسلل في كل مكان فتمتلأ به  الحافلة.

الطريق  خلاء موحش لايقطع صمته سوى أحد البدو الرعاة سائلا عن الماء أو مترقبا خائفا من العابرين.. شعرت بالخوف.

في تلك الصحراء التي تعج بالمتحاربين  من إسلاميين وثوار ازواديين  وقطاع طرق. ساحة معركة  كنا نجوبها وكنا في مرمى النيران .وكلما أوقفنا جنود القوات الأممية رأيت الخوف في أعين القوم.

كان معي في الحافلة أهل السري. قبل  الغروب أوقفنا طفل حافي القدمين  كان يتبع إبلا وكانت ملامح وجهه تنطق  بالبؤس والشقاء، بدا وكأنه خائفا كان يتلعثم  مشيرا بيده.يطلب ماءً.

ها هي الصحراء. ها هو عدوس السري إبراهيم الكوني بقبعته. يهش بعصاه على المدى  يتمتم بسره .كأنه  يسر  لي بأمره الذي أسر به لخلانه الفصول.ابراهيم الكوني في طريق غاوة يجوب عقلي وروحي ويبوح لي ويريني حزن أهل السري.عدوس السري.

أخي في الملة.الذي سعدت بمعرفته يوم التقيته أول مرة في سبها أيام التسعينات. في حي الجديدة وسكرة حيث كان يرتاد حي الجديدة كما يقول في سيرته. وتشاء الأقدار لما قدمت إلى سبها أن أقيم في سكرة غير بعيد عن حي الجديدة  الذي كان معظم قاطنيه من الموريتانين والطوارق. ومن  أحدى  المكتبات في سبها اقتنيت لأول مرة رواية الكوني السحرة . تعرفت على الكوني نصا وروحا وطيفا.وإن لم التق بشخصه.

وها هي الأقدار تجمعنا مرة أخرى.تجمع بين عدوس السري وعابر ليل المجاباة الكبرى.عديس الأسرار.ها هو إبراهيم الكوني يرنو إلى الخلاء ويمسكني من يمناي ويمضي بي في الغيهب. 

ها هي الصحراء وطن الرؤى السماوية /الملاذ/  المنأى/ المنفي.فهل  تضمني إلى قلبها.هل تكون ملاذا  لهذا المطارد دون جريرة. .هل يأمن هذا العابر مكر الخلاء وتدعه الأقدار يمضي في طريقه إلى الجزائر البيضاء. وهل تدع له الخمسين أورو الباقية من زاده القليل .خمسين أورو فقط ليعبر بها إلى العالم ما وراء البحر.

الطريق الطويل والشاق الذي  يسلكه العابر إلى غاوة يترك انطباعا لكل من مر به أن الكثير من البلدان الأفريقية ومنها دولة مالي الشقيقة تزرع من حيث لا تدري أسباب الفتن بإهمالها لبعض أراضيها.حيث تفتقد الحياة لأبسط مقوماتها.

حيث ينعدم الماء في بعض مناطق مالي ويلجأ الناس إلى حفر الآبار دون تدخل من الدولة. زيادة على انعدام المدارس والمستشفيات والكهرباء وسوء أحوال الطرق والتي هي في معظمها مهملة مليئة بالحفر والتشققات ومعظمها متآكل خصوصا الطريق الذي يربط العاصمة بغاوة. 

هذا بالإضافة إلى   تهميش وإقصاء بعض مكونات الشعب من الحياة السياسية. وتتناسى هذه الدول أنها أنشأت بئة وأوجدت أرضا خصبة للإرهاب والتطرف والثورة في ظل عدم تساوي فئات المجتمع في  حقوقهم في التعليم والصحة والأمن والعمل والحياة الكريمة.الكثير من معاناة الأزواديين عربا وطوارق  وراء مأساة الماليين والحرب الدائرة منذ عقود في البلاد.

وهي حالة تشبه كثيرا حالات دول مجاورة في تهميش بعض المناطق والقوميات في داخل الوطن الواحد . لذلك ليس غريبا على كاتب مبدع في حساسية ورقة العدوس وهو يرى حال أهله أهل  السري أن يتألم ويصوغ بيانه “روح أمم في نزيف ذاكرة ” مختوما بنداءات الروح.  

(2)

في سيرته عدوس السري (1)  التي دبجها في أربعة أجزاء مجموع صفحاتها   2082 صفحة  وعنونها بعنوانين رئيسيين عدوس السري وفرعي روح أمم في نزيف ذاكرة . يتحدث  ابراهيم الكوني  عن سيرته وسيرة أهله.

في الجزء الأول تحدث عن طفولته وأيام الواحة التي نشأ فيها  ودراسته في سبها وسفره إلى روسيا ودراسته في معهد غوركي للآداب. وعمله في الصحافة وفي الأجزاء الأخرى يعرض لأيام عمله في السفارة وأحاديث عن أصدقائه ومعاركه مع النظام السياسي وآلام المنفى الذي عاش فيه عقودا من الزمن وأعماله الأدبية عبر مساراته  الطويلة  والحافلة بالصعوبات والتحديات منذ أخذه سحر الحرف  إلى  أن أصبح كاتبا مشهورا.

في المحافل العربية والغربية وحصد الجوائز الكثيرة وكرم في أكثر من مناسبة، وترجمت أعماله إلى مختلف اللغات العالمية  ولا يغفل العدوس عن تقديم قراءة واعية لأدبه (مشفوعة باستشهادات أدبية بديعة ومحاورات لأعمال إبداعية عالمية بشكل رائع، يدل على موهبة وعبقرية العدوس ).

وطرح عميق للجذور والمنطلقات التي شيد عليها فكره ورؤيته الأدبية منذ نصوصه الأولى إلى أن صار كاتبا مشهورا عربيا ودوليا  وهو في سيرته لا ينتظم في خيط سردي متسلسل زمنيا  من البداية. وإنما يمضي  أحيانا  هنا وهناك في تداعيات  يحاول من خلالها أن يمسك معني التجربة التي عاشها لأن المبدع كما يرى :

 “لا يكتب واقعا  حرفيا وإنما يكتب ظل هذا الواقع “(2) خلال رحلة العدوس العظيمة بين صحراء الحمادة  الليبية  وأنهار روسيا البيضاء .ينقل لنا ابراهيم الكوني كما يكتب دائما في نصوصه روح العالم الذي فتنه وشغفه حبا. روح الصحراء التي يسميها: وطن الله، وطن التكوين.

 في كل أعماله  ظل الكوني  وفيا لصحرائه ولا نغالي إذا قلنا إنه  قد أبدع إبداعا منقطع النظير في هذا الجنس الأدبي  وتفرد به بين كل أدباء العالم.ذلك أنه في كل ما كتب ظل  يكتب الصحراء. واذا كان الكاتب كما يرى الكاتب الكبير  واسيني الأعرج في “شهوة الحبر وفتنة الورق “لا يكتب حياته دفعة واحدة وإنما قطرة قطرة..فإن الكوني تصدق عليه هذه العبارة الجميلة.فهو في  كل متونه ظل  يكتب الصحراء ذرة ذرة.

 لا يسرد العدوس  كل تفاصيل حياته  وإنما ينتقي منها أو هكذا بدا لنا ذلك  .فهو لا يخوض   كثيرا في طفولته وانما يكتفي بصور منها في الواحة. يوم تاه في البرية ولا يأتي  على حياته العاطفية كثيرا .كما هو الحال عند الكثير من كتاب السير المولعين بهذا الجانب. وفي  حديثه عن الأهل “أسرته ” لا يفصح كثيرا ولا تبدو من كلماته تلك الحميمية الوجدانية وذلك الشعور النرجسي  الذي ينتاب المرء عندما يتحدث عن  أسلافه. لا يتحدث كثيرا عن أمه وإخوته. يخبرنا عن علاقته بأخيه فنايت الذي كان له شقيقا وصديقا وعن علاقته بوالده وكيف كان رمزا في حياته وحزنه لفقده.الكثير من التفاصيل فيما يتعلق بمحيط الكوني  القريب “أهله “لايخبرنا عنها ولايفصح عنها. ربما لانها ليست ضرورية أو ربما لايرغب في البوح بها او رغبة منه في الإستسرار الذي يطغى على الكتاب في سيرهم. بشكل أو بآخر من أجل إضفاء هالة غامضة على أيامهم.  لكي تبقى أقواس الاستثناء مفتوحة.   أو ربما كما فعل مالرو في مذكراته فهو :” لايريد أن يفصح عن تسلسل أطوار حياته وإنما يريد أن يكشف النقاب عن عدد من القيم التي قامت عليها هذه الحياة “(3)وهو في سيرته  يحقق عبارة مارتيال التي تقول

“إن المرء ليعيش مرتين حين يتمتع بماضيه “(4)

تماما كما  في كل السير التي قرأت في  حياتي لأحمد أمين وسبعون  لميخائيل نعيمة و طفولتي  لغوركي  والشاهد المشهود لوليد سيف والمنقذ من الضلال للغزالي وحفريات في الذاكرة من بعيد للفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري.

مثل هؤلاء يعيش العدوس ماضيه لكنه يعيشه  بألم وتلذذ  ويمارس تأويل ماضيه وتفكيكه بشكل يريد إعادة صياغة الحياة  لتتداخل السيرة مع الرواية وهو ما يؤكده في شهادته  حيث يقول :(الرواية هي الحياة فإذا كنا نشعر كبارا أو صغارا بالرغبة الملحة في الكتابة وإن كانت مجرد كتابة مذكرات فذلك يكون لأن الكتابة تمثل الرغبة اللاواعية في إعادة صياغة الحياة  التي هي أصلا لا واقعية خيالية نوعا من العدم.حينما نبلغ مرحلة ما في حياتنا. نحن ندرك فجأة أن كل ما عشناه كان نوعا من اللاواقع ونحن نواجه هذا الشعور العدمي الذي عشناه من خلال الكتابة (5).

في سيرة العدوس كما في جل نصوصه يطرح الكوني رؤيته التي بني عليها مشروعه الأدبي منذ بواكيره الأولى وهي ضرورة أن يتسلح المبدع برؤية فلسفية تكون منطلقا له في هذا العالم. 

 يقول الكوني في هذا السياق :

(سوف لن نبالغ إذا قلنا إن رؤية الكاتب العربي في العمل الفني ظلت مكبلة بشروط الواقع الاجتماعي والسياسي والدليل على ذلك هو هذاالإضطهاد المستمر لـ”السر الفني ” أو الرؤية الملحمية الخاصة الذي   تقوم به الأيديولوجية السياسية أو النظرة الإجتماعية التاريخية المحضة للأشياء. فإذا كان التراث الأدبي الإسلامي الصوفي يلقننا اليوم درسا قاسيا بتقديمه لتلك النماذج الشعرية الرفيعة كماهو الحال عند المعري رغم طغيان النزعة الصوفية على الروح الفلسفية فإن أدبنا  اليوم يعاني انتكاسة واضحة في مجال عمق النظرة للأشياء وللواقع والوجود”(6).

لذا يصبح عند العدوس من الضروري الهروب من خطر الأيديولوجيا إلى مكان أكثر رحابة، حيث  يجد المبدع ضالته ويستطيع أن يتخيل و يفكر  ويتحرك .ويتمتع بحريته إنه عالم الميثولوجيا الذي هو عالم مفتوح شاسع لا تحده حدود. يبني الكوني رسالته ومشروعه الأدبي على أهمية هذا البعد الأسطوري كخطاب وفكر وشعر ونص وسيرة وجغرافيا وروح.

لذلك فإن العنوان الفرعي “روح أمم في نزيف ذاكرة ” يعتبر هو الرسالة والمدار الذي حوله كتب الكوني إبداعه وقدم رؤيته للعالم من خلاله.

ليس في سيرة العدوس كما رواها صاحبها (على الأقل) أحداثا عاصفة إلى الحد الذي يمكن اعتبارها سيرة استثنائية وهو نفسه يقول إن حياته عادية من هذه الناحية..

لذلك نستطيع أن  نقول  إن العدوس راهن في هذه السيرة الطويلة والمليئة بالكفاح والترحال والسهر ونزيف الروح والحرف  على شيئين كما في كل كتاباته.أن يقدم رسالته عبر أدبه رؤيته للعالم. يقدم ثقافة الصحراء /الطارقية ويدافع عنها.عن  وجوده  /عن هويته التي يكتبها في كل سطر بنرجسية جميلة.كونية بلاضفاف 

تسافر في عوالم تخييلية لا يستطيع  أبدا أن ينافسه فيها منافس..لأنه لا أحد يملك سر الحرف. مثل  العدوس وأهل ملته أهل السري.

قد لا نتفق مع ابراهيم الكوني  في آرائه السياسية والفكرية،  لكننا لا نملك إلا أن نصغي له بإعجاب وإكبار وهو يتلو صحفه في لغة جميلة وخيال أنيق وروح مسكونة بالبحث عن المعني وتلك  ميزة العدوس التي  يحق له ان يعتد بها وأن يفاخر.كما يحق له أن يفخر أنه  في متونه وأسفاره وفي نزيف ذاكرته قدم  روح  أمته التي ينتمي إليها.

قدم أدبا تجاوز حدود وطنه إلى آفاق عالمية وما إلى ذلك، إلا لأن العدوس ابراهيم الكوني يحمل بداخله رسالة كبرى ذات ملامح انسانية كبري ويهجس أدبه بآفاق رحبة تعول دائما على مخاطبة الإنسان والتوق للحرية والولع بالبعد المفقود.الذي هو مطلب كل الخليقة والذي هو بمثابة الفتوحات التي على الإنسان  أن يبحث من خلالها عن معنى الحياة على أكثر من معطى. يتجلى هذا البعد في الوجود والذات والكينونة والحرية والسعادة والأدب والفلسفة والأسطورة والوطن والمنفى والزمان الضائع والمكان الذي يسكننا.

 وهو بهذه الرسالة يتشاطر مع ابن عربي في فهم الوجود عبر البعد المفقود حيث يغدو الوجود وعي بما يفتقده الوجود، وسعي لتكميل هذا الوجود.

هوامش :

1.عدوس السري :روح أمم في نزيف ذاكرة /ابراهيم الكوني /أربعة أجزاء.صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.بيروت /ط أولي 2014

2.المشاء : إبراهيم الكوني /وثائقي من انتاج الجزيرة عن ابراهيم الكوني بث يوم /11 / 08 /2015في جزئين وهو مؤرشف على اليوتيوب.

3.السيرة الذاتية /جورج ماي. ترجمة /محمد القاضي وعبد الله صولة /دار رؤية للنشر. القاهرة.ط. أولى.2017.ص 116

4. نفسه.ص. 82

5. ابراهيم الكوني : خطاب الصحراء/ضمن :شعرية المكان في الأدب العربي الحديث/بطرس حلاق.روبن أوستل.شتيفن فيلد ترجمة نهي أبوسديرة.عمار عبد اللطيف./المركز القومي للترجمة.القاهرة.مصر.عدد2228.ط.أولى 2014ص 122

6. مشكلة الرؤية الفلسفية في الأدب العربي المعاصر/ابراهيم الكوني /الآداب.العدد 10/الصادر بتاريخ 1/اكتوبر /1977.ص.85.

_______
*الأستاذ حمود ولد سليمان-“غيم الصحراء”.

جديدنا