في مسألة “الفرقة الناجية”

ربّما يشكِّل سؤال النجاة قلقًا بيّنًا ومستمرًّا لدى المؤمنين بالحياة ما بعد الموت، خصوصًا عندما يأتي مقرونًا بالشعور بالخطيئة وافتراض الهلاك كاحتمال أوّل لمصير الإنسان. ويغذِّي الفهم التقليدي للدين ودوره المتصوّر كوضفةٍ ناجزة للخلاص الجماعي، هذا الشعور منتجًا الحاجة إلى التصنيف والشمول والاقتصاد.

وبشكلٍ طبيعي تتّخذ هذه التصنيفات أسماء وتوضع لها الحدود والضوابط التي تمنح بناءً عليها صكوك الغفران والقبول أو توجّه نذر الطرد واللعن.

فمن أين ينبع هذا القلق؟ وهل الفهم التقليدي للدين هو فعلًا السبب الأساس؟ أم ثمّة عوامل أخرى سايكولوجيَّة وغيرها تلعب دورًا في تأجيجه؟

وهل يحتاج الإنسان فعلًا- كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن- إلى هذا القلق وهذا الخوف كي يستقيم سلوكه على الأرض؟ وما هي التبعات السلبيّة التي تترتّب على هذا القلق في علاقة الإنسان بنفسه؟ بحياته على الأرض؟ وبعلاقته مع محيطه؟

ثمّة مسألتان هنا: الأولى قلق النجاة باعتباره سؤالًا فرديًّا، والثانية ما ينتجه هذا القلق من أنماط للتصنيف ما يحوّله بالتالي إلى مسألة جماعيَّة.

وما يلفت النظر ويدعو للتوقّف هو كيف أن قلقًا غير مؤكّد المنشأ (قلق النجاة) ينتج فرضيَّة (وجود مواصفات نهائيّة وناجزة للنجاة) تتحوّل إلى مسلّمة، ثم تمضي هذه الفرضيّة بشكلٍ طبيعي تبحث عمّا يدعمها من نصوصٍ (دينيّة) حتى وإن اعتمدت حيلة الانتقائيّة. 

نرى ذلك جليًّا في أدبيّات الديانات المختلفة والطوائف والمذاهب، كل يفترض أنّه الأقرب إلى ضفّة النجاة وأنّ الآخر أقرب إلى الضلال.

ولا أستحضر هنا وصفًا أدقّ من الآية القرآنيّة التي تصف هذا المنحى الإنساني بوضوحٍ كامل: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) البقرة 113.

يفهم من هذه الآية الكريمة أنّ البشر- بشكلٍ عام- يميلون إلى التصنيف وإلى الإقصاء باعتماد المعتقدات الدينيَّة مدخلًا، بينما يقول القرآن إنّ الموقف السليم من الأمر هو ترك الحكم في ذلك لله سبحانه وتعالى، وبوضوح شديد يحيل الله جلّ وعلا الأمر إلى يوم القيامة وبذلك يرفع عن الإنسان عبء مهمّة تصنيف البشر والحكم على صحّة معتقداتهم. ويقدِّم سياق هذه الآية من الآيات السابقة واللاحقة خطابًا تسامحيًّا (بالمعنى الثقافي الحديث) لا تخطئه البصيرة. انظر سورة البقرة الآيات من 111-120.

من جهةٍ أخرى، يحرِّض القرآن الكريم في خطابه النقدي لأهل الكتب السماويّة التي سبقته، على الابتعاد عن احتكار الدين وكلمات الله ودعاوى النجاة ويحمِّل المؤمن به مسؤوليّة جمع النّاس على كلمةٍ سواء منبّهًا إلى طبائع البشر وميولهم إلى التعصّب والاستعلاء والتفرّق.

غير أنّ الخطاب القرآني في نفس الوقت يحتفي بالتلوّن والتنوّع والاختلاف ويكرّسها كسنن للحياة على الأرض.

الأمر الذي يفنّد فرضيّة (الفرقة الناجية الوحيدة) بالمعنى الإقصائي المغلق ويحيل إلى المسؤوليَّة الفرديّة في مسار الإنسان نحو الله سبحانه وتعالى باعتبار هذا المسار صيرورة مستمرَّة تخضع لحَكَم واحد هو القادر على “تزكية الأنفس” بينما تترك للإنسان مهمّة الحكم على ما يعرفه، ويراه، ويصنعه لتنظيم حياته على الأرض.

_______

*الراصد التنويري- العدد (7)- شتاء 2010.

جديدنا