الأصول النفسيَّة للمدينة الإسلاميَّة

يبدأ عبد الصمد الديالي كتابه المعنون “المدينة الإسلاميَّة- الأصوليَّة والإرهاب” الصادر عن دار الساقي في بيروت، بلغةٍ حافظت على خيطٍ مشدود بين الأدب والعلم والتحليل، مستشهدًا بالشعر وكتب التراث وأخبار التاريخ، بل ربطها بما يحدث في العالم المعاصر، وصولًا إلى الإحصاء وعلم الاجتماع الحديث. يتناول عالم الاجتماع المغربي في عمله الأصول النفسيَّة للأصوليَّة. هكذا، يبدأ من تكوّن المدن الإسلاميَّة الأولى، وينتقل إلى تحليل دلالات الشكل العمراني وارتباطها بالجنسانيَّة، باحثًا في اللغة كتعبير سوسيولوجي. فالمدينة اسم مؤنّث تحوطه ذكوريَّة السور التي تهدّدها جلافة البادية والقبيلة من الخارج.

هذه الأفكار تقود للحديث عن ارتباط نشوء المدينة العربيَّة بظهور الإسلام الذي استخدمها كرحم ينقله من فراغ البادية إلى العمران، حسبما يشير الديالي في هذه المقاربة الجنسيَّة، وإن كان ظهور الإسلام قد خطّط كي تحلّ الهويَّة الإسلاميَّة محل القبليَّة عبر التخلّص من البادية، فقد مارست القبيلة مقاومة تحمي بها وجودها. من هنا، أوجدت المدن العربيَّة عشائريّتها من الداخل، فاتّخذت كل عشيرة حيًّا تعيش فيه وتتّخذ في بنائه شكلًا انطوائيًّا يحفظها من الاختراق. وأوّل صور الاختراق هي الزواج بغريب. هكذا، منعت القبيلة المرأة من اختيار الشريك بذريعة الحرص على العرض. فيما كان الوجه الآخر للمنع هو الخوف من تبدّد ثروة القبيلة لمصلحة غرباء؛ فاضطرت المدينة إلى أن تفتن استهلاك المرأة العربيَّة ساحته.

لهذه الأسباب وغيرها، بدأ الرجل يحمّل المرأة مسؤوليَّة الخراب الذي يحدث، فهي موضع الإغراء والفتنة، وهي أيضًا التي تضطهده بحضورها السافر في المدينة. من هنا، جاءت ضرورة الحجب ومنها الحجاب، الذي تواطأت معه المرأة أيضا. يقول الديالمي”العجز الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يعانيه المسلم المقهور، ويمنعه من التحكّم في النساء، يقوده إلى التشبّث بإسلام يحفظ له امتيازاته الذكوريَّة بغض النظر عن أوضاعه الماديَّة المزرية، ويحفظ له حقّه”.

كما يربط الديالمي استخدام “العنف الرمزي” بالجماعات الأصوليَّة التي توظّفه لإحكام سيطرتها، عبر “تكفير المواطن” تبريرًا لممارسة العنف المادّي ضدّ الآخر ومحاربة حرّيَّة المعتقد. وكمثال على العنف الرمزي، يتناول الباحث الكتب التي تدعمها أموال النفط لتعميم الفكر الاصولي وأسلمة الدول تبعًا لهذا الفكر، لا بل صبغ الإسلام نفسه وفقًا لهذا النموذج.

جديدنا