إسلام المجدّدين

يعرض الكتاب رؤية حداثيَّة لدى مفكّرين إسلاميّين يحاولون توظيف منتجات الحداثة والتقدُّم والمناهج العلميَّة المعاصرة في فهم النصوص والتجارب الإسلاميَّة وتطبيقها.

فإسلام المجدّدين وفق رؤية المؤلّف محمد حمزة هو محصّلة التفاعل بين الإسلام والفلسفات والمكتسبات العلميَّة والمنهجيَّة التي حقّقتها الحضارة الإنسانيَّة، أو هو الخطاب الإسلامي في بيئة من الحداثة القائمة اليوم.

ويقول المؤلّف إنَّ الحداثة تتميَّز على المستوى المعرفي بتطوير طرق وأساليب جديدة في المعرفة، قوامها الانتقال التدريجي من “المعرفة التأمّليَّة” إلى “المعرفة التقنيَّة”، التي تعتمد على العقل بمعناه الرياضي، وتسعى إلى السيطرة الداخليَّة والخارجيَّة على الإنسان والطبيعة، هكذا صارت العقلانيَّة إحدى مرتكزات الحداثة، حتى أصبح الكون كلّه صورة للعقل.

ويلاحظ المؤلّف أنَّ توظيف العلوم والمناهج الغربيَّة في دراسة الظاهرة الدينيَّة أدَّى إلى مواجهة فكريَّة ونشوء تيّار جديد من المفكّرين والمصلحين ينتمون إلى واقع ثقافي واجتماعي وسياسي جديد يحاول إعادة فهم الإسلام، وهو ما يمكن وصفه بإسلام المجدّدين.

فإسلام المجدّدين- كما يقول المؤلّف- يسعى إلى تقديم خطاب بعيد كل البعد عن الرقابة الذاتيَّة، فهو خطاب يبشِّر بموات القيم السائدة التقليديَّة، وبالرغم من أنّ هذا التيّار لا يمثِّل الأغلبيَّة وربما لا يعبر عن الانسجام والتوافق مع العقائد السائدة، لكنّه يعكس التعبير عن الوضع القلق لدى العديد من الفئات الاجتماعيَّة التي غادرها الاطمئنان، والتي لم تعد راضية عن أنماط التدين التقليدي، وعن الحلول التقليديَّة التي يوفّرها لهم علماء الدين.

ويقترح محمد الطالبي المنهج المقاصدي لقراءة النصّ الديني، وجوهر هذا المنهج الاعتماد على التحليل الاتّجاهي للنصّ، ويستشهد الكاتب هنا بالمنهج التاريخي والمقاربي للباحث عبد المجيد الشرفي، الذي يجمع بين النظر التاريخي الصارم، وأخلاقيَّة قوامها المسؤوليَّة العلميَّة.

وينادي الشرفي بصياغة نظرة علميَّة للتراث التي قوامها الأخذ بعين الاعتبار تغيّر وضعيَّة الدين، الذي أصبح خاضعاً للتفسير واستقلَّت عنه العلوم، مثلما تخلَّت المؤسّسات المجتمعيَّة عن تبريراته، ثم إخضاع الفكر الديني لقوانين عامَّة يمكن أن تشترك فيها مختلف الديانات، وخاصَّة الديانات التوحيديَّة.

وأهمّ خصائص هذا المنهج الذي يقترحه الشرفي أنه ينهض على بلورة قراءة تأويليَّة حديثة تتجاوز منهج الانتقاء، أو التقيّد بالقراءة التفسيريَّة التقليديَّة التي لم تعد تفي بمقتضيات البحث والشروط المنهجيَّة، ويستفيد الشرفي من الدرس المقارن الذي لا يفاضل بين التأويلات التي تمّ القضاء عليها بقوّة السيف والسلطان لا بقوّة الحجّة في أحيان كثيرة.

أمّا فيما يتعلَّق بالتعامل مع النصّ القرآني فتنهض منهجيَّة الشرفي على قراءة النصّ في كليته بعيدا عن ضروب الإسقاط والانتقائيَّة، واعتماد القراءة المقاصديَّة للنصّ وتجاوز الرؤية الحرفيَّة له.

أمّا محمد أركون فيسعى إلى نقد العقل الإسلامي بوضع التجربة الثيولوجيَّة في الإسلام على محكّ النقد التاريخي الصادم عبر النظر في التركيبات الثيولوجيَّة في الإسلام بكل أنواعها من تفسير وحديث وعلم كلام وفقه باعتبارها نتاجا بشريّا يحقّ للدارس نقدها وتفكيكها وتجاوزها.

ويدعو إلى الانخراط الواعي والمسؤول في حداثة فكريَّة حقيقيَّة، مثلما يرصد العوائق الحائلة دونها، وأهمّها فيما يتّصل بالفكر الإسلامي هيمنة المعجم الاعتقادي القديم، وغلبة الخطاب اللاهوتي التقليدي الذي يعمل على تأييد مبدأ الثبات والاستمراريَّة والتجانس.

فيدعو أركون إلى “العقل المنبثق حديثا” الذي يعتمد فكرة التنازع بين التأويلات بدلا من الدفاع عن فكرة واحدة في التأويل، ومن شروط هذا العقل ألا يتورّط في بناء منظومة معرفيَّة تؤصِّل للحقيقة، لأن نتاجات هذا العقل ستنقلب بدورها إلى سياج دوغمائي مغلق.

ويتبنَّى أركون النقد المنفتح على آخر مكتسبات علوم الإنسان والمجتمع، ويطبّق القراءة الحيَّة والمتحرّكة لأنّها قراءة تشكّل ما هو بديهي، وتزحزح المفاهيم التقليديَّة من مواقعها لتفكيكها من النسق الذي ركبت عليه في الوعي الإسلامي.

فخو يحاول أن يخضعها باستمرار للتحدّيات التي تطرح على التاريخ المقارن للأديان، ويقترح أركون إعادة النظر في العلوم الإسلاميَّة التي شكّلت منهجا وسبيلا إلى فهم النصّ القرآني ومن بينها علم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب النزول وغيرهما، التي تكشف برأيه عن التلاعبات الخطيرة التي يقوم بها العلماء.

______
*المصدر: من عرض مفصَّل للكتاب لإبراهيم غرايبة عن موقع الجزيرة نشر في العام 2008.

 

 

جديدنا