كيف نتخلَّص من نوبة الغضب؟

 

تعريف الغضب

الغضب شعور طبيعي يمنح للإنسان قوة في طلب الانتصار لنفسه أو لغيره، ويكون مقبولا إذا كان لمحارم الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يغضب لنفسه، وما كان ينتصر لها، بل كان غضبه لله عز وجل حينما تنتهك حرماته، ويكون فعلا سيئا إذا لم يستطع الإنسان إلجام نفسه وضبطها، وساقته إلى تجاوز حقوق غيره طالبا للانتقام.

وقد عرّفه الإمام الغزالي بأنه: «غليان دم القلب بطلب الانتقام[1]»، وبما يقارب هذا المعنى عرّفه الجرجاني قائلا: «الغضب تغيّر يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفّي للصدر[2]». فهذه التعريفات تجعل في الغضب ردّة للفعل وإرادة الانتقام.

وهذه المعاني وغيرها ممّا ذكر في تعريف الغضب يعبّر عنها بشكل دقيق حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« ألا وإنَّ الغضب حمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه[3]».

وعرّفه عالم النفس الدكتور محمد بني يوسف بقوله: «هو شعور قوي بعدم الرّضا موجّه نحو شخص ما، أو شيء ما يؤدِّي إلى تسبّب الأذى أو الانزعاج للشخص المعني أو إلى شخص يهمّه الأمر بهدف الحماية من التعرّض لمثل هذه الحالة في المستقبل[4]».

ويمكن القول إنَّ الغضب تفاعل نفسي سيء له أسباب عديدة مبرَّرة وغير مبرَّرة، ولكن الضرر واحد يلحقه الإنسان بنفسه ويعتدي عليها فيعرّضها للخطر الشديد على المستوى النفسي والجسدي قبل أن يلحق الضرر بالغير.

 

يمكن القول إنَّ الغضب تفاعل نفسي سيء له أسباب عديدة مبرَّرة وغير مبرَّرة، ولكن الضرر واحد يلحقه الإنسان بنفسه ويعتدي عليها فيعرّضها للخطر الشديد على المستوى النفسي والجسدي قبل أن يلحق الضرر بالغير.

 

الآثار السلبيَّة للغضب على النفس والجسد  

يجب على المسلم أن يرحم نفسه ويحافظ على صحّته النفسيَّة والجسديَّة من كل ما يعرِّضها للتلف أو الضرر، إذ يوصي الأطباء بحفظ الجهاز المناعي للإنسان بالابتعاد عن الغضب، فخمس دقائق من الغضب كافية لتخفيض جهازنا المناعي لمدَّة ست ساعات، فالجهاز المناعي يمنعنا ويحمينا من كل الأمراض، وبتدميره نحطِّم صحّتنا من حيث لا نشعر.

كما أن جسم الإنسان أثناء الانفعال يفرز مادة الكورتيزون (cortisone)، وهذه المادة تحدث زيادة سريعة في ضغط الدم ومعدّل ضربات القلب والتنفّس لتسريع ونقل الأوكسجين والمواد الغذائيَّة للعضلات والجوارح، فيرتفع الضغط الدّموي وتتقلّص الشرايين وتعطي نسبة قويَّة للأطراف، فالإنسان قد يفعل أي شيء أثناء الغضب مثل الضرب والشتم واستعمال القوة، فلا يستطيع أن يسيطر على سلوكه لاسيما إن كان اعتاد على عدم التحكّم في مشاعره، كما تحدث الإصابة بعدم انتظام ضربات القلب.

وقد حذَّر علماء الطب الألمان من أن الغضب يشكِّل خطراً على القلب، مشيرين إلى أن أكثر الذين أصيبوا بأمراض في القلب كان ” الغضب ” أحد أسبابه الرئيسيَّة.

كما أعلن الأطباء في مؤتمر عقدوه يوم الثلاثاء 16-4-2002م في برلين أنَّ أكثر الذين توفُّوا بجلطة قلبيَّة كان ” الغضب ” أحد أسباب الوفاة الرئيسيَّة، إذ أن الغضب يعمل على تقوية سرعة القلب بحيث تخرج عن السيطرة[5].

كما أنه أثناء الغضب والانفعال يتدفَّق كم كثير من الأفكار السلبيَّة إلى المخ في مدَّة تقل عن ثانيَّة، لذلك قال الله تعالى: )وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ( (سورة الأعراف الآية 154).

أي لما سكن عنه الغضب، فهناك كلام نفسي داخلي سلبي يجعل نسبة الضغط والتوتُّر عالية جدا قد يرمي الإنسان أي شيء يمسكه في يده بدون شعور وإدراك.

كما يسبِّب تكرار الغضب حدوث تصلُّب في العضلات وانتفاخ الأوداج وآلام في الرقبة أو الكتف أو الظهر، مع صداع الغضب، وحدوث الفزع والقلق الدائم والتوتُّر مع فقد القدرة على النوم وقلَّة التركيز مما يؤدِّي لخوار قوَّة البدن وسقوطه فريسة للإنهاك.

والأحاسيس أيضا تتضاعف بفعل التوتّر والغضب ويصبح الغاضب أكثر حساسيَّة للضوضاء كأجراس الهاتف والباب وأكثر حساسيَّة للمس وللضوء والروائح مما قد يجعله في حالة متزايدة من الإثارة ويزيد من حجم المشاكل[6].

 

يسبِّب تكرار الغضب حدوث تصلُّب في العضلات وانتفاخ الأوداج وآلام في الرقبة أو الكتف أو الظهر، مع صداع الغضب، وحدوث الفزع والقلق الدائم والتوتُّر مع فقد القدرة على النوم وقلَّة التركيز مما يؤدِّي لخوار قوَّة البدن وسقوطه فريسة للإنهاك.

 كيف نتحكَّم في انفعالاتنا قبل الوقوع في الغضب

إنّ كلّ ما يقوم به الإنسان ويفعله يوميّا يؤثِّر في أفكاره وأحاسيسه ومشاعره، فلو استطاع الإنسان أن يتحكّم في حديث النفس الذي يسمّيه علماء التنمية البشريَّة بالأفكار السلبيَّة لاستطاع أن يغيّرها إلى إيجابيَّة وهذا الأمر أشار إليه ربنا عزّ وجل عندما أمرنا بالتعوذ من الوسواس قال تعالى:) …مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( (سورة الناس 4-5) فالكلام الخفي المستتر أثناء الغضب إذا لم يتحكَّم فيه الإنسان قاده إلى ما لا يحمد عقباه.

وإذا نظرنا إلى الأفكار التي تتداول في ذهن الإنسان لحظة الغضب نجدها تحمل همّ الانتقام وتبدأ بالأمر، (لازم أن أفعل كذا) أو (واجب فعل كذا)، أو غير ذلك، ولكي نحدّ من نوبة الغضب ينبغي أن نغيّر تفكيرنا في هذه الكلمات السلبيَّة ونعدلّها بكلمات إيجابيَّة مثل (حبذا لو فعلت معه كذا، أو من الأفضل فعل كذا لكانت النتيجة طيِّبة وتغيَّرت أحاسيسنا.

مشاعرنا ساعة الغضب

ما هي المشاعر التي نحملها أثناء الغضب؟ إذا نظرنا إلى جواب هذا الأمر نجد كلها مشاعر سلبيَّة مثل، القلق، والتوتر، والحزن، والرغبة في الانتقام، وكلها تجعل الإنسان فاقدا للصّبر متصرّفا خارج السياق الإنساني، لذلك وجّهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ممارسات قيِّمة تجعل المسلم يتحكَّم في انفعالاته ويمسك بزمامها قبل الوقوع في الغضب، أو أثنائه، ونجمل القول حول التغلُّب على الانفعال السلبي أو السيطرة عليه لا بدّ من التحلّي بقيمة الصبر فالمؤمن يتولَّد لديه تحكّم ذاتي يمنعه من الغضب قبل الوقوع فيه، فالصبر خير معين للمسلم إذا ورد ما يقلقه من أخيه المسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهانا عن الغضب مهما تعدَّدت أسبابه فعن أبي هريرة رضي الله« أنَّ رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم، أوصني فقال: “لا تغضب” فردَّد مراراً :لا تغضب» “[7] .

ونقل ابن حجر – رحمه الله – عن بعضهم قال: تفكّرت فيما قال – أي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تغضب) – فإذا الغضب يجمع الشرّ كله[8].

نعم، يمكن للإنسان أن يفعل جميع الأشياء التي لا تخطر على باله ساعة الغضب، لذلك نصح علماء الطبّ النفسي الأشخاص الذين يتعرَّضون إلى نوبات الغضب بتمارين خاصَّة تؤدِّي إلى نتائج مذهلة، هذه التمارين تسبِّب استرخاء في الذهن يؤدِّي إلى انطفاء نار الغضب وإخماد الثورة العصبيَّة، منها أن يعدّ الشخص من 1ـ 2ـ 3 .. وحتى 30 قبل أن ينطق بأي حرف”.

وللتحكّم في الغضب لابدّ من تغيير نمط التّفكير فهناك قيم إيجابيَّة كالتسامح، والعفو، والحلم، والمغفرة، واحتساب الأجر عند الله، يقول الله تعالى: )وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(  (الشورى 42).

فهذه القيم الإيجابيَّة تجعل الإنسان في راحة نفسيَّة وعيش طيِّب يسوده الاطمئنان وهدوء البال وتمنحه السّلامة النفسيَّة والجسديَّة، فالمسلم القوي هو من يملك نفسه عند الغضب، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  »ليس الشديد بالصرعة إنّما الشّديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [9].

ودعانا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوضوء، عند الغضب لأن الوضوء يطفئه؛ قال صلى الله عليه وسلم «إِنّ الْغضب مِنْ الشَّيطان وإنّ الشَّيطان خُلِقَ من النَّار وإِنّما تُطْفأ النَار بالماء فإذا غضِب أحدُكم فليتوَضّأ»[10]، كما دعانا عليه السلام إلى التحرّك وتغيير المكان،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع»[11] .

 

للتحكّم في الغضب لابدّ من تغيير نمط التّفكير فهناك قيم إيجابيَّة كالتسامح، والعفو، والحلم، والمغفرة، واحتساب الأجر عند الله.

__________________

 إحياء علوم الدين, الإمام الغزالي (3/224)[1]

[2]  التعريفات للجرجاني (209)

 أخرجه الترمذي في سننه رقم (2191) وقال حديث حسن صحيح [3]

[4]  سيكولوجية الدافعية والانفعالات لمحمد بني يوسف (247).

[5]  موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة, مقال إلكتروني بعنوان “الهدي النبوي في منع وعلاج الغصب سبق طبي وإعجاز علمي,للدكتور كارم سيد غانم.

[6]  موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة, مقال إلكتروني بعنوان “الهدي النبوي في منع وعلاج الغصب سبق طبي وإعجاز علمي,للدكتور كارم سيد غانم.

[7]  رواه البخاري وأحمد والترمذي .

[8]  فتح الباري (10/ 536 ح 6116)

[9]  رواه البخاري ومسلم.

[10]  مسند الإمام أحمد (29/505).

[11]  مسند الإمام أحمد (5/152).

جديدنا