دور الأديان في ترسيخ السلام العالمي

لا بد لنا كمدخل للحديث عن دور الأديان في السلام العالمي من معرفة أهمّيَّة تحقيق حلم الأم والسلام في الأرض، مهمَّة كبرى بهذا الحجم تستدعي التعامل معها بمزيد من التنظير العلمي الموضوعي، ومن ثمّ التنفيذ الواقعي الذي يستبعد التحرّكات الانفعاليَّة السطحيَّة أو الخطاب الادّعائي، ونحن نعلم أنّ الدين أو القضايا الدينيَّة تُعدّ جزءا لا يتجزّأ من مشكلات عالمنا المعاصر، بل تعدّ في كثير من الأحيان بمثابة الخلفيَّة لغيرها من المشكلات، لما للدين من تأثير عميق في نفوس الناس، هكذا كان الحال في السابق ولا يزال على ذلك حتى اليوم، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعدّدة سأتحدّث عنها في حينها.

يعزو الشبستري العنف الديني أوّلا إلى النزعة الحضاريَّة وعدم الاعتراف بالتعدّديَّة، مضافاً إلى عدم الاعتراف بحقوق البشر، إنَّ الاعتقاد بوجود حقائق أبديَّة في الدين والسياسة والعالم، وأنّ جماعة واحدة فقط هي التي تعرف هذه الحقائق فالعنف سيكون وسيلة في الحياة الاجتماعيَّة، كما يرى أنَّ عدم وجود نظرة نقديَّة من الأمور الموجبة للعنف.

عندما نريد الحديث عن الصراعات الناتجة عن مواقف دينيَّة فهذا لا يعني أنّ أصل الدين وحقيقته يدعو إلى الصراع، بل على العكس منذ لك فإنّ المفاهيم التي تؤخذ عن كل دين هي التي تعكس الانحراف في الفهم المؤدّي إلى أفعال لا تمتّ بأي صلة للدين، فالفهم الصحيح لكل ديانة على حدة ينبغي أن يكون من داخل النصوص المبلورة لمنطقها ولمواقفها. وبالتالي حين أتحدّث عن الأديان ودورها في الصراع والحرب فإني أقصد أتباع هؤلاء الديانات ولا أقصد الديانات بعينها.

إنَّ محاولة معالجة موضوع دور الأديان في السلام العالمي يستدعي منّا طرح مجموعة أسئلة تكون إشكالات حقيقيَّة- فيما أرى- تؤطِّر موضوعنا هذا، وليس بالضرورة الإجابة عنها بقدر ما نريد منها فتح نقاش جادّ نخلص من خلاله إلى آليّات للتنفيذ الواقعي المستبعد للانفعالات السطحيَّة كما أشرت إلى ذلك سابقا.

هل للأديان دور في السلام العالمي، هل للديانات وجه مزدوج.. بمعنى هل جاءت الأديان من أجل الحرب أم جاءت من أجل السلام، هل يمكن الحديث عن سلام عالمي دون الحديث عن سلام ديني، هل يمكن الحديث  عن سلام عالمي دون الحديث عن سلام ديني، هل يمكن الحديث عن سلام ديني دون الحديث عن حوار ديني بين الأديان، إلى أي حدّ يمكننا الحديث عن مشترك عالمي، أغلا تعطي نظريَّة “الإنسان” حقّ الحكم على الأديان التي تستند إلى البعد الإلهي، وبالتالي نحكم على الأديان وتديّنها بموقع البعد الإنساني داخل منظومتنا الدينيَّة، أفليس من الممكن إذا انطلقنا جميعا من الإنسانيَّة المشتركة بين كل البشر أن نصوغ مقياسا أخلاقيّا عالميّا يرتكز على الإنسان، الإنسان الحقيقي، أي على كرامة الإنسان والقيم الإنسانيَّة الناتجة عنها؟

ولعلّ السؤال الجوهري في بحثنا في المقاييس الأخلاقيَّة المشتركة العالميَّة يصاغ على النحو التالي: ما هو الأمر الجيِّد للإنسان؟

أولا: لا سلام عالمي من دون سلام ديني

  1. الوجه المزدوج للأديان

إنَّ الديانات تركت وما برحت تترك تأثيرات سلبيَّة مدمّرة لا تقاس، كما تركت معارك كثيرة وصراعات دمويَّة، وحروبا دينيَّة- عددا من الصراعات الاقتصاديَّة والسياسيَّة والعسكريَّة من جهة فصبغتها أو أوحت بها أو شرّعتها.

لقد حصلت مذابح وحروب كثيرة في الشرق الأوسط بين الموارنة المسيحيّين والسنّة والشيعة المسلمين، بين السوريّين والفلسطينيّين والدروز والإسرائيليّين، كما بين الهندوس والسيخ في الهند، بين البوذيّين والنظام الكاثوليكي في فيتنام، وبين الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشماليَّة، فإذا كان لهذه المذابح والحروب طابع تعصّبي دامٍ يستعصي على الوصف فلكونها تستند إلى جذور دينيَّة.

وعندما نريد الحديث عن الأديان من أجل السلام، فالثابت عبر آلاف السنين أنّ الأديان كانت تلك المذاهب التي يبنى عليها أساس كل الأخلاق. فالسؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن ما سبب الصراع القائم بين الأديان؟

2- مسألة الحقيقة

يرجع هانس كينغ سبب الصراع بين الأديان إلى مفهوم الحقيقة، إذ ما من مسألة من تاريخ الأديان أراقت دماءً ودموعاً مثل مسألة الحقيقة، فالتعصّب الأعمى للحقيقة قد جرح وقتل دون رادع في كل الأوقات، إزاء هذا الوضع، تجابه حركة التقارب والسلام بين الأديان والسؤال الأساسي التالي: هل من الممكن على الصعيد الديني أن نلتزم طريقا دينيّا يساعد أتباع أحد الديانات على أن يقبلوا حقيقة الآخر دون أن يضحّوا بحقيقتهم وبهويّتهم؟ فعلينا أن نقرّ بأنّ لا سلام بين الأديان من دون توضيح الحقيقة وبالتالي ما هو الموقف الأساسي الذي ينبغي أن يسلكه أتباع الأديان لمعالجة مسألة الحقيقة حتى يسهموا في إبراز معنى السلام العالمي؟

يتجلّى الشرط الجوهري بحسب ما يبدو لي صحيحا على النحو التالي:

انتهاج نقد ذاتي لكل ديانة من خلال نظرة نقديَّة لتاريخ نقائص الديانات وأخطائها، فمن غير الممكن أن ننتقد موقف الآخر انتقادا مسؤولا إن لم نتبيّن بعزم النقد الذاتي كقاعدة وبالتالي تصبح مسألة امتلاك الحقيقة مسألة نسبيَّة يمكن أن تتجاوز إلى البحث عن القواسم المشتركة في المجال الأخلاقي، لذا يجب أن نعمل على كل الأصعدة استناداً إلى المصادر من أجل إبراز ما يوجد الديانات الكبرى.

3- البعد الإنساني الحقيقي كمقياس عالمي

لقد بات واضحا أنّ التطوّرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والبيئويَّة المفجعة في النصف الأوّل والنصف الثاني من هذا القرن كافية لتبعث فينا، ولو بطريقة سلبيَّة على الأقل، ضرورة أخلاق عالميَّة من أجل استمراريَّة الإنسانيَّة على هذه الأرض. بيد أنّ تشخيص الانحطاط لا يساعدنا إلا قليلا. وكل تقنية اجتماعيَّة براغماتيَّة من دون أساس قيم أخلاقيَّة. فمن دون أخلاق، ومن دون قواعد أخلاقيَّة تلزم الجميع، ومن دون “مقاييس شاملة” تتعرّض الأمم للخطر بسبب تفاقم المشاكل. وقد تغرق هذه الأمم في أزمات على مدى عقود طويلة ربّما تقودها في آخر المطاف إلى الانهيار القومي، أي إلى الدمار الاقتصادي والانحلال الاجتماعي والكارثة السياسيَّة.

بمعنى آخر ينبغي أن نفكِّر بالأخلاق وبتوجّه الإنسان الأخلاقي. فنحن بحاجة إلى الأخلاق وإلى التعاليم الفلسفيَّة والدينيَّة المتعلّقة بالقيم الأخلاقيَّة التي ستوجّه قراراتنا وأعمالنا. وعلينا أن نجد في الأزمة فرصة لا بل جواباً على – التحدّي- فعلينا أن نبذل قصارى جهدنا كي نعثر على ردٍّ إيجابي على سؤال الأخلاق العالميَّة.

ليس الأمل مستحيلا، كما حاولت أن أبيّن ذلك في إطار ضرورة أخلاق عالميَّة، بل أن نبلغ في ما يتعلّق بمسألة مقاييس الأخلاق، توافقاً أوّليّاً بين جماعات الديانات الكبرى في شأن المسلّمات الأساسيَّة لحياة البشر الفرديَّة والجماعيَّة، على الرغم من كل المصاعب، فهل من الممكن أن تتّفق الديانات كلّها، على الأقل في المقياس الأساسي: كل ما يساعد الإنسان على عيش إنسانيّته عيشاً إنسانيّاً هو صالح؟

بمعنى أنّه كلّما كانت ديانة ما تخدم الإنسانيَّة، وكلّما كانت تسهم في ترقية البشر من خلال تعليمها الإيماني والأخلاقي، من خلال طقوسها ومؤسّساتها، من خلال تركيز هويّتهم ومعنى حياتهم وقيمهم الإنسانيَّة، تكون ديانة مزيّفة وسيّئة.

ويمكننا أن نعبّر عن ذلك بطريقةٍ أخرى: ما هو إنساني، حقّاً إنساني، أي جدير بالإنسان، يمكنه أن يستند إلى بعد إلهي، وبالمقابل، كل ما هو لا إنساني لا يمكنه أن يستند إلى بعد “إلهي” ويبرز السؤال التالي من جديد: هل تعطي هذه النظريَّة “البعد الإنساني” حقّ الحكم على الديانات التي تستند إلى البعد الإلهي؟

ثانيا: لا سلام ديني من دون حوار ديني

  1. القدرة على الحوار تعني القدرة على السلام.

أصبحت قضيَّة الحوار في عالمنا المعاصر قضيَّة ملحّة على جميع المستويات، فنحن نعيش في عصرٍ تشابكت فيه المصالح وتعقّدت فيه المشاكل على نحوٍ لم يسبق له مثيل. وأصبح البحث عن الحلول لهذه المشاكل عن طريق الحوار أمراً ضروريّاً وقد يكون محليّاً أو إقليميّاً أو عالميّاً حسب طبيعة المشاكل المثارة، وعلى جميع الأصعدة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة وغيرها، ومن هنا يمكن القول إنَّ الحوار قد أصبح ضرورة من ضرورات العصر للتغلّب على مشكلات الواقعيَّة في عالمنا. وتُعدّ القضايا الدينيَّة جزءاً لا يتجزّأ من المشكلات لما للدين من تأثير عميق في نفوس الناس. ومن ذلك يتّضح لنا أنّ الحوار الديني لا يمكن عزله عن ألوان الحوارات الأخرى، لأنّه يتشابك معها بشكلٍ أو بآخر تشابكاً ظاهراً أو خفيّاً أردنا أم لم نرد.

إنَّ القدرة على الحوار في آخر الأمر فضيلة الاستعداد للسلام. من هذا القبيل هي فضيلة إنسانيَّة في العمق لأنّها تعي تاريخ فشلها. ففي كلّ مرَّة يتوقّف الحوار، تستعر الحرب في الحياة الفرديَّة كما في الحياة العلنيَّة. فما أن تفشل المحادثات حتى يتدخّل القمع ويفرض قانون الأقوى والأكثر حنكة.

هكذا نجد أنّ أي حوار يراد له النجاح لا يجوز أن تكون غايته العمل على إلغاء الآخر أو استبعاده أو التقليل من شأنه أو الادّعاء باحتكار الحقّ من دونه، ويمكن القول إنَّ الحوار الديني بالمعنى الحقيقي لهذا المفهوم لا بد أن ينطلق من الاحترام المتبادل ومن نظرة إنسانيَّة شاملة تقوم على احترام الكرامة الإنسانيَّة ووحدة الجنس البشري وانتفاء الأنانيَّة والفهم المتبادل بمعنى التسلّم بحقّ كل طرف في أن يكون مفهوماً من الطرف الآخر دون أي لون من ألوان التشويه والتزييف.

لقد ارتسم أمامنا عند بداية هذا العرض حتّى آخره، فضاء عالمي جديد يتخطّى الاستعمار والإمبرياليَّة والحداثة، أي عالم متعدِّد المحاور يطمح إلى عالم جديد يتخطّى الثقافات والديانات يأخذ فيه الحوار بين ديانات العالم وزناً جديداً، فعالم ما بعد الحداثة يحتاج أكثر من أي يوم مضى من أجل الحفاظ على سلامة إلى تفاهم ديني شامل، إذ ليس من الممكن أن نبلغ في آخر المطاف تفاهماً سياسيّاً، ومن دون هذا التفاهم فكلمة الساعة هي: أن نبدأ الآن التفاهم الديني الشامل وأن نعمل بقوّة من أجل التفاهم بين الديانات على المستويات المحلّيَّة- الإقليميَّة- القوميّة والدوليَّة، وأن نبدأ الحوار مع كل الفرقاء ومع كل المستويات. لذلك أوّد أن ألخّص في ثلاث عبارات أساسيَّة البرنامج الذي قاد البحث والذي ينمّ عن مطلبٍ واحد: لا سلام إنساني من دون أخلاق عالميَّة بين الأمم، لا سلام بين الأمم من دون سلام بين الأديان، لا سلام بين الأديان من دون حوار بينها.

جديدنا