الإسلامُ كائنٌ حضاريّ، لا يمكنهُ العيش في العزلة

*كيف يُقدِّمُ فيلسوف بحجم الدكتور وجيه قانصو، نفسه، إلى قُرّاء مجلَّة التنويري؟

– بدايةً، أنا لا أُعرِّفُ نفسي فيلسوفا، إنَّما قد أكون في طريق التفلسف؛ لأنَّ التفلسف هو المسار الطبيعي الذي يجب أن يمضي فيه الإنسان المنشغل في مجال الفلسفة، ثمَّ أثناء ممارسته للتفلسف، قد تتبلور في ذهنه رؤى مختلفة تدفع التفكير إلى الأمام.

يُعرَّف الفيلسوف، في فرنسا، بأنَّهُ المنشغل بأمور الفلسفة. ضمن هذا التعريف قد أقبل توصيفك أعلاه، كدائرة اختصاص أو نشاط، لا أكثر.

أنا أُعرِّفُ نفسي في المجال العربي، بأنَّني إنسانٌ منهمك في الأسئلةِ الفكريَّة الجدّيَّة التي تتحدَّى وجودنا وحياتنا وانتظاماتنا العامة سواء أكان على المستوى السياسي أو المجتمعي، لتصل إلى عمقِ الأمور وهو المعنى. فالقضيَّة ليست في أن نعيش فقط، وإنّما ماذا يعني أن نعيش؛ ما هو نمط الحياة التي نحياها أو نتطلع إليها.

أنا معنيٌّ بالقضايا الكلّيَّة التي تستلُّ مداها من المجال العربي، بمكوّناته المتعدِّدة. الإسلام يُشكِّلُ عندي هذا الفضاء التُراثي من جهة، والحضاري من جهةٍ أُخرى، والمخزون الذي نتلقّاه لكنَّنا، إلى الآن، مرتبكون في طريقةِ تلقِّيه والتعامل معهُ وتقديمهِ إلى العالم، أو تقديمهِ إلى أنفسِنا في الزمنِ الذي نعيشُ فيه. إذن، أنا منشغل في المسائل الكلّيَّة المعنيّ بها كل إنسان عربي مهما كانت طبيعته الدينيَّة أو المذهبيَّة أو المناطقيَّة. صحيح أنَّ الواقع العربي هو دول متعدِّدة، لكنّني أعتقد أنَّ الأُفُقَ والفضاء والهموم والأسئلة التي نعاني منها تكادُ تكون متقاربة.

*في لقاءٍ سابق جمعنا، وأثناء تعريفنا بالرابطة، اقترحت علينا استخدام مصطلح “القراءة التنويريَّة للدين” عوضاً عن مصطلح “التنوير الديني”، فما هي “القراءة التنويريَّة للدين” من منظور الدكتور وجيه قانصو؟

–  لم أعترض على مصطلح “التنوير الديني” لجهة نفي وجود تنوير ديني؛ لكن التنوير الديني لا يأتي من نفسه بل هو ثمرة فهمٍ مُعيَّن، إذ عليكَ أن تُمارس نشاطاً فكريّاً ومعرفيّاً وسلوكيّاً (وجدانيّاً وروحانيّاً) يؤدِّي بكَ إلى فهمٍ مُعيَّن. لذا، قبل أن تصل إلى التنوير الديني، عليكَ أن تُمارس نشاطاً تنويريّاً داخل الدين، أو على الأقل، أن يكون هُناك جهدٌ يدفعك إلى أن تتدبَّر النصّ الديني وتتدبَّر التجربة الدينيَّة بطريقةٍ مختلفة.

لا يُمكِن أن أتحدَّثَ عن تنويرٍ ديني بالعُدّة القديمة المتداولة في فهم الإسلام. لا يُمكِن أن أتحدَّثَ عن تنويرٍ ديني وما زلتُ أستندُ إلى الفرضيَّات والبديهيَّات التي استندَت إليها المنظومة الإسلاميَّة ووصلت إلى ذروتها في بُناها المعرفيَّة والفكريَّة في القرن الخامس أو السادس الهجري، على سبيل المثال.

دعنا نتذكَّر حقيقة أنَّ التنوير هو مصطلح غربي، والتنوير في الغرب لم يأتِ ليقدِّم أجوبة، إنَّما جاء ليقدِّم مناهج. حتى أنَّ إيمانويل كانط، عندما سُئِلَ ما التنوير أجاب:” أن يكون لديك الجُرأة لتفكِّر وحدك”، مع أنَّ فلسفة إيمانويل، كانت فلسفة منهج تتعلق بشروط إمكان المعرفة ما جعله يتجاوز التفكير السابق في وضع الضابطة للتفكير الصحيح أو الخاطئ، الذي كان الشغل الشاغل للتفكير الحداثوي المبكر، الذي بدأ مع ديكارت ، حين انصب همه الفلسفي في تحديد الأوّليّات العقليَّة الصحيحة التي تجعل معرفتي صحيحة ومطابقة للواقع، وفي وضع المبادئ التي تجعل معرفتي بالطبيعة والواقع معرفة يقينيَّة. كان الهاجس، وقتها، إشكاليَّة الذات والموضوع (أن تكون معرفتي بالموضوع موجودة داخل الموضوع وليست من اختراعي أي كاشفة عنه. في حين جاء التفكير الكانطي ليقول إنَّ القضيَّة ليست الصواب والخطأ، بل هي قضيَّة ما الذي يجعل المعرفة ممكنة؛ متجاوزاً بذلك ثنائيَّة الذات والموضوع، ومنطلقا من دينامية وحركية ونشاط المعرفة نفسها، بوصفها نشاطاً يولد صوراً وأفاهيم عن الموضوعات الخارجية أو العالم. المشكلة، أنَّنا كثيرا ما نغرق في ذهنيَّة الصواب والخطأ، أو ننشغل بمعايير إصدار الأحكام، وننسى المنهجيَّات والأدوات التي تمكِّننا من قراءة وفهم ظاهرة.

الأمر نفسه ينطبق على قراءة النصوص الدينيَّة أيضا، حيث انتقلَ التفكير الحديث في النصوص الدينيَّة من تحديد القواعد التي تجعل القراءة صحيحة أو خاطئة، إلى كيف تحصل عمليَّة الفهم، وصار يُعبَّر عن عمليَّة الفهم بإنّها عمليَّة إبداع/ فن؛ أي أنَّها فعلُ خلقٍ وابتكار.  وعندما يكونُ الفهمُ فعلَ إبداعٍ وخلقٍ وابتكار، فإنَّه يؤشِّر على وجودِ نشاطٍ فاعلٍ متنوِّر يُمارسُ نشاطَهُ على النصِّ الديني، بحيث لا يَعُود المعنى من لوازم لفظ النص، إنَّما باتَ نِتاج عمليَّة الفهم التي تحصلُ نتيجةَ التفاعلِ بين القارئ والنص.  فيصبحُ القارئ أحد مكوّنات المعنى، أو مصادره.

 فلا مانع، إذن، من أن أصلَ إلى دينٍ تنويري، لكن لا بدّ، أن أمارسَ عليه نشاطاً تنويريّاً ليحصل التنوير، لأنَّه لا يحدث بشكلٍ تلقائي. ولا بدّ، أيضا، من ابتكار عُدَّة تُناسب النص، تمكن القارئ والمؤول من الخلق والابتكار، ولا تقيدا بفعل الكشف عن المعنى الموضوعي. فالكشف هو التفسير، بينما الفهم منطقة أبعد من التفسير. وهذا لا يعني بأنَّنا نستغني عن المعنى اللفظي للنص، لا بل، إنَّنا نخلقُ معانٍ دون أن نُسقِط المعنى اللفظي للنص. لكن، تظل هذه، مرحلة أولى من التعامل من النص، تتبعها مراحل تأخذنا إلى معنى المعنى، ومعنى معنى المعنى، أو إلى ما وراء المعنى.

الإشكال برأيي، لا يتعلَّق بحقيقة وجود إسلام تنويري، بل بوجود نشاط تنويري للنصّ، يحصل فيه إسلام تنويري أو وعي تنويري؛ فالوعي أو الفهم هو مُحصِّلة لنشاطٍ يسبقه. هذا النشاط لا بدّ أن يقوم على قاعدةٍ إبداعيَّة، لذلك، أنا أميلُ إلى تعريف التنوير ليس فقط أن “يكون لديك الجرأة أن تُفكِّر وحدك” كما قال إيمانويل كانط، إنَّما أن يكون لديك العُدَّة الفكريَّة والقدرة الذاتية التي تجعلُ فهمكَ فهماً خلّاقا، مُبدِعا، فنَّانا.
المرحلة التنويريَّة تحصل عندما يصِلُ الفهمُ إلى مرحلةِ الخلق والإبداع، وليس مجرَّد الكشف عن شيءٍ كامِن مُخبّأ، وهذا ما يجعل من المرحلة الأولى، مرحلة نشاط تنويري من الممكن أن تولِّدَ لك، في مرحلةٍ لاحقة، فهماً تنويريّاً أو وعياً تنويريّا.

*ضمن سؤال المنهج، كنتَ من المنادينَ بالانتقال في الفلسفة من كانط إلى الكانطيَّة، ومن هيغل إلى الهيغليَّة. فما هي المنهجيَّة التي تقترحها على فلسفة الدين لقراءة النصِّ الديني بأدواتٍ معاصرة؟  وهل النصّ ثابت والفهم مُتغيِّر، أم أنَّ الفهمَ ثابتٌ والنصّ مُتغيِّر؟

أعتقدُ بأنَّ علينا التحلِّي بالشجاعةِ والاشتغال على النصّ معرفيّا. إذ أنَّ السلطة السياسيَّة لَم تَكُن غائبةً عَن تدوينِ النصوصِ أو تشكُّلِ المذاهب، بدليل أنَّ المذهبَ الشيعي، مثلا، وصلَ ذروتَهُ وازدهارَهُ عندما استلمَ البويهيّون السلطة وتبنّوا المذهب الإمامي، كذلك الأمر فيما يتعلَّق بالعقيدةِ القادريَّة، فقد أعلنتها السلطة المتمثِّلة بالخليفة. حيثُ تُحدِّدُ السلطةُ العقيدةَ التي تنسجمُ مع مفهومِ الطاعة؛ لأنَّ أساس العلاقة-تاريخيّا- بين الحاكمِ والمحكوم هو الانصياع والطاعة، والبديل هو الفوضى.


أمّا فيما يتعلَّق بمشكلة السنة النبويَّة ومصدرها الصحاح، لا بدّ من فتح ورشة للبحث في ثبوت النصّ، لأنَّه يحتاج إلى شغلٍ معرفيّ، في حين أنَّ المدرسة التقليديَّة أغلقت هذا الملف على أساس أن المعايير هي الضبط في الرواي ووثاقته، والعقيدة القويمة. علماً أنّ معالم العقيدة القويمة لم تتحدَّد خلال التجربة الدينيَّة، بل هي اجتهاد لاحق. وأن يُقال إنَّه حصل إجماع على العقيدة القويمة ما هو إلا إجماع سياسي لا تاريخي. إذ لا يمكن أن يتحصَّل إجماع داخل أُمَّة موزَّعة بأمصار ممتدَّة جغرافيّا على هذا النحو، وهناك الكثير من الفقهاء رفضوا فكرة حصر الإجماع بإجماع الفقهاء وعلى رأسهم الغزالي. وحتى لو قلنا بأنَّ معايير الثبوت هي القاعدة، كيف يمكنّنا أن نتحقَّق من وجودها على المستوى الموضوعي؟ وهذه مشكلة أخرى.

ومن جهةٍ أخرى، تبرز إشكاليَّة العلاقة بين السنَّة والقرآن، فالسياق التاريخي يُظهِر أنَّ السُنَّة أصبحت هي المرجعيَّة عوضاً عن القرآن؛ أي أنَّ وعيي كمسلم يتشكَّل في القرآن وفقاً للمرويّات عن السُنَّة. ضمن هذا النمط، يفقدُ النصّ القرآني قوّته الدلاليَّة الذاتيَّة؛ مع أنَّ القرآن نفسه، يصف نفسه بأنَّهُ (هُدىً، بيِّن، إلخ) ويُعطي لنفسَّهُ حيِّزَهُ الدلاليّ المُستقلّ، الذي لا يُمكِنُ أن يوجِّهَهُ مرجعٌ آخر. ونجد هذه الإشكاليَّة في كل المذاهب، فكما ذهب أهلُ السنَّة إلى أنَّها المرجعيَّة، ذهب الشيعة إلى أنَّ الإمام هو القرآن الناطق، والقرآن هو القرآن الصامت. ونحنُ هنا، أفقدنا النصّ الديني مقوّماته الذاتيَّة في الإدلاء بالمعنى، أو في أن يكون له قوَّة التواصل معك كمسلم، أو أن تدخل معهُ في اشتباك السؤال والجدل.

*إذا عرّفنا النصّ الديني بأنَّه القرآن الكريم، وما عدا ذلك هو موروث أو قراءة من قراءات هذا النصّ الديني، كيف لنا أن نشتبك، اليوم، مع النصّ القرآني في قراءةٍ تنويريَّة دون أن نسقط في الموروث؟

أولا، أنا لا أقول إنَّ النصَّ الديني هو القرآن الكريم فقط؛ وعندما أدعو إلى نقد المرويّات لا يعني أن أرفضها، بل إنني أنادي بمنهجيَّة مختلفة في شروطِ إثباتها وعدم إثباتها؛ لأنَّ علوم التعديل والتجريح قاصرة وبدائيَّة مقابل مناهج النقد التاريخي الحديث.

 أنا معنيّ بإعادة بناء التجربة النبويَّة التي حصل في داخلها الوحي، والتبليغ، والتفاعل مع اللاعبين المتعدِّدين داخل حركية المشهد النبوي. أنا معنيّ بإعادة مسرحة المشهد النبوي بكل لاعبيه، والقرآن هو الشاهد الأهم، لا بل إنّه الوثيقة الأساسيَّة التي تساعدني على إعادة بناء هذا المشهد. ولا بدّ أن يكون هذا البناء على قاعدةٍ تركيبيَّة لا جزئيَّة، فالعقل الإسلامي، حتى الآن، سواء في التفسير أو الفقه، عقل تجزيئي؛ أي أنَّهُ يأخذ الرواية الجزئيَّة ويُرتِّبُ عليها حكما. أنا أنادي بإعادة بناء المشهد لأنَّه سيساعدني على رؤية المضمون الإنساني للتجربةِ النبويَّة.


وعلى الجانب الآخر، عندما أتلقّى النصّ الديني في الزمن الحاضر، عليّ أن أفكِّر: ماذا يعني لي هذا الإسلام؟ ماذا يمكن أن يقدِّم لي؟ هذا هو السؤال الأساسي. وبما أنَّ هذه القراءة تحصلُ في الزمن الحاضر فهي تحتاجُ إلى عُدَّة تلقي مختلفة عن عدة الأزمنة السابقة.

في القراءة التاريخيَّة، هناك ما يسمَّى الأُفق التاريخي، وهو “الفضاء الذي تحصل بداخله عمليَّة التفكير أو عمليَّة قراءة النصّ”. الإنسان لا يمكن أن يخرج عن فضائه التاريخي، بالإضافة إلى أنَّ عمليَّة التلقّي في الزمن المكّي كانت محكومة بعوامل مختلفة؛ من قبيل الحالة الوجدانيّة للمتلقي والبيئة الأنثروبولوجيَّة. وبما أنَّ عمليَّة التلقّي تحدث في زمننا الحاضر، والأفق التاريخي يفرضُ ذهنيَّة معيّنة، فلا بد من بلورة الأدوات التي تناسب هذا الزمان وتتناغم مع منطقه، لأحصل على أجوبة او معانٍ جديدة.
عندما أشتبك مع النصّ الديني- على المستوى المعرفي ولا أقصد عامّة الناس- يصير السؤال الموجه للنص على النحو الآتي: ماذا لديك لتقدِّم لي؟ وهذا السؤال ليس تحدّياً للقرآن، بل على العكس، هو تحريك لإمكانات موجود في القرآن لم تكُن مُكتشفة؛ بمعنى لماذا أُكرِّر المعنى نفسه، فيما هناك إمكانات تكاد تكون لا متناهية؛ فالقرآن ليس مجرَّد مجموعة أحكام وتشريعات صارمة، هناك القصص القرآني أيضا، والقصّة هي مشهد إنساني يُحرِّك بداخلي أنماطاً من وجودي، ويُعرّفني على جانبِ من حقيقة الإنسانيَّة.  وللأسف، فقد قّدِمَ الإسلام في زمننا الحاضر كمشروع سلطة أو إيديولوجيا، حيث ظهرت الجماعات الإسلاميَّة لتصارع على السلطة دون أن تتبنّى مشروع الدولة، أمّا عن مشروع الأيديولوجيا الذي يقدِّم أجوبة حاسمة صارمة لفضاءٍ لا يقبل هذه الطبيعة، فهو يعارض طبيعة الإسلام المفتوحة؛ الطبيعة المفتوحة التي تجلّيها جدليَّة وجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، لتؤكِّد وجود احتمالات لا متناهية من معاني وأبعاد وإمكانات الوجود الإنساني.

في قضيَّة اللفظ والاصطلاح، هناك الكثير من القراءات الجديدة في النصّ الديني استخدمت مصطلحات جديدة لم تكن تمتُّ إلى الموروث الديني بصلة، مثل: الديمقراطيَّة، الحداثة، الاشتراكيَّة، الليبراليَّة، الحرّيّات، … إلخ. إلى أي درجةٍ ساهم تطوُّر اللغة في فتحِ فضاءٍ أوسع للقراءة التنويريَّة، وإلى أي درجة نستطيع أن نستخدم هذه المصطلحات الحديثة؟


التحدِّي الإنساني هو كيف يمكن للتفكير الإسلامي المعاصر أن يخلقَ فضاءَهُ الخاصّ، لا بمعنى أن يكون منعزلاً عن العلوم المحيطة، ولا بمعنى أن يتلقّاها بشكلٍ سلبي، أو أن يستخدمها دون أن يمارس معها فعلاً نقديّا.   

الإسلام كائن حضاريّ لا يمكنه العيش في العزلة، فقد كان لحظة ذروته الحضاريَّة منفتحاً على كل حضارات العالم، واندمج معها إلى درجة أنّه صار يُعبّر عن العقيدة بلغةٍ فلسفيَّة، كما دخلت المطالب الفلسفيَّة ضمن نسيج المعتقد الإسلامي.

 المطلوب هو الفاعليَّة في النشاط الفكري؛ والفاعليَّة هي التي تنفتح على كل منجزات العالم الفكريَّة والمعرفيَّة، لكن بطريقةٍ واعية يتم فيها إعادة إنتاج المعرفة أو المفهوم أو المصطلح. المطلوب خلق فضاء فكري عربي لهُ طبيعته التركيبيَّة وسياقاته الخاصَّة. هناك فلاسفة عرب، لكن لا توجد فلسفة عربيَّة؛ بمعنى أنّه ينعدم وجود الفضاء العربي الذي يخلقُ مجال تفكير حرّ وفاعل وناشط بحيث يملك القدرة على إنتاج مقولاته الخاصَّة، فالفلسفة، بحسب دولوز، هي قدرة إبداع وابتكار وإنتاج المفاهيم، وليس استعمال المفاهيم فقط.
الإبداع يعني قوّة الفاعليَّة والخلق الفكري، ولا بدّ من توفُّر شروط إمكان موضوعيَّة للفكر الفاعل منها: الإنتاجيَّة، والإشباع، والحرّيَّة، إلخ. إذ عندما تكون هذه الأرضيَّة مفقودة، نتحوّل إلى نتاجات جزئيَّة، لذا نحن مسؤولون عن تحقيق هذا الفضاء.



*كيف نخلقُ هذا الفضاء؟

كتب ماركس الإيديولوجية الماركسيَّة، في مرحلة من مراحل تفكيره، لأنَّ العقل الألماني تبنَّى المثاليَّة في التفكير، وراح يتحدث حول تجلّيات الروح والعقل المطلق والأنا الذاتيَّة المتعالية، لكن هذا العقل أهمل الشروط المادّيَّة للتحوّلات التاريخيَّة. بينما مقولة ماركس الأساسيَّة هي: “نفكِّر كيف نفسِّر العالم، لكنّنا لم نفكِّر كيف نغيّره”؛ والتغيير الذي يقصده ماركس هو خلق هذا الفضاء، لذا بدأ يحكي عن الشروط المادّيّة، وفي مرحلةٍ متأخِّرة وسَّع بعض الماركسيين مثل غرامتشي دائرة هذه الشروط لتشمل الثقافة، والشرط السياسي، وغيرها.


لا يمكن للفكر أن ينشط من ذاته، لا بدّ من خلق أرضيَّة تسمح له بممارسة نشاطه، ولا بد من النظر في الشروط المادّيَّة والموضوعيَّة. فلو تناولنا الإنتاج والإنتاج الاقتصادي على سبيل المثال، نجد أنَّ البنية الاقتصادية في المجال العربي هي بنية ريعية وغير منتجة، فالدول العربيَّة تعيش إمّا على المساعدات أو القروض أو النفط، لا يوجد فعل إنتاج داخل هذا المجال، أو عمل منتج، وطالما أنت غير منتج فإنك غير قادر على إدراك قيمتك الذاتيَّة. فبداية الوعي الذاتي عند الفرد يبدأ بالعمل، وفقاً لهيغل؛ أي أنَّ الإنتاج جزء من عمليَّة الوعي، والشرط المادّي ليس شرطاً مسبقا، إنّما هو جزء من عمليَّة ولادة الوعي الذاتي، وهذه هي النقطة التي لفت إليها هيغل، لأنَّ الموضوع هو الذات، وعندما تريد الذات أن تحقِّق ذاتها، فهي تحقِّقهُ عبر الموضوع؛ بالعمل، بالتفكير، بالملكيَّة، بالنظام السياسي. حتّى أن هيغل قال إنَّ الحرّيَّة لا يمكن أن تكون إلا حرّيَّة سياسيَّة، فمن غير الممكن أن تعيش في دائرة حياة عامَّة وحرّيّتك السياسيَّة ملغاة، والحرّيَّة في ذروة إمكاناتها هي حرّيَّة سياسيَّة، بمعنى أن تكون فاعلاً ناشطاً في بناء المجال العام. عندها تكون مرجعيَّة التفكير هي خلق فضاء فاعل، لا بد لتفكيرنا أن ينصب دائماً على خلق الواقع الفاعل الذي يساعد على تحقيق إمكاناتي الكامنة كإنسان، وكامل إمكانات حرّيّتي، وكامل إمكان فاعليّتي الفكريَّة، لكن الفاعليَّة الفكريَّة تأتي في إطارٍ جدلي كما قلنا؛ جدل الاشتباك مع الموضوع.  

وهذا ما يبيِّن الخلل في سياق الفكر العربي الأخير، فعندما صارت الثورات العربيَّة، خرجَ الناس بالملايين لأنّهم يرغبون بالتغيير؛ لكن في حقيقة الأمر، الفكرُ العربي المعاصر كانَ عاجزاً عن إنتاج منظومته الفكريَّة القادرة على تنظيم الواقع، وهذه هي النقطة التي أشار إليها عبد الله العروي عندما قال: “يوجد تفكير في الدولة ومشكلاتها، لكن لا توجد نظريَّة في الدولة”.

 
والحقيقة، أنّنا لم ننظِّر للدولة، ولم ننظِّر للحرّيَّة، فالحرّيَّة مجرد شعار أكثر من كونها قائمة على قاعدة فلسفيَّة تناسب خصوصيّتنا وواقعنا الحالي، إذ كثيرا ما نرى الفكر الحداثوي الليبرالي، أو ذاك القومي، يتحولان إلى فكرٍ سلفي، بتبّني فكرة المؤامرة على سبيل المثال، دون التفكير في الشروط الموضوعيَّة لخلقِ واقعٍ فاعل والمساهمة فيه، لا بل، إنَّ الفكر العربي ساير السلطة ولم يخرج من دائرة المستبدّ المستنير والقائد الكاريزمي الاستثنائي القادر على استلام زمام الأمور.  ما يعني عدم اشتراط شراكتي في صناعة الواقع السياسي، ما يؤدي إلى تغييب إرادتي ووعيي بتجربتي. ظلت الحرية في مجالنا حرية جزئية مقابل الحريات الجزئية الأخرى، أي ظلت فكرة الحرية فكرة صراعية وفكرة غلبة لا فكرة كلية تقبل أن تنطوي بداخلها كل الحريات الجزئية رغم تعارضها وتنافسها وحتى تناقضها. 

انتقلت المدرسة المقاصديَّة من فكرة الحكم والتشريع المباشر إلى المقصد من الشريعة والتشريع، ونجحت إلى حدٍّ ما في التغلغل داخل بعض المدارس الفقهيَّة، هل يمكننا وصف الأداة المقاصديَّة بأنّها محاولة لقراءة تنويريَّة للنصّ الديني؟

هي محاولة للخروج من المأزق الذي وصلت إليه المؤسَّسة الفقهيَّة، فقد كان هاجس الشاطبي يدور حول أنّه لا بد أن أعبد الله على قاعدة يقينيَّة لا ظنّيّة، فلجأ إلى البحث عن المقاصد الكلية التي لا يمكن أن يشكّ فيها الإنسان.

 
المدرسة المقاصديّة تملك إمكانات خصبة تقبل الاستثمار الفكري والتوظيف المعرفي والفقهي، وبإمكانها أن تأخذ الشريعة إلى مكانٍ آخر، لا تكون محكومة فيه للنصّ الجزئي، بل تصير محكومة لكليّات الدين الأساسيّة وغاياته، حيث أنَّ الأساس في مفهوم الدولة المعاصرة والتشريع المعاصر هو أنَّه يقوم على قاعدةٍ كلّيّة، فيما ظلَّت الشريعة الإسلاميّة بإنتاجها الفقهي عبارة عن قواعد جزئيَّة. نريد أن ننتقل في فهم الدين إلى الفضاء التركيبي، وهو الذي أشار إليه إيمانويل كانط واعتبره القاعدة الأخلاقيَّة الأولى، عندما قال: “افعل بحيث تكون قاعدة فعلك، قانوناً عامّا”.

 المقاصديَّة توفِّر كلّيّة المبدأ الذي يوجِّه السلوك الإنساني، لكنّها للأسف ظلّت تدور ضمن الكلام الذي يحسِّن صورة الإسلام، دون أن تُوظَّف فلسفيّاً أو تنشغل بنشاطٍ فلسفيّ داخل الدين. فكرة المقاصد بعمقها لا يمكن أن نستكشف خصوبتها داخل الإطار الإسلامي إلا عبر فكرٍ فلسفيّ، وهو ما لم يتمّ بسبب إقصاء الفلسفة عن ممارسة نشاطها داخل هذه المنطقة. وعندما نقصي الفلسفة، يتمّ تعطيل إمكانات الدين نفسه، لأنَّ هذه الإمكانات لا يمكن أن تكشف إلا بنشاطٍ عقليّ متبصِّر عبر الفلسفة.

المقاصد، برأيي، تملك إمكانات قادرة على نقل العقل الفقهي من عقلٍ تجزيئي إلى كلّي، وأن ترسم مشهداً كلّياً عامّاً بفهم الإسلام وروحه، ويمكنني من خلالها، على الأقل، أن أفهم أين يتموضع الإسلام في الزمن المعاصر، لكن هذه الإمكانات غير مستثمرة فلسفيّاً ومعرفيّا.

 
*”من معرفة الإسلام إلى إسلام المعرفة”، هذه الفكرة التي بدأت في تسعينيات أو ثمانينيّات القرن الماضي؛ أي عوضاً عن استخدام المعرفة وأدوات المعرفة في فهم الإسلام وقراءة النصّ الديني الإسلامي. اتجهنا نحو مساحة أسلمة المعرفة، إذ تصبح هذه المعرفة التي ربما أنتجت خارج الإطار الإسلامي عبارة عن معرفة مسلمة، بماذا يعلِّق الدكتور وجيه قانصو على هذه الظاهرة؟

دُعيتُ، مرَّةً، إلى قراءة أحد هذه الكتب، وصدمتُ بالمقاربة التي يمكن وصفها كأسوأ وأفشل ما يمكن أن يُقدَّم بها الإسلام في زمننا المعاصر. لكي نعرف ماذا يحدث حولنا في العالم، لا يجوز أن نتسلَّح بقناعاتٍ مُسبقة نرى العالم خلالها، فالحداثة حَدث، وما بعد الحداثة حَدَث، والبنيويَّة حدث، وما بعد البنيويَّة حدث؛ وهذه الأحداث لها لعبتها الخاصَّة، ومنطقها الخاصّ، ونظام إنتاج خطابها الخاصّ، الغرب لديه نظام (ابستميات) وهو الشروط الأساسيَّة لإنتاج كل أشكال المعارف، أي أنَّه لا بد أن تُفهم من داخلها، أمّا أن يصار إلى فكرة أسلمة المعرفة عبر الادِّعاء بأنّها جاءت من أصولٍ إسلاميَّة، أو أنَّ أصولها المعرفيَّة والفلسفيَّة كامنة في الإسلام، كما يحدث مثلا في مسائل الإعجاز العلمي، فهذا ضرب من الشعوذة الفكريَّة والعلميَّة التي تحاول أن تطوِّع النصّ الديني ليتوافق مع النظريَّة العلميَّة، ويمكننا القول إنَّ في مثل هذا الفعل ليّ للنصّ الديني نفسه.

النظريَّة هي نتاج بشري تقوم على فرضيَّة، وقد تتوالد معطيات جديدة لأنَّ طبيعة المعرفة البشريَّة متجدِّدة، وبالتالي تصبح هذه النظريَّة محلّ تساؤل وشكّ، وأحيانا نسف بالكامل، كما حصل بين نظرية بطليموس ونظريّة كوبرنيكوس على سبيل المثال. عندما نأخذ العلم ونقوم بتأليهه، فنحن ننفي عن العلم كونه نتاجاً بشريَّا، والأفضل أن ننشغل بتبيان شروط إمكان الإنتاج العلمي، أي ما الذي يجعل الفاعليَّة العلميَّة والفكريَّة ممكنة في المجال العربي والإسلامي. الإسلام، في حقيقة الأمر، يركِّز على العمل، لأنّه فن وفعل خلقٍ وابتكار وإبداع، ومن واجبنا أن ننشّط الفعل الإنساني ليصير فعلاً ناشطاً خلّاقا.

كيف ترى انتقال القراءة الظلاميَّة من إطار منطقة الموروث المكتوب إلى إطار الفعل، بحيث أصبحت حرّكات التطرّف والطائفيَّة والمذهبيَّة تظهر على السطح عبر أفعال كراهية متعدِّدة، كما شاهدنا اجتياح الكثير من هذه الأفكار المتطرّفة على أساس قراءات ظلاميَّة، كيف يقرأ الدكتور وجيه قانصو هذه الظاهرة؟

كل هذه الحركات الأصوليَّة المتطرِّفة التي تمارس العنف والإرهاب بكثير من مضامينه، هي نتيجة لفشلٍ أوسع، هو فشل مشروع الأمَّة الدولة. والمقصود بالأمَّة هي التي يمكن أن تضمّ وتدمج المكوّنات الخاصَّة المختلفة- الإثنيَّة، العرقيَّة، المذهبيَّة- المختلفة، داخل إطار أوسع، أمّا الدولة فهي التي تدير شؤون المجتمع بطريقةٍ تؤدّي إلى تعزيز حرّيَّة الإنسان وكرامته الإنسانيَّة، وتقوم على قواعد معقلنة ومعايير أخلاقيَّة كلّيَّة لا جزئيَّة.

مشروع الأمَّة في المجال العربي بدأ بالمشروع القومي، لكنَّه تحوَّل بمساراته إلى مشروع أشخاص؛ شخص يُعبَد، أو حزب حاكم أو نخبة حاكمة شكّلت أنظمة ضدّ مجتمعاتها، وقامت بقمعها وتفكيكها، وتعطيلها عوضاً عن إدارتها.

عندما فشل مشروع الدولة أن يولِّد شروط أمان، لأنَّ الدولة اتَّسمت بطابعٍ قمعيّ بوليسي إلى حدٍّ بعيد، وعندما فشلَ مشروع الأمَّة في عمليَّة دمج المكوِّنات الخاصَّة في هويَّة أوسع تكون أصيلة حقيقيَّة عميقة متجذِّرة في وعينا العام، تفتَّتت الهويَّة القوميَّة، تلاها تفتُّت الهويَّة الإقليميَّة، ثمّ الوطنيَّة، وفي المقابل، انتعشت الهويَّات الخاصَّة الجزئيٍّة التي ساهمت في هدم بنية المجتمع، رغم أنّه محكوم لدولةٍ واحدة. والحقيقة أنَّ الدولة نفسها لعبت على تناقض الهويّات في سبيل الحفاظ على سلطتها.

نحنُ في المجال العربي عبارة عن جماعات، ولم نتطوَّر لنكوِّن صفة مجتمع، فالمجتمع يعني هويَّات خاصَّة مندمجة متكاملة داخل مكوَّن أوسع ويعبِّر عن هويَّة جديدة كمجتمع. ضمن هذا المفهوم، تكون اهتمامات المواطن داخل المجتمع كليَّة وليست جزئيَّة، وأحاديثه تدور ضمن الأطر العامَّة لا الخاصَّة. غياب هذه الأمور، نتجَ عنه العودة إلى حالة تحتكُّ فيها المكوّنات الخاصَّة معاً دون أُطر عامَّة تجمعها، فصارت العلاقة بينها تقوم على القهر والغلبة، وتنامى الاتّجاه العنفي بحكم غياب الإطار الجامع.

في الحقيقة، لا أعدّ التيّارات المتطرِّفة ظاهرة فكريَّة، هي أشبه ما تكون بشكلٍ متطرِّف من التعبير الاجتماعي عن الوضع المأزوم الذي وصلت إليه مجتمعاتنا العربيَّة من تفكُّك وهشاشة الهويَّة الواحدة وفشل الدولة في رعاية مجتمعاتها. برأيي، كل هذهِ الإفرازات تُعبِّر عن أزمةٍ أعمَق، هي أزمة فشل الأُمَّة -الدولة. هذا هو تحدي الثورات العربية والمجتمعات العربية، ألا يتحرك الفكر خارج المسعى لبناء انتظام سياسي موضوعي يقوم على قواعد أخلاقية كلية. فلا قيمة لفكر متعال ومنفصل عن الواقع رغم جماليته الوجدانية والشعورية، لأنه يعزز الاغتراب عن الواقع ويعمقه. ولا جدوى من اجتهاد فقهي معاصر يعيد إنتاج الأحكام الدينية وفق منطلقات فقهية قديمة تعايشت مع الاستبداد وتصالحت مع منطق الغلبة والقهر في إدارة المجال العام.

*نبذة عن الدكتور وجيه قانصو:
 فيلسوف ومفكِّر لبناني، حصل على درجة الدكتوراه من الولايات المتَّحدة الأميركيَّة في هندسة الإنسان الآلي والتحكُّم الذكي، إلا أنَّ اهتمامه بدراسة الإنسان الحقيقي قادتهُ لدراسة الفلسفة والحصول على شهادة الدكتوراه فيها، يعمل قانصو أستاذاً للفلسفة في الجامعة اللبنانيَّة، ويحاضر في العديد من الجامعات العربيَّة في الفلسفة وتأويل النصّ الديني، وهو مؤلِّف للعديد من الكتب والمقالات حول اللاهوت الإسلامي، الفلسفة، التأويلات، الفكر العربي المعاصر والحديث، يشغل حالياً منصب مدير المعهد الملكي للدراسات الدينيَّة في الأردن من بين مؤلّفاته: التعدّديَّة الدينيَّة في فلسفة جون هيك، أئمة أهل البيت والسياسة، النصّ الديني في الإسلام، جدل الحرية والعدالة في الفكر الإسلامي المبكِّر.

جديدنا