تطوير الخطاب الإسلامي في بعده الإنساني


الأفكار التي تُخلَّد عبر القرون والأجيال هي تلك القادرة على تجديد نفسها بشكل متواصل، فلا تضعف أمام مستجدّات الزمن، ولا تستسلم أمام ضغوط الواقع، ولا تتراجع أمام زحف الأفكار الأخرى. وفي منظورنا فإن الطرح الديني عموماً قادر على تجديد نفسه.

وندّعي أنَّ الإسلام دين يتوفّر على قدر كبير من المرونة والقابليَّة للتعايش مع الآخر الإنساني، والفكري والعقدي. وبذلك استطاع احتواء الاجتهادات المتعدّدة ضمن الأطر التي رسمها. إنها أطر واسعة قادرة على استيعاب طيف واسع من التعدّديَّة الفكريَّة والفقهيَّة بشرط أن يكون هناك التزام بأدب الإسلام في التعامل مع الآخر. وتحتوي صحائف التاريخ نماذج من الممارسة الإسلاميَّة الراقية في إنسانيتها مع المواطنين من غير المسلمين. فمثلا المناخ الذي كان في الأندلس سمح لغير المسلمين بالبروز والشهرة والنبوغ، وأتاح خلق التسامح الإسلامي لجميع الشعوب والديانات أن تعمل جنباً إلى جنب دون عصبيَّة أو قهر. ويحدّثنا التاريخ عن موسى بن ميمون الذي نشأ في ظلّ دولة الموحدين بالأندلس، واعتنق الإسلام، وتلقّى علمه مباشرة من ابن الأفلح ومن أحد تلاميذ ابن الصائغ. وتلقّى من ابن رشد بشكل غير مباشر، إذ عكف على دراسة مؤلّفاته 13 عاما. وحتّى هذه اللحظة يعتبره البعض فيلسوفاً وطبيباً إسلاميّاً، بينما يعتره اليهود منهم.

 
وهذه دلالة على قدرة الإسلام على احتضان الآخرين، واحترامه لقناعاتهم الدينيَّة وعدم إجبارهم على تغيير دينهم. وتشير المصادر إلى أنّ ابن ميمون عندما هرب من القاهرة اشتكى للحاكم من من إكراهٍ تعرّض له لتغيير دينه من اليهوديَّة إلى الإسلام، فسمح له الحاكم باختيار أحدهما إن شاء، فعاد إلى اليهوديَّة، وليست هذه هي الحالة الوحيدة، بل أن الطبيب حنين بن إسحاق العبادي الذي كان مسيحيّاً احتضنته الحضارة الإسلاميَّة وعيّنه الخليفة المأمون مسؤولاً عن “بيت الحكمة” وديوان الترجمة، وكان يعطيه بعض الذهب في مقابل ما يترجمه إلى العربيَّة من الكتب.

هذه مؤشّرات لقدرة الإسلام على احتضان غيره، واحترامه ضمن عقيدته. وتؤكِّد السيرة أن الإمام علي بن أبي طالب غضب كثيراً عندما رأى يهوديّاً أعمى يتسوّل في مكَّة، وقال: استخدمتموه في شبابه وأهملتموه في كبره، اجعلوا له ما يسدّ حاجته من بيت المال. وعلي هو القائل: الناس صنفان؛ إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

عالميَّة الإسلام هذه حقيقة في الخطاب الإسلامي، أكّدها القرآن الكريم في آياته الكثيرة التي تقول: يا أيّها الناس، وفي إعلان النبي محمد صلى الله عليه وسلّم عن رسالته: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

أما التجديد هنا فيقصد به استيعاب مقاصد الشريعة في ضوء الموضوعات المستجدّة، وطرح خطاب أو حلول قادرة على التعايش مع الواقع مع الاحتفاظ بنقاء العقيدة والتحرك ضمن أطرها الشرعيَّة.
كيف يمكن للخطاب الإسلامي المعاصر أن يجدِّد نفسه ليكون انعكاساً حقيقيّاً لروح الرسالة الإسلاميَّة، بعيداً عن الشوائب التي طرأت عليها خلال مسيرة أربعة عشر قرنا؟ ثمَّة أربعة محاور أساسيَّة يمكن أن تكون مدخلاً للتجديد المطلوب في الخطاب الإسلامي ليكون منسجماً مع الروح الحقيقيَّة للإسلام:

1. تأكيد عالميَّة الإسلام من خلال الخطاب القرآني الواضح، وأنه عقيدة لكافة البشر، تتجاوز الحدود الطبيعيَّة أو المصطنعة، ومنها العرق واللون واللسان والجنس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).


2. تأكيد حرّيَّة المعتقد لمن يعيش في كنف الدولة الإسلاميَّة، وهو ممارسة كانت سائدة في العصور الأولى للإسلام، عندما كان غير المسلمين يعملون ضمن الدولة الإسلاميَّة بدون أن يضطروا لتغيير عقيدتهم. وفي القرآن الكريم ما يعين على ذلك، خصوصاً الآيات التي تخاطب أهل الكتاب: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) / (المائدة 68)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) / (المائدة 66).


3. إن الإسلام لا يحترم عقائد الآخرين فحسب، بل يمنع التعرّض لدور عبادة أتباع الأديان الأخرى، ويحميها من الاعتداء: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) / (الحج 40). كما يمنع التعرّض بالشتم والتهكّم بالآخرين وعقائدهم: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) / (الأنعام 108).

4. لتأكيد الأخوّة الإنسانيَّة، حثَّ الإسلام أتباعه على البحث عن المشتركات الإنسانيَّة كأساس للتعايش السلمي والتعامل المشترك: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) / (آل عمران 64).

5. إنّ الإسلام أعطى للعقل دوراً رئيساً في صياغة المواقف ورفض الدعاوى غير المؤسّسة على الدليل والبرهان: (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) / (البقرة 111)، وفي الحديث القدسي:” أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر قال نا خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ، وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب”.

جديدنا