التنويريسلايدرسياسة واجتماع

ثقافة اللامبالاة: تطبيع المأساة وفقدان البوصلة الأخلاقية

دراسة اجتماعية وفلسفية لظاهرة الخدر الجمعي وتأثيرها على قيمنا الإنسانية في ظل الأزمات المستمرة.

تعد ثقافة اللامبالاة أو عدم الاكتراث ظاهرة اجتماعية ونفسية تشير إلى نمط متفشٍ من التجاهل والبرود العاطفي وانعدام التفاعل مع ما يدور من أحداث. يتجلى هذا السلوك في انكفاء الأفراد على ذواتهم، وغياب الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا العامة، حيث يصبح الهمّ الأوحد هو النجاة الشخصية أو الخلاص الفردي، ولو على حساب المبادئ أو المصلحة العامة.

وهي حالة من الخدر الجمعي وفقدان الحس الأخلاقي والإنساني، ولا يمكن اختزالها في لحظة فتور عابرة، بل هي تحوّل ثقافي عميق يطال القيم والسلوك اليومي للمجتمع. حين يُصبح الاعتياد على الألم جزءاً من الهوية الجمعية، تتجذر اللامبالاة كثقافة يصعب زعزعتها.

وتبرز هذه الظاهرة بشكل خاص في البيئات التي تتراكم فيها مشاعر القهر والخذلان، حيث يعيش الفرد وسط واقع سياسي وأمني مضطرب، واقتصاد هش، ومشاهد دمار يومية، فينمو داخله شعور بالعجز المكتسب، مبني على قناعة بأن جهوده لن تغير شيئاً. فيلجأ إلى اللامبالاة كوسيلة للبقاء النفسي، لكن هذا الانكفاء يُنتج بدوره ضعفًا جمعيًا، ويُفكك الجبهة الداخلية، ويقضي على إمكانية الفعل الجماعي الذي يمكنه إحداث التغيير.

تعريف اللامبالاة:

لغويًا، اللامبالاة ليست مجرد عدم اهتمام، بل حالة دلالية مركبة تجمع بين نفي الشعور وتعليق الإرادة، وتُستخدم في العربية غالبًا للدلالة على خلل نفسي أو أخلاقي في علاقة الإنسان بما حوله جاء في لسان العرب: “بالَى بالأمر يُبالِي به: اهتمَّ له، واللامبالاة: تركُ الاهتمام وعدم الاكتراث” وجاء في المعجم الوسيط: ” اللامبالاة: فتور الشعور، وعدم المبالاة بالأمور التي تستوجب الاهتمام”.

اصطلاحيا، يوضح الجدول التالي منظور التعريف من كل جانب:

    
    
من منظور علم الاجتماع
نتاجًا لانكسار العلاقة بين الفرد والمجتمع، حيث يفقد الإنسان شعوره بأن أفعاله ذات قيمة أو أثر، فيتحول إلى متلقٍ سلبي، يراقب الأحداث دون انخراط، ويتعامل مع الأزمات بوصفها شأنًا لا يعنيه مباشرة.ويرى علماء الاجتماع أن اللامبالاة ليست صفة فردية بقدر ما هي استجابة دفاعية في مجتمعات تعاني:القمع السياسيالفقر والحرمانغياب العدالة الاجتماعيةتكرار الصدمات الجماعية (الحروب، الأزمات الممتدة).
      
    التفسير النفسي– الاجتماعي
يُفسَّر انتشار ثقافة اللامبالاة من خلال مفهوم العجز المتعلَّم (Learned Helplessness)، حيث يتعلم الفرد – بعد تجارب متكررة من الفشل أو القهر – أن جهده لا يُحدث فرقًا، فيتوقف عن المحاولة.كما ترتبط اللامبالاة بما يسميه إريك فروم: الهروب من الحرية”،
حيث يفضّل الإنسان الانسحاب النفسي بدل تحمّل عبء المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.

المضمون الفلسفي والاجتماعي لثقافة اللامبالاة :

يكشف المضمون عن أبعاد أعمق من مجرد سلوك عابر أو حالة نفسية مؤقتة؛ إنها تعبير وجودي عن أزمة المعنى والانسحاب من الفعل في مواجهة عالم يبدو بلا جدوى.

من المنظور الفلسفي، ترتبط اللامبالاة بفكرة الاغتراب Alienation كما تناولها هيغل وماركس لاحقًا، حيث يشعر الفرد بفقدان المعنى والانفصال عن ذاته، وعن الآخرين، وتافضيل الانقطاع عن العالم. وهي أيضًا امتداد لحالة العدمية Nihilism التي عبّر عنها نيتشه، عندما يغيب المعنى الأعلى أو تنهار القيم، فيغدو الإنسان في فراغ لا يرى فيه جدوى لأي التزام.

اللامبالاة كفقدان للمعنى:

يرى فلاسفة الوجودية، ككيركغارد وسارتر وكامو، في اللامبالاة أحد تجليات صدمة الإنسان أمام عبثية الحياة. ألبير كامو مثلاً، اعتبر أن الإنسان أمام هذا العبث إما أن يتمرد ليخلق المعنى، أو يستسلم وينزلق في العزلة واللامبالاة. أما سارتر، فكان يرى أن الإنسان مسؤول عن كل اختياراته، وأن رفض الالتزام هو في حد ذاته اختيار سلبي.

هكذا تُصبح اللامبالاة موقفًا فلسفيًا سلبيًا من الوجود: رفضًا للمشاركة، وتهربًا من المسؤولية، وانسحابًا من المعنى. إنها تجعل الإنسان متفرجًا على الحياة، لا صانعًا لها.

اللامبالاة كفقدان للآخر: 

حين تتسع دائرة العنف، وتتوالى مشاهد الألم، لا يموت الناس فقط تحت الأنقاض أو خلف المتاريس، بل تموت فيهم القدرة على الشعور، وتذبل أرواحهم في صمت. في مثل هذه اللحظات، تتسلل اللامبالاة، لا كحالة عابرة، بل كتحول وجودي خفي، أشبه بموت الضمير وموت العلاقة بالآخر.

اللامبالاة في معناها العميق ليست مجرد برود أو غياب الانفعال، بل هي انقطاع في النسيج الإنساني المشترك. إنها تلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن رؤية من حوله كذوات كاملة، عن الاعتراف بإنسانيتهم. وهنا، لا يفقد الإنسان “الآخر” فقط، بل يفقد ذاته، لأن الوجود لا يُدرك إلا عبر الآخر، كما تقرر الفلسفة الوجودية الحديثة.

في السياق العبثي، كما عند ألبير كامو، اللامبالاة لا تكون دومًا سلبية. بل قد تُقرأ كنوع من الوعي المأزوم، حين لا يستطيع الإنسان صياغة معنى مقنع لكل هذا الألم المتكرر. في لحظة العجز عن التفسير، يصبح القبول الصامت بالعبث شكلاً من المقاومة. فبدلاً من الانهيار، يلجأ الإنسان إلى تجميد مشاعره، لا لأنها ماتت، بل لأنه يخشى أن تقتله.

بهذا المعنى، اللامبالاة ليست تخليًا عن الأخلاق، بل آلية بقاء وجودي، يحتمي بها الفرد من السقوط الحر في الهاوية. إنها حالة دفاعية مركّبة، تظهر كما لو أنها برود وجمود، لكنها في العمق صرخة صامتة ضد اللاجدوى، ومعركة داخلية مع المعاناة المستمرة.

إذن، فاللامبالاة في الحروب ليست دائمًا مؤشر انحلال، بل أحيانًا قناع أخير للنجاة، حين يعجز الإنسان عن إيجاد لغة تبكي.

اللامبالاة وفق حسابية الألم واللذة (في الفلسفة النفعية):

في الفلسفة النفعية Utilitarianism، وتحديدًا كما طرحها جيرمي بنثام وطورها لاحقًا جون ستيوارت ميل، يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا يسعى إلى المتعة ويتجنب الألم. ووفق هذا المنظور، يُقاس الفعل الأخلاقي بمدى ما يحققه من لذة، أو ما يتجنبه من ألم، لأكبر عدد ممكن من الناس. لكن في ظل الحروب، تتغير هذه المعادلة على نحو جذري، حيث تتحول الحساسية الأخلاقية للألم واللذة، ويُعاد تشكيل إدراك الناس لهما بطريقة مختلفة.

فالحرب لا تكتفي بصناعة الألم، بل تُحدث خللًا في إدراكه ذاته؛ إذ يبدأ مستوى التحسس بالألم في الانخفاض تدريجيًا، لا بسبب زوال الألم، بل بسبب ما يمكن تسميته بـ “تسطيح منحنَى الألم”. يتبلد الإحساس، ويُفقَد الألم قيمته التحفيزية. فلا يعود دافعًا للتغيير أو المقاومة، ويتحول إلى خلفية مألوفة، تُعاش كجزء من “الاعتياد المأساوي”، وسصبح الإنسان في حالة تعادل شعوري زائف.

اجتماعيًا، تتخذ اللامبالاة طابعًا نفعيًا جمعيًا. فالمجتمع في حالة الحرب لا يستطيع البقاء في وضع استنفار شعوري دائم، لذا يطور آليات تحصين عاطفي، تقلل التفاعل الوجداني مع الأحداث اليومية. وفي هذه الحالة، يُعاد تعريف المقبول من الألم، ويُشرعن الصمت والفتور باعتبارهما ضرورة للبقاء.

لكن هذا التكيف النفعي، وإن كان يُسهم في استمرار الحياة اليومية وسط الخراب، إلا أنه يحمل خطرًا طويل الأمد: إذ يُخرج “التعاطف” من معادلة الفعل الاجتماعي، ويُحوّل الألم الجماعي إلى مشهد معتاد، لا يُقاوَم بل يُتأقلم معه. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية شيئًا فشيئًا، ويبدأ الانحدار نحو تطبيع الألم والظلم.

خلاصة القول: اللامبالاة في هذا السياق ليست ضعفًا فرديًا، بل تحوّل بنيوي في الوعي الجمعي، يجعل النجاة الفردية هي الغاية، ولو على حساب الأخلاق، المشاركة، أو حتى معنى الإنسانية ذاته

اللامبالاة في ضوء الفلسفة الأخلاقية

تُعد الفلسفة الأخلاقية ميدانًا لدراسة مفاهيم الخير والشر، الواجب والمسؤولية، وبالتالي فإن اللامبالاة لا تُفهم فقط بوصفها حالة شعورية سلبية، بل تُقاس بمدى أثرها على أداء الواجب الأخلاقي تجاه الذات والآخرين. فاللامبالاة، خصوصًا حين تظهر في مواقف تتطلب التعاطف أو اتخاذ موقف، تصبح مقياسًا لكيفية التزام الفرد بقيمه الداخلية وبالنسيج الاجتماعي من حوله.

ليست اللامبالاة مجرد فتور أو برود داخلي، بل موقف أخلاقي سلبي قد يؤدي إلى امتناع عن تقديم المساعدة، أو الصمت على الظلم، أو تجاهل معاناة الآخرين، أو الانسحاب من المسؤولية العامة. في هذا السياق، تعتبر الفلسفة الأخلاقية اللامبالاة بمثابة نكوص عن الواجب الأخلاقي، أو خيانة للمسؤولية الأخلاقية التي تفرضها العلاقة بالآخر.

في فلسفة إيمانويل كانط، تُعد اللامبالاة خرقًا واضحًا لمبدأ احترام الكرامة الإنسانية، حيث يؤكد أن الإنسان يجب أن يُعامل كغاية لا كوسيلة، ما يجعل التجاهل المتعمد أو السكوت عن حاجة الآخر فعلاً لا أخلاقيًا في جوهره. أما في أخلاقيات أرسطو، فترتبط اللامبالاة بانعدام الفضيلة، إذ أنها تعكس غياب التعاطف والعجز عن تحقيق “الحكمة العملية” (الفرونيسيس) التي ترتكز عليها الحياة الفاضلة، ما يجعلها في منظوره نقيضًا للاعتدال الأخلاقي.

اللامبالاة في الفكر الإسلامي

يرى الإسلام أن القلب الحي هو الذي يتفاعل مع الخير، وينكر المنكر، ويتأثر بذكر الله وبما يدور حوله من أحداث ومواقف. قال تعالى: ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”. أما حين يفقد الإنسان هذا التفاعل، ويصبح لا يكترث للخير أو الشر، ولا يتحرك لمواجهة الظلم أو الانحراف، فإنه يدخل في دائرة قسوة القلب التي حذّر منها القرآن، واعتبرها علامة على البُعد عن نور الإيمان.

لا يمانع الإسلام أن يعتري الإنسان شعور بالحزن أو الإرهاق النفسي، خصوصًا في أوقات الحروب والمآسي، لكنّه يحذر من أن تتحول هذه المشاعر إلى لامبالاة دائمة تؤدي إلى الشلل الإرادي، والانفصال عن الواقع، والتخلي عن المسؤولية.

لقد بُني الإسلام على مبدأ الرحمة، كما في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ “، واللامبالاة تتناقض مع هذا المبدأ، لأنها تمثل انسحابًا وجدانيًا من محيط الإنسان، وتجاهلًا لمعاناة الآخرين.

  اللامبالاة، خاصة في أوقات الكوارث، لا تُعد فقط انعدامًا في التعاطف، بل قد تتحول إلى خيانة للواجب الشرعي. فالإسلام يفرض على المسلم في أوقات الأزمات مسؤوليات واضحة: كالنجدة، والنصرة، والتكافل، والدعاء، والعمل الصالح، وكلها أفعال تعزز الروح الجماعية.

وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في تراحمهم بالجسد الواحد، في إشارة واضحة إلى خطورة أن يفقد الفرد الإحساس بجراح الآخرين. قال: ” مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”.

من هذا المنظور، فإن اللامبالاة لا تُعد فقط موقفًا سلبيًا، بل قد تكون مشاركة غير مباشرة في الظلم، لأنها تمنح الظالمين فرصة للاستمرار، وتطفئ جذوة المقاومة، وتُضعف الروح الجماعية التي دعا إليها الدين.

مظاهر اللامبالاة في المجتمعات العربية والفلسطينية خلال الحرب على غزة

رغم بشاعة المشاهد اليومية التي نقلتها الحرب على غزة — من قصف متواصل، ودمار واسع، ونزوح قسري لمئات الآلاف — إلا أن اللامبالاة برزت كمظهر صادم في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، بل وحتى في بعض أوساط المجتمع الفلسطيني، مما أثار تساؤلات عميقة حول تراجع الحس الإنساني والتضامني، وضعف الانعكاس الأخلاقي الجماعي تجاه المأساة.

  1. الاستمرار في الحياة الترفيهية والإنكار الواقعي: 

          في الوقت الذي كانت تُقصف فيه غزة ليلًا ونهارًا، ويُنتشل الأطفال من تحت الأنقاض، استمرت بعض المجتمعات بتنظيم مهرجانات غنائية وفعاليات ترفيهية صاخبة، وكأن لا شيء يحدث. لم تقتصر المسألة على الفعل فقط، بل تم بث هذه الفعاليات مباشرة عبر الشاشات، وسط الضحك والأضواء، في مشهد يُجسّد أقصى درجات التناقض بين المعاناة والحياة المفصولة عنها وجدانيًا. هذا التباين يكشف عن انفصال شعوري عميق، أو ما يمكن تسميته بـ”تخدير الضمير الجمعي”.

  1. ازدواجية الموقف الأخلاقي: 

شارك بعض الفنانين والمشاهير في هذه الفعاليات، بينما صرّحوا في الوقت نفسه بتضامنهم مع غزة، مما جعل من هذا “التضامن” مجرد أداء شكلي، لا يتجاوز عتبة الخطاب، ويفتقد للحد الأدنى من الانسجام بين القول والفعل.

  1. محاولة إعفاء الذات من المسؤولية:

 رغم أن بعض الشعوب قد تكون ضحية لسياسات حكوماتها التي تمارس التعتيم الإعلامي، وتمنع الخطاب التضامني الفعّال، فإن هذا لا يبرر حالة اللامبالاة الشعبية التامة، خاصة مع الانفتاح الإعلامي الذي لم يعد يترك عذرًا لغياب الوعي.

  1. المفارقة داخل الجسد الفلسطيني

الأمر الأكثر إيلامًا تجلّى في بعض مظاهر اللامبالاة داخل الشق الثاني من الوطن، حيث أقيمت حفلات ومناسبات اجتماعية أو سياسية وكأن غزة ليست تحت الحصار والنار. هذا يعكس شرخًا نفسيًا واجتماعيًا داخل الجغرافيا الفلسطينية نفسها، وكأننا أمام انقسام وجداني وليس فقط سياسيًا، وهو ما ينذر بخطورة تآكل الروح الجماعية الجامعة، وفقدان الإحساس بوحدة الألم والمصير.

  1. اللامبالاة الرقمية والترند التافه: 

فمن المظاهر الصادمة للامبالاة خلال الحرب على غزة، ما ظهر جليًا في المحتوى الرقمي العربي على وسائل التواصل الاجتماعي. فعوضًا عن تصدّر مشاهد القصف والدمار والمعاناة اليومية “الترند”، تربعت مقاطع الرقص والطبخ والفضائح السطحية لنجوم الفن والمؤثرين على قوائم الاهتمام، بينما كانت أخبار غزة تمر مرور الكرام، أو تُهمل بالكامل.

هذه اللامبالاة الرقمية لا تعكس فقط تراجعًا في الاهتمام السياسي أو الإنساني، بل تكشف عن خلل عميق في سلم الأولويات المجتمعية، حيث أصبحت الترفيهية الفارغة تُقدّم على المأساة الجماعية، لا كنوع من التنفيس المؤقت، بل كاختيار واعٍ للهروب من الحقيقة، وتبلد الإحساس.

اللافت في هذه الظاهرة أن بعض الدول الأجنبية كانت أكثر تفاعلًا وجدانيًا من المحيط العربي، ففي الوقت الذي خرجت فيه مظاهرات ضخمة في شوارع إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا تنديدًا بالعدوان على غزة، كانت شوارع كثير من العواصم العربية تزدحم بالحفلات والمهرجانات، وكأنها في قارة أخرى لا يجمعها مع غزة لا دين ولا لغة ولا مصير مشترك.

مفارقة مؤلمة:  هذا التناقض لا يُفسر فقط بالسياسات الرسمية، بل يُظهر تراجع الوعي الجمعي، وتحول الإنسان العربي في بعض السياقات من “فاعل تضامني” إلى “مستهلك محتوى تافه”، غير مكترث بما يحدث خارج دائرة لذته اللحظية.

  1. الحياد السلبي والصمت المخجل

من أبرز مظاهر اللامبالاة الأخلاقية التي ظهرت خلال الحرب على غزة، ذلك الصمت الجماعي لعدد كبير من الشخصيات العامة والمشاهير وأصحاب المنصات المؤثرة، الذين تجنبوا تمامًا الحديث عن المأساة، متذرعين بمبررات مثل “الحياد”، أو “الابتعاد عن السياسة”، أو “الخوف من المساءلة القانونية والملاحقة الرسمية”.

لكن في زمن المجازر والإبادة، لا يُعد الصمت حيادًا، بل تخليًا عن الموقف الأخلاقي، وانسحابًا من المسؤولية الإنسانية. فالصمت في مثل هذه اللحظات، لا يُبقي صاحبه على الحياد، بل يُصنفه – ولو ضمنيًا – في صف الجلاد بصمته عن الضحية. الغريب أن هؤلاء المؤثرين الذين يملكون منصات يتابعها ملايين الناس، ويتدخلون في تفاصيل الموضة والأغاني والطعام، اختاروا فجأة أن “يصمتوا” حين تعلق الأمر بمأساة شعب تُباد أحياؤه ويُهجر سكانه. مع أن بإمكانهم – لو أرادوا – إيصال الرسائل بطرق إنسانية ذكية، دون الدخول في صدام مباشر مع الحكومات أو تجاوز الخطوط الحمراء.

  1. استغلال الأزمة لأغراض تجارية: 

من أخطر مظاهر اللامبالاة المبطّنة التي ظهرت خلال الحرب على غزة، ما يمكن وصفه بـ”الاستغلال التجاري للمأساة”، أو تسليع المأساة وتحويل الألم إلى وسيلة ربح، حيث تحولت الكارثة إلى فرصة تسويق لبعض الشركات والمتاجر والماركات المسجلة. ظهرت حملات دعائية تحت شعارات دعم غزة، بينما غابت تمامًا الشفافية حول كيفية هذا الدعم، أو ما إذا كانت هناك مساهمة حقيقية أصلًا.

المشكلة ليست في الإعلان ذاته، بل في نواياه الخفية، فبعض المتاجر استغلت المشاعر العامة لتعزيز مبيعاتها، مستخدمة صور الأطفال الجرحى، أو شعارات المقاومة، أو علم فلسطين كأدوات تسويق، دون أن يثبت أن قرشًا واحدًا من هذه الأرباح وُجّه إلى المحتاجين فعلاً. بل إن بعض الشركات استخدمت حالات إنسانية حقيقية للإعلان عن منتجاتها، في مشهد مؤلم يختزل المأساة إلى مجرد أداة دعاية.

بهذا النوع من الاستغلال يُفرغ التضامن من معناه، ويسيء لقضية عادلة بتحويلها إلى لافتة تُباع وتُشترى. كما أنه يُكرّس ثقافة لا أخلاقية ترى في كل ألم فرصة، وفي كل كارثة سوقًا، ما يعكس تحوّلًا خطيرًا في الضمير المجتمعي.

  1. الإحباط واللامبالاة الناتجة عن التكرار والاعتياد (تطبيع الألم): 

من أبرز أسباب اللامبالاة في بعض البيئات العربية والفلسطينية ما يمكن تسميته بـ”تكرار المأساة حتى أصبحت اعتيادية”. فقد لوحظ أن الناس باتوا يتناولون أخبار الحروب، والقصف، والضحايا، وكأنها جزء من روتين الحياة، تُتداول كما تُتداول النشرات الجوية، دون أثر شعوري حقيقي.

في بعض البيئات، أصبح القصف خبراً مكرراً، وصور الشهداء مشهداً مألوفاً، والمأساة حدثاً يومياً لا يثير الدهشة. هذا التبلّد لا يعني بالضرورة قسوة القلب، بل قد يعكس شعوراً عميقاً بالعجز، حيث يرى الناس تكرار الكارثة دون أن يكون بمقدورهم فعل شيء لتغييرها، فيتكوّن لديهم ما يُشبه “جداراً نفسياً” يحميهم من الانهيار، لكنه في الوقت ذاته يفصلهم عن التفاعل الإنساني.

حين يصبح القصف جزءاً من نشرة الأخبار اليومية، وتُتداول صور الأطفال تحت الأنقاض بجانب صور الإنجازات أو المناسبات السعيدة، كنجاح طلاب الثانوية العامة، دون أي وعي بجنون المفارقة، نكون أمام حالة من الانفصال الخطير عن الواقع الإنساني.

  1. العنصرية المبطّنة وموازين التعاطف المختلة

من أشكال اللامبالاة المعاصرة، ما يمكن وصفه بـ”العنصرية المبطّنة” أو “التمييز الإنساني غير المعلن”، والتي ظهرت بوضوح في بعض الأوساط العالمية والصحفية، حيث بدت مهتمة ومهووسة بقضايا أقل مأساوية من الإبادة الجماعية في غزة، لكنها لم تُظهر نفس القدر من التفاعل أو الغضب الإنساني تجاه المجازر المتكررة هناك. 

هذا التفاوت في التغطية والمشاعر يعكس خللاً جوهرياً في موازين التعاطف، وكأن حياة بعض الشعوب تستحق أكثر من غيرها، وكأن الدم الفلسطيني أقل قيمة في الوعي العالمي. إنها صورة خفية للعنصرية، لا تُقال صراحة، لكنها تتجلى في التفاعل الانتقائي، وفي التركيز على مناظر الدمار فقط حين تتناسب مع الأجندة الإعلامية أو السياسات الدولية.

كما ظهرت بعد وقف إطلاق النار بعض الأصوات التي تحدثت عن “عودة الحياة إلى طبيعتها”، متجاهلة تمامًا آثار الحرب طويلة المدى، من البيوت المدمرة، إلى النفوس المحطمة، إلى الاحتلال الذي ما زال يتنصل من التزاماته. وكأنّ كل ما جرى يمكن طيّه بسهولة في مشهد عابر، وهذا لا يمثل فقط لامبالاة، بل محاولة لتبرير التقصير والتملص من الواجب الإنساني الذي طالما تشدق به العالم.

هذه اللامبالاة المبطنة ليست سلوكاً فردياً فقط، بل خطاباً ثقافياً مقلقاً، يتواطأ مع الظلم باسم “الحياد” أو “التوازن”.

خلاصة:

يمكن النظر إلى ما جرى في غزة بوصفه مرآة كاشفة لثقافة اللامبالاة العالمية، حيث لم تتجلَّ اللامبالاة في الصمت فحسب، بل في الانتقائية الأخلاقية، وتفاوت ردود الأفعال، وتسطيح المأساة إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار. فقد تحوّل الألم الإنساني إلى حدث قابل للتجاوز السريع، وتراجعت قيمة الضحية أمام اعتبارات السياسة والمصلحة والخطاب الإعلامي المنحاز. إن أخطر ما أفرزته هذه الثقافة هو تطبيع العنف، والتعايش مع الإبادة بوصفها «واقعًا معقّدًا»، بما يسهم في إفراغ الضمير الإنساني من حسّه النقدي، ويُكرّس عالَمًا يرى المأساة حين تخدم روايته، ويتجاهلها حين تفضح ازدواجية معاييره.

 د. محمود عبد المجيد عساف


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمود عبد المجيد رشيد عساف

أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي المساعد، عضو اتحاد الأكاديميين الفلسطينيين، ونقابة المدربين الفلسطينيين، عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وعضو الاتحاد الدولي للغة العربية، وعضو هيئة تحكيم المجلة العربية لضمان جودة التعليم الجامعي باليمن، وممثل مجلة الدراسات المستدامة الصادرة عن الجمعية العلمية للدراسات المستدامة في العراق 2020 م. مدرب معتمد لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مجال القانون الدولي الإنساني، وممثل فلسطين في الدورة الإقليمية لتكوين المكونين في مجال القانون الدولي الإنساني في العامين 2017، 2019 في تونس والمغرب. حاصل على منحة وزارة التربية والتعليم العالي للبحث العلمي للعام 2014، وجائزة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للإبداع والتميز2020، ومنحة اللجنة الدولية للصليب الأحمر البحثية 2020، وجائزة الأستاذ الدولية للإبداع الفكري الدورة الأولى 2021-2022، والمركز الأول في جائزة الياسين الدولية للبحوث العلمية عام 2022. له (15) كتاب في مجالات التربية والتعليم العالي، (3) كتب أدبية (روايات) ونشر (85) بحثا في مجلات علمية محكمة

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى