التنويريسياسة واجتماعمكتبة التنويري

الفكر العسكري عند المارشال جوكوف

قراءة تحليلية في مذكرات المارشال جوكوف: عبقرية التخطيط وبناء الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية

لقد قيل أن ذهنية القائد العسكري البارز و ثقافته و إرادته تترك أثرا عميقا في تطور فن الحرب، فمن  من يقرأ مذكرات الماريشل جوكوف يشعر بالمتعة  إذ  يكتشف القارئ من خلالها طبيعة الجهاز العسكري الروسي و ما يتميز به من موارد بشرية و قدرات عسكرية، و كما يقال: ” تنهض الأمم بمواردها البشرية”

 نقف  مع مذكرات الماريشال جوكوف و كانت  أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علم السياسة ( درجة علم الحرب) من جامعة باريس الأولى،  ضمت مسيرته ، اشرف عليها البروفيسور جان بول شارنيه رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية و الصراعات المسلحة في جامعة باريس الرابعة صدرت عن دار طلاس للنشر و التوزيع و جاءت في 292 صفحة و مقدمة طويلة جدا، و مسيرة المارشال جوكوف حافلة بالأعمال التكتيكية، بدأت حركته العسكرية من قائد فرقة إلى نائب قائد منطقة عسكرية إلى رئيسا للأركان العامة، فقد كان منظم معارك التحوّل، و منسق الضربات السّاحقة في معارك أوكرانيا و ساهم في تحرير روسيا البيضاء .

و المارشال جوكوف كان من مؤسسي الجيش الأحمر و بنائه، تبين الاستراتيجيات التي كان يضعها القادة وقت الحروب، جاء في مقدمة هذه المذكرات أن من يقرأ التاريخ العسكري يتبين له بوضوح أن الصراع المسلح في كل زمان و مكان منذ  أن استخدم الإنسان السكين الحجرية إلى استخدامه القنبلة النووية، علما أن كثير من الكتابات تحدث أصحابها عن فن الحرب و إدارتها منهم كتاب “الحرب و الرأي العام و الدعاية” للأستاذ رشيد حمليل، لكن ما يهم هنا هو ما كتب عن هذا القائد العسكري الذي تحدث عن المبادئ العسكرية و الأخطاء التي يقع فيها العسكر  و التي تؤدي إلى هزيمة أيّ جيش في العالم.

يقول جوكوف : إن الحروب ليست واحدة أو متشابهة، فهي تختلف باختلاف أماكنها و ظروفها، تكشف هذه المذكرات التي تؤرخ للفكر العسكري عند المارشال جوكوف طريقة العمل في إدارة التدريب القتالي للجيش الأحمر، و الاستراتيجيات التي وضعها جوكوف، إذ يقول: اقنعتني الخبرة و الممارسة الطويلة، بأن القادة المثقفين تكتيكيا فقط، هم القادرون على القطعة المقاتلة في زمن السلم و على القيام بأعمال ظافرة باقل ضحايا في زمن الحرب، يقول جوكوف أن الحرب العالمية الثانية كانت أضخم صراع مسلح عرفه تاريخ البشرية حتى الآن .

كانت تجربة المارشال جوكوف و العمليات الاستراتيجية التي خطط لها موضع دراسة من قبل المحللين العسكريين ، فهو لم يكن عصاميا و منظما و مفكرا فحسب، بل كانت له نظرة ثقافة واسعة مكنته من استيعاب أسرار التقنية العسكرية وكان جنديا محنكا قادرا على التجاوب مع كل الحالات و المواقف، حينما شارك في كثير من المعارك التي جرت على نهر خالخين- غول عام 1939 بين القوات السوفياتية و القوات اليابانية التي اقتحمت منغوليا ،فكان أول من خط السمات المميزة للعلم العسكري السوفياتي في مرحلة الحرب العالية الثانية، كانت أهم القيادات التي تولاها قيادة “فرقة الفرسان”.

في استراتيجيته العسكرية تعرف جوكوف على طبيعة الناس و نقاط قوته و ضعفهم و حتى خصائص الرؤساء، إذ يقول: إنه بدون معرفة خصائص الرؤساء تستحيل قيادة القوات بنجاح (ص 48) و يرى أن الاتجاه الرئيسي ينحصر بالتنظيم الفوري للتدريب، تشير بعض الكتابات أن مصطلح “الاستراتيجية” مفهوم عسكري ابتكره قادة الجيوش الكبرى في أوروبا، إلا أنه تم توظيف هذا المفهوم في القطاعات الأخرى الإقتصادية و التربوية و بخاصة في الجزائر وحيث اصبح هذا المفهوم يتردد على كل لسان ، الحقيقة أن هذه الأطروحة تحتاج إلى قراءة متأنية من باب التثقيف سواء للمنتمين للجهاز العسكري أو القراء العاديين.

علجية عيش 


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

علجية عيش

كاتبة صحافية عصامية (23 سنة خبرة في الميدان)، مؤلفة ومدونة جزائرية. درست بمركز اللغات المكثفة بجامعة منتوري قسنطينة في منتصف الثمانينيات، وهي متعددة الإختصاصات وحاملة لعدة شهادات من معاهد وطنية، وخريجة الهلال الأحمر الوطني الجزائري كمربية أطفال بدرجة امتياز. في الرصيد المعرفي 14 عنوان كتاب، آخرها طبعات 2025 بعنوان "العوالم الثلاثة عند مالك بن نبي" و"المثقف العربي وصراع النخب"، إلى جانب كتاب جديد قيد الإنجاز عبارة عن دراسة أكاديمية مبرمج للصالون الدولي للكتاب (سيلا 2026)، وفي الآفاق مسودة رواية وديوان شعر. حظيت بوسام المثقف لسنة 2016 من طرف صحيفة المثقف العربي بأستراليا، وتكريم خاص من مؤسسة الفكر بالعراق، بالإضافة إلى شهادة كسفيرة للسلام وشهادة دكتوراه فخرية من مركز الدراسات الإسلامية عن كتابها حول الشخصية الوطنية العسكرية العقيد محمد الصالح يحياوي، رجل بوزن أمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى