
في كل مرة يُثار فيها ملف الآباء المتخلّفين عن أداء النفقة، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: من يتحمل الثمن الحقيقي لانهيار المسؤولية الأسرية؟ فبين نصوص القوانين وأروقة المحاكم، وبين الأحكام القضائية ومحاولات تنفيذها، يبقى الطفل هو الحلقة الأضعف في معادلة لا ذنب له فيها. وما حدث مؤخرا في الأرجنتين، حين جرى إعداد قوائم تضم آلاف الآباء المتهمين بالتهرب من أداء النفقة بهدف تقييد استفادتهم من بعض الامتيازات المرتبطة بكأس العالم، ليس سوى تعبير عن حجم مشكلة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافات المختلفة.
القضية في جوهرها ليست مالية فقط، فالنفقة ليست مبلغاً شهريا يُقتطع من دخل الأب وينتهي الأمر، وإنما هي اعتراف مستمر بالمسؤولية تجاه طفل يحتاج إلى الغذاء والتعليم والعلاج والاستقرار النفسي، لذلك يبدو المشهد صادما حين يجد المجتمع نفسه أمام آباء قادرين على الإنفاق على متعهم الشخصية وسفرياتهم ومتابعة مباريات كرة القدم، بينما يعجز أطفالهم عن الحصول على أبسط احتياجاتهم الأساسية، هنا لا يعود الأمر مجرد مخالفة قانونية، وإنما يتحول إلى أزمة أخلاقية تمس معنى الأبوة نفسه. لكن النقاش لا يقف عند حدود إدانة الآباء المتنصلين من مسؤولياتهم، فالتدوينات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تعكس مخاوف متزايدة لدى كثير من النساء من الارتباط برجال غير قادرين أو غير راغبين في تحمل أعباء الأسرة. لقد أصبحت الاستقلالية الاقتصادية بالنسبة إلى عدد متزايد من النساء وسيلة للحماية أكثر منها خيارا شخصيا. ففكرة الاعتماد الكامل على شريك قد يختفي أو يتنصل من واجباته أصبحت بالنسبة للكثيرات مخاطرة غير محسوبة العواقب.
ومع ذلك، فإن اختزال المشكلة في سوء اختيار المرأة للرجل قد يكون تبسيطا مفرطا لواقع أكثر تعقيدا. فالناس لا يأتون إلى الزواج حاملين شهادات تضمن سلوكهم المستقبلي.. هناك رجال يبدون مسؤولين قبل الزواج ثم يتغيرون بعده، كما أن ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية قد تكشف جوانب لم تكن ظاهرة في البداية. لذلك فإن بناء أسرة مستقرة ينبغي أن يعتمد على حسن الظن أو الثقة العاطفية وأيضا على وجود ضمانات قانونية وثقافة مجتمعية تجعل التهرب من المسؤولية مكلفا .
اللافت أن المجتمعات الحديثة بدأت تبحث عن وسائل جديدة للضغط على المتهربين من النفقة، فبدل الاكتفاء بالأحكام القضائية التقليدية، يجري ربط بعض الحقوق والامتيازات بتنفيذ الالتزامات الأسرية.. والرسالة هنا واضحة بحيث لا يمكن لشخص أن يتمتع بكامل امتيازات المواطنة بينما يتخلى عن أبسط واجباته تجاه أبنائه.
قد يكون أقسى مشهد يمكن تخيله هو أم تنظر إلى طفلها العاجز عن فهم أسباب حرمانه، بينما يواصل أحد والديه حياته كأن شيئا لم يكن. فالخلافات بين الأزواج تنتهي، والعلاقات العاطفية قد تنكسر، لكن مسؤولية الأبوة والأمومة لا تنتهي بالطلاق ولا بالخصام. وحين يصبح الطفل ضحية لهذا التنصل، فإن المجتمع بأكمله يكون أمام فشل أخلاقي يتجاوز حدود الأسرة الواحدة إلى سؤال أكبر: كيف نحمي حق الأطفال في حياة كريمة عندما يتخلى الكبار عن واجباتهم؟
عائشة بوزرار
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






