التنويريفكر وفلسفة

 البيولوجيا الفلسفية والائتمانية الدينية

مقارنة فلسفية بين مبدأ المسؤولية الأرضي عند هانس يوناس والائتمانية الروحية عند طه عبد الرحمن، وكيفية تكامل العلم مع القيم

نظر أرسطو إلي «الإنسان» كوحدة؛ فحين يموت الجسد تموت معه النفس. مع ابن سينا، وبتأثير من اللاهوت، سيتم التمييز بينهما؛ فالنفس جوهر خالد، والجسد جوهر ثان وفان. في اللحظة الحديثة، مع ديكارت وبتأثير من العلم الفلكي، النفس جوهر والجسد جوهر آخر، وهنا التأسيس لمركزية الإنسان. بمعني أن الجسد مقارنة بالكون شيء صغير، وأما الإنسان فجوهره الفكر، بالفكر الذي يستوعب به الكون، ولا يستوعب العظمة الكونية إلا عظيم (=العقل)، سيصبح الإنسان «سيدا ومالكا للطبيعة». عندما ننتقل إلى كانط، وبعد مسيرة مفهوم «تعطيل المادة»، سنجد أن المسؤولية كمفهوم سيظهر نتيجة تفاعل العلمي والفلسفي. إن الطبيعة أو المادة شيء عاطل لا فكر ولا إرادة فيها… ما كان في المادة (إرادة، عقل…) سيعود للإنسان. ومن ثم فالإنسان حر، وإذن فهو مسؤول. من هنا سيعلن كانط أن للإنسان قيمة مطلقة، إنه غاية في ذاته (له كرامة)، ولكن ماذا عن الطبيعة، هل هي غاية في ذاتها؟ 

يبدو أن أخلاق كانط كونية في علاقتها بالإنسان، ومحلية من حيث عدم شمولها لغير البشر والمستقبل (أي تهتم بالحاضر). حين جاء هانس يوناس بـ«الواجب الأخلاقي الكوني»، أي  شمول الواجب للإنسان وغير الإنسان، فلكي لا ندمر الطبيعة والإنسان. ولعله يلتقي هنا مع طه عبد الرحمن من حيث أن كل شيء له قيمة وغائية.

إن الحياة كشكل من أشكال الحرية (النبات حر مقارنة بالجماد…)، تحمل الغائية (الكائن يريد البقاء) ووجب احترامها (تفضيل الوجود علي العدم يعني أن للحياة قيمة).لذلك، فإن يوناس بنى فلسفته من خلال العودة إلى البيولوجيا، ومن الحياة/الكائن الحي أسس مبدأ المسؤولية (له كتاب بعنوان ظاهرة الحياة، وآخر بعنوان مبدأ المسؤولية). ومعنى ذلك أننا مسؤولون عن كوكب الأرض وعن الأجيال القادمة، مثلما أن الوالدين مسؤولين عن الطفل. بخصوص طه عبد الرحمن فيرى أن الإنسان مؤتمن ومسؤول قبل أن يخرج إلى هذا العالم، أي أنه ائتُمن من طرف الله على العالم بما ومن فيه. فإذا كان يوناس يستخرج القيمة والغائية من الحياة نفسها ومن الكائن الحي، فإن طه يعتقد أن هذه المفاهيم ثاوية في روح الإنسان؛ فما دام كل شيء أمانة، معناه أن هناك غايات وقيم. يشبه الأمر قوالب كانط فيما يتعلق بالمعرفة [قوالب من دون مضمون معرفي]، ولكن الفرق أن الخطاب الإلهي حول الأمانة عند طه يبدو كقالب معرفي/روحي ينبغي أن نستحضره وننظر به إلى الحياة والكائن الحي والمستقبل… وكأن طه يقول: افعل بحيث يكون فعلك موجَّها بالائتمان ومنظورا إليه بعين الرحمن.

إن فلسفة هانس يوناس فلسفة أرضية المصدر وغايتها الأرض، في حين أن فلسفة طه فلسفة سماوية وغايتها الأرض والسماء معا، والمسقبل الدنيوي والأخروي. نلحظ إذن أن هناك حلين؛ حل أرضي؛ «وعد إنساني»، وحل سماوي؛ «وعد سماوي». بتعبير آخر, هناك حل «محايث» ينطلق من الإنسان ويعود إليه، وهناك «مفارق» حل ينطلق من الله إلى الله. أجل، إن الغاية واحدة، والمنطلق مختلف. فهل نفهم من ذلك أن الرؤية العلمية إنما يجب أن تُنفخ فيها روح القيم، حتى لا ندمر العالم والإنسان؟ وهل من الممكن أن نربط  القيم بالعلم أم أن هذا الأخير هو القائد والموجه للفكر والتفكير بكل أنواع (فلسفي، سياسي، أخلاقي، أدبي…)؟ وإذا سلمنا أن البراديغم الحداثي ماكر من حيث إخضاعه لكل شيء، فهل نقول بالمقابل إن الرؤية اللاهوتية ماكرة (معرفيا/إيجابيا) حين تجعل العلم يظن أنه السيد وهو يخدم مشروع الاقتراب من الكمال والأسماء/الصفات الإلهية؟ 

يبدو أننا نحتاج شيئا من «عقلية» هانس يوناس، وشيئا من «روحانية» طه عبد الرحمن، لنخدم الأرض ولا ننسى في الوقت ذاته بُعدنا السماوي وأفقنا الأبدي.

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى