أدبالتنويري

أنين الغيم: تفكيك المفارقة بين الشكل والمضمون 

قراءة نقدية بقلم هشام شمسان تستكشف التضاد بين رومانسية الغلاف والعمق الفلسفي والوجودي في نصوص مجموعة "أنين الغيم".

في مجموعة (أنين الغيم) لكاتبها اليمني خلدون الدالي نكتشف أننا لسنا أمام (أنين) شاعري، ووجداني، كما يوحي الغلاف وعنوانه، بل أمام مشارط لغوية تقص أثر الوجود في قوالب قصصية بالغة الصرامة، مما يضعنا أمام مواجهة نقدية تبدأ من العنونة، والترويسة وتنتهي بآخر نقطة في الفهرس. (1)

العَـنْونـَة

بنظرة فاحصة لمفهوم “العتبات النصية” وعلاقتها بالمتن الأدبي، فالعنوان هو أول “عتبة” يطأها القارئ. وفي فن “القصة القصيرة جداً” (ق.ق.ج) تحديداً، يُنتظر من العنوان أن يكون بمستوى كثافة النصوص، بل ومتجاوزاً لها في القدرة على الإدهاش. ولكن العنوان في هذه المجموعة جاء بسيطاً، مقارنة بالمضامين، والنصوص الداخلية، فمصطلح “الأنين” و”الغيم” فيه تكرار نمطي،  وهو من التعبيرات المستهلكة بكثرة في الكتابات الأدبية العربية، مما قد يجعل العمل يبدو للوهلة الأولى -لمن يرى الغلاف فقط- كأنه خواطر وجدانية، بينما المحتوى الفعلي للكتاب هو بناء سردي محكم، يتطلب ذهنية تحليلية يقظة. وكان من الممكن لعنوان مثل “شظايا ” أو “ظلال طليقة”، أو ” غبار الوقت” او ” اتساع العدم” أو ” ظل فائض”  (من عناوين الكتاب الداخلية) أن يكون أكثر تمثيلاً لهوية الكتاب البنيوية من عنوان “أنين الغيم “الذي يكاد يكون “عنواناً مخادعاً” (بشكل غير مقصود)؛ فهو يقدّم وعوداً بـ “شعرية هادئة” بينما تُقدمُ النصوص صدمة معرفية وسردية. 

○ وهذا يدفعني التساؤل: هل كان العنوان بدافع “التسويق العاطفي” لجذب القارئ، أم أنه مجرد انحياز شخصي لصورة جمالية رآها الكاتب شخصيا، في تعبير” أنين الغيم”؟

 المحاور التي تطرق إليها القاص:

المضمون العام ليس رومانسيًا كما يوحي بذلك عنوان المجموعة الناعم، بل هو احتجاجي وفلسفي، بوجه عام. و تتمحور معظم النصوص حول الاغتراب الوجودي، والانتماء،  والصراع مع القيود النفسية، والمجتمعية، واستلاب الهُوية. 

ولكي يتبين القارئ، أو المستمع تلك المحاور، أو بعضها نقف عند  الأفكار الفرعية الآتية :

  • الهزيمة والانتصار : كما في قصة ” سيمفونية الروح” ففي هذه القصة، يتمحور المضمون حول “العزف رغم تكسير الأصابع”، وهو ما يجسد فكرة الانتصار الداخلي على الهزيمة الجسدية.
  • العدالة الناقصة أو الغائبة: تتناول هذه الفكرة المفارقات التي تحدث في موازين العدل أو الجزاء، حيث تنعكس النتائج بشكل غير منطقي، كما في نص”لغة القفص” (ص 8) الذي يصور (العصفور) بأنه من صنع سجنه برؤيته الخاصة، فالنص هنا يناقش “الجناية الذاتية” وكيف يصبح المظلوم هو من يكرس لظلمه.
  • استلاب الهوية: هناك نصوص تناقش كيف يفقد الإنسان ملامحه الخاصة أو يتحول إلى مجرد أثر باهت في واقع لا يعترف بفرادة الفرد،  كـ(نص) “وشم الرماد” (ص ١٠٣) فالرماد في النص رمز للنهايات والعدم، والوشم يوحي بالأثر الباقي، لكنه أثر من مادة (رماد)، سريعة الفناء. الفكرة هنا تلامس مفهوم “الهوية المحترقة” التي تحاول أن تترك بصمة مستحيلة.
  • المواجهة مع الحقيقة االعارية: نصوص تضع الشخصيات أمام لحظات كشف صادمة، حيث تسقط الأقنعة وتظهر الأشياء على حقيقتها البشعة أو المدهشة، ومثالها نص “صورة بلا إطار” (ص ١٠٢) الذي  يركز  على موضوعة  التخلي عن “الإطار” الزيفي،  لمواجهة الصورة كما هي في الواقع. هذا النص تحديدا يعالج فكرة “التعري المعرفي” والتحرر من القيود الشكلية التي تفرضها المجتمعات.
  • العدمية، والأمل المستحيل:  نصوص تميل نحو السوداوية أو الفلسفة العدمية، حيث يبذل البطل جهداً كبيراً ينتهي به إلى لا شيء في النهاية.  ومن أمثلة ذلك  نص “هسيس الرماد” (ص ٩٧). إذْ تتحول الصراعات الكبرى والحرائق الوجدانية في النهاية إلى بقايا صامتة لا صوت لها.  فنجد أن الجهد المبذول في الكتابة والاحتراق ينتهي دائماً أمام “ورقة بيضاء” تنتظر احتراقاً جديداً.
  •  نقد التزييف الاجتماعي:  وهو محور يتجاوز به الكاتب الصراع الوجودي الفردي فينتقد ظواهر اجتماعية تتعلق بالخداع، والمظاهر الجوفاء، والانسياق خلف الأوهام. 

مثال ذلك نص “بائع الريح” (ص 16)  الذي يسخر من “الجمهور” الذي اشترى الهواء وتوهم وجوده، ثم ألقى باللوم على “الهواء” حين اكتشف الخديعة. الدلالة هنا تذهب نحو نقد العقل الجمعي القابل للاستغفال.

  • جدلية الذاكرة والزمن: تَحضُر الذاكرة في الكتاب كأداة تعذيب تارة، وكوسيلة لاستعادة الذات تارة أخرى، مع التركيز على ثقل الماضي. مثال ذلك،  نص “نصل الذاكرة” (ص 105) الذي اتخذ من المحبوبة قناعا للتذكر . يوحي عنوان النص والمتن بأن الذاكرة ليست مجرد استرجاع، بل هي “نصل” جارح، والاستحضار للماضي يأتي بصفته عبئاً يمزق الحاضر، ويقف عند منطقة الألم الساكن.
  • كرة الوجودية والعبثية: هناك نصوص تقف متأملة في عبثية الفعل الإنساني، بحثا عن المعنى في تفاصيل قد تبدو غير مجدية. مثال ذلك نص “صراع” (ص 98)، الذي يعكس حالة من التضاد الداخلي الذي لا ينتهي بانتصار أو هزيمة واضحة، بل يعبر عن جوهر الصراع البشري المستمر في دوائر مغلقة، وهو ما يجسد “العبث الوجودي” الذي يرافق الإنسان..
  •  براءة الطفولة الموؤودة : يتناول الكاتب فيها ضياع الأحلام المبكرة وتحول الطفولة إلى مجرد ذكرى مؤجلة تحت ضغط الواقع القاسي. مثال ذلك نص “طفولة مؤجلة” (ص 100). إذْ يركز مثل هذا النص على فكرة “الزمن الضائع”؛ عندما تظهر الطفولة ككيان تم استلابه تماماً.
  • لانتماء والاغتراب المكاني: يعالج الكاتب في هذه الفكرة علاقة الفرد بالمكان والوطن، وكيف يتحول الانتماء إلى عبء، أو درس صعب التعلم. مثال ذلك نص “درس في الانتماء” (ص 104).  يناقش مضمون هذا النص مفهوماً أخلاقياً ووطنياً مباشراً، حيث يصبح الانتماء موضوعاً للمساءلة والتعلم المؤلم، وليس مجرد حالة وجدانية.

هذه المحاور، وغيرها، تؤكد أن نصوص مجموعة ” أنين الغيم” ليست مجرد تأملات وجدانية، بل هي مشرحة أدبية للقضايا الإنسانية المعقدة، صيغت بلغة “القصة القصيرة جداً” لتحقيق أقصى درجات الكثافة.

 الأسلوب والمنهجية: 

اتبع الكاتب منهجية “المفارقة المباغِتة” و “القفلة الصادمة”، حيث يأتي التكثيف الشديد معتمدًا  أسلوب “الضربة الخاطفة”؛ إذ يبدأ النص بمشهد اعتيادي ثم ينحرف فجأة نحو نهاية غير متوقعة تقلب موازين المعنى. كما يأتي الانزياح مبتعداً عن السرد الخطي التقليدي ويميل إلى خلق صور سريالية تعيد صياغة الواقع، مثل، رسم القضبان على السماء، بيع الريح في أكياس ، ورسم القيود على الفضاء، وتعليب الضوء، والألوان، والوشم المحفور بمادة الرماد، وغيرها الكثير الكثير)

النسيج اللغوي: 

اللغة في المجموعة هي “لغة الصورة” لا “لغة الإخبار” ففيها، الاقتصاد اللغوي الذي يركز عل جمل قصيرة، خالية من الحشو والزوائد الوصفية، وتعتمد على الفعل والحركة.  ايضًا تعتمد النصوص في مجملها على الرمزية العالية، باستخدام مفردات مشحونة بدلالات، أعمق من معناها القاموسي، فهي لغة تتسم بالصرامة، بعيداً عن “الميوعة” اللغوية، وهو ما جعلها تتصادم مع نعومة العنوان “أنين الغيم”.

ختاما:

المجموعة تكاد تكون نموذجاً مثالياً لمفهوم القصة القصيرة جدا، كونها اعتمدت على تقنيات:

الوحدة، والتكثيف ، والدهشة، والحركية. وهي بذلك تمثل قفزة في تمكن الكاتب من أدوات القصة القصيرة جدا. لكنه يعاني من اغتراب الغلاف: بعنوانه، ولوحته الفنية، فالمحتوى حداثي حاد، بينما الإخراج البصري للغلاف، ودلالة العنوان الخارجي ينتميان لمرحلة أدبية، وتصميمية سابقة، وهذا يخلق تضاداً، وانفصاماً بين “جوهر العمل” و”مظهره”.(٢).

هشام شمسان 

______________________________________________

 (١)       جميع موالد الكتاب القصصية  تجربة  مولدة عن طريق الذكاء الاصطناعي . منشورات نادي القصة اليمنية 2026،

 (٢)      الترويسة الداخلية  المكررة 119 مرة ( بعدد الصفحات)   بوضعها الحالي، لا تؤدي إلا غرض “العلامة التجارية” للعمل، فحسب، وليس لها بُعد بصري فنيّ.. فعندما تتساوى الترويسة في الحجم والبنط مع النص الأصلي، بل ويتم وضعها وسط الصفحة،  تفقد الترويسة وظيفتها كإطار ثانوي وتتحول إلى عنصر مزاحم ويفرض نفسه كجزء من النص. فوجود ترويسة ببنط كبير كما هو حال هذه المجموعة، يخلق ثقلاً بصريا  يضغط على النص الذي يليه مباشرة، خاصة إذا كانت المسافة البينية بسيطة، مما يخلق تزاحمًا بصريا، يؤثر على النص التالي لها. فالقاعدة الذهبية في الترويسات المتعارف عليها أن ترويسة الكتاب يجب أن تكون أصغر بنقطتين على الأقل من خط المتن، وغالباً ما تُستخدم ببنط باهت قليلاً، أو خط رفيع، لتؤدي وظيفتها التعريفية دون أن تصرخ في وجه القارئ عند كل صفحة،  و لا  تتحول من عنصر تنظيمي إلى عنصر استنزاف بصري،  يشعر القارئ حينها وكأنه يقرأ العنوان أكثر مما يقرأ القصص نفسها


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هشام سعيد شمسان

هشام سعيد شمسان. أديب وناقد من اليمن، له إسهامات في رصد وتوثيق الحركات الأدبية، لا سيما تجارب جيل التسعينات والأجيال اللاحقة في الشعر والسرد . تتوزع اهتماماته الإبداعية بين كتابة النقد الأدبي، والشعر، والقصة القصيرة، وله حضور مستمر عبر المقالات والدراسات النقدية في العديد من الصحف، المجلات، والمواقع الثقافية العربية.○ أبرز مؤلفاته وإصداراته : تتنوع إصداراته بين النقد، والشعر، والقصة القصيرة، ومن أهمها: 1. في مجال النقد الأدبي: - مكاشفات النص (مقاربات في الشعر والسرد): صدر عام 2004 بالتزامن مع فعاليات "صنعاء عاصمة للثقافة العربية". في هذا الكتاب، رصد الحركة الأدبية لدى جيل التسعينات في اليمن، متناولاً تطور أساليب النص الشعري والقصصي لدى الشعراء والكتاب الشباب آنذاك. - تشكيل النص: صدر عام 2021، وهو عبارة عن دراسات شعرية وسردية في الأدب اليمني المعاصر، ناقش فيه ظواهر أدبية مثل انزواء وتلاشي بعض شعراء التسعينات، كما قدم فيه قراءة لمفاهيم "الجيل والتجييل" في السرد.2. في مجال الإبداع (شعر وقصة): - وجوه: مجموعة قصصية، (صدرت عام 2001) الهيئة العامة للكتاب - بكائيات: قصائد ونصوص شعرية، (صدرت عام 1995) دار ابن اليمن -انثيالات: نصوص وديوان شعري. (صدرت عام 2008) منشورات "ورق"

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى