التنويريفكر وفلسفة

حين يتحوّل الصخب إلى “رأي”: ملامح الفوضى في زمن المنصات الرقمية

بين حرية التعبير والضجيج الرقمي: كيف أعادت خوارزميات التواصل الاجتماعي تشكيل الفضاء العمومي؟

في عبارة أثارت نقاشا واسعا، اعتبر Umberto Eco أن مواقع التواصل الاجتماعي منحت مساحة التعبير “لجحافل من الحمقى”، في إشارة إلى أشخاص كانوا يعبّرون عن آرائهم في دوائر ضيقة دون تأثير يُذكر. ورغم حدّة هذا الحكم، فقد بدا مع مرور الوقت أقرب إلى قراءة مبكرة لتحوّلات عميقة يعرفها الفضاء العمومي اليوم، حيث لم يعد من السهل التمييز بين الرأي والمعرفة، ولا بين النقاش الجاد والضجيج العابر.

في السابق، لم يكن الوصول إلى الجمهور أمرا متاحا للجميع، فالكلمة التي تُنشر كانت تمر عبر قنوات محددة، مثل الصحافة أو الجامعة أو المؤسسات الثقافية، وهي فضاءات كانت تفرض نوعا من الانتقاء، إن صح التعبير، بين ما هو مدروس وما هو ارتجالي. أما اليوم، فقد قلبت منصات مثل Facebook وTwitter (إكس حاليا) هذه المعادلة، إذ أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر رأيه فورا، وأن يصل به إلى جمهور واسع بضغطة زر.

هذا التحوّل بدا في بداياته كأنه انتصار لحرية التعبير، حيث أتاح المجال لأصوات لم تكن تجد طريقها إلى الإعلام التقليدي: شباب، نشطاء، ومبدعون خارج الأطر الكلاسيكية. غير أن هذا الانفتاح حمل معه وجها آخر أقل إشراقا، يتمثل في تراجع الفواصل بين الرأي المبني على معرفة والرأي الناتج عن انفعال لحظي أو معلومات ناقصة.

في البيئة الرقمية، لا تحكم الجودة دائما منطق الانتشار. بل إن ما يلفت الانتباه ويثير الجدل هو الذي يحظى بالحضور الأكبر، فخوارزميات المنصات تميل إلى تضخيم المحتوى الذي يثير التفاعل، سواء كان ذلك عبر الغضب أو السخرية أو الاستفزاز. وهكذا، يصبح التعليق السريع أكثر تداولا من التحليل الهادئ، ويتحوّل النقاش إلى ما يشبه ساحة مزدحمة تختلط فيها الحقائق بالانطباعات.

وتظهر هذه المفارقة بوضوح في سرعة انتشار الأخبار غير الدقيقة أو المجتزأة، التي تجد طريقها إلى التداول الواسع فقط لأنها صيغت بطريقة جذابة أو حاسمة. لم يعد عدد الإعجابات دليلا على صحة الفكرة، بل على قدرتها على إثارة الانتباه.

مع ذلك، لم تسلم مقولة إيكو من النقد. فقد رأى بعض الباحثين أنها تنطوي على نظرة نخبوية، تفترض أن المجال العام ينبغي أن يظل حكرا على المختصين.. والحال أن المنصات الرقمية، رغم فوضاها، مكّنت بالفعل من بروز مبادرات ثقافية واجتماعية مهمة، ومنحت فرصة لكُتّاب وصحفيين مستقلين للوصول إلى جمهورهم دون وساطة المؤسسات الكبرى.

في السياق المغربي، يمكن ملاحظة ما يشبه “المحاكمات الرقمية”، حيث يتعرض أشخاص أو فنانون أو صحفيون لحملات انتقاد واسعة بناء على محتوى مجتزأ  أو غير مكتمل، وغالبا ما تتضح الصورة لاحقا، لكن بعد أن يكون النقاش قد انزلق نحو التسرّع وإصدار الأحكام.

لذلك، لا تكمن الإشكالية في أن يتحدث الجميع، ولكن في أن وتيرة النشر أصبحت أسرع من وتيرة التفكير، فالرأي اللحظي بات ينافس التحليل المتأني، وأحيانا يتفوّق عليه. من هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة رقمية نقدية، قادرة على التمييز بين الخبر والادعاء، وبين النقاش الجاد والضجيج.

لقد أتاح العصر الرقمي لكل فرد منبرا، لكنه لم يضمن بالضرورة امتلاك أدوات الفهم والتحليل، وهذه هي المفارقة التي أشار إليها Umberto Eco بشكل غير مباشر، فحرية التعبير، حين تنفصل عن المسؤولية المعرفية، قد تتحول إلى مساحة تتجاور فيها الحقيقة مع التشويش. وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال مفتوحا.. هل أسهمت هذه المنصات في توسيع أفق الديمقراطية التعبيرية، أم أنها أعادت تشكيل المجال العام بطريقة جعلت صوت المعرفة يتقاسم المكان مع ضجيج الانفعال؟

عائشة بوزرار


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عائشة بوزرار

(باحثة بماستر الإعلام الجديد و التسويق الرقمي)، جامعة ابن طفيل –القنيطرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى