ظاهرة البائعين الجائلين في القطارات المصرية بوصفها تجليًا لاقتصاد الظل: مقاربة سوسيولوجية
قراءة سوسيولوجية في «اقتصاد الظل»: كيف يعيد الباعة الجائلون تشكيل الفضاء العام والمقاومة الصامتة للتهميش؟

تُعدّ ظاهرة البائعين الجائلين في القطارات من الظواهر الاجتماعية المركّبة التي تكشف الكثير عن بنية المجتمع، وعن علاقته بالاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي أو ما يُعرف بـ«اقتصاد الظل». فهذه الممارسة اليومية التي تبدو بسيطة وسطحية للوهلة الأولى، تخفي وراءها شبكة معقدة من المعاني الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعبّر عن أشكال التكيف والإبداع الشعبي في مواجهة البطالة والتهميش والفقر. إن القطار، بوصفه فضاءً متحركًا يربط بين المدن والقرى، يختصر حكاية المجتمع بأكمله: في مقاعده تتجاور الطبقات، وفي ممراته يتحرك البائعون حاملين بضاعتهم البسيطة وكأنهم يسعون جاهدين إلى اقتناص فرصة صغيرة للحياة في عالم يضيق بهم يومًا بعد يوم.
ينتمي معظم البائعين الجائلين في القطارات إلى الفئات المهمشة اقتصاديًا، وغالبًا ما تكون بداياتهم نتيجة ظرف قهري: فقدان عمل، أو انقطاع عن التعليم، أو مسؤوليات أسرية مبكرة. لكن مع مرور الوقت يتحول هذا النشاط المؤقت إلى نمط عيش دائم، تتوارثه بعض الأسر جيلاً بعد جيل. هنا تظهر دينامية الاقتصاد غير الرسمي كمنظومة اجتماعية بديلة، لا تنظمها الدولة، لكنها تستند إلى قواعد غير مكتوبة من التضامن والتنافس والاحترام المتبادل بين العاملين فيها. فالبائع الذي يجوب عربات القطار لا يعمل ضمن مؤسسة، لكنه يعرف بدقة مواعيد الرحلات، وأماكن التفتيش، وأوقات الذروة، وأساليب الإقناع والتسويق الشفهي. إنها خبرة اجتماعية مكتسبة وليست عشوائية كما يُعتقد أحيانًا.
من المنظور السوسيولوجي، تمثل هذه الظاهرة تجسيدًا لما يسميه بيير بورديو رأس المال الاجتماعي، أي مجموع العلاقات والروابط التي تمنح الفرد موقعًا داخل شبكة المجتمع. فالبائع الجائل يبني علاقات غير رسمية مع الركاب والسائقين والمفتشين وحتى رجال الأمن، ويعتمد على هذه الشبكات لضمان استمرارية عمله. كما يطور خطابًا لغويًا خاصًا يجمع بين الفكاهة والإلحاح والإقناع، يعكس فهمًا عميقًا لنفسية الزبائن وتوقعاتهم. في هذا المعنى، لا يمكن اعتبار البائعين مجرد هامشيين، بل هم فاعلون اجتماعيون يمتلكون مهارات تواصلية وتنظيمية تسمح لهم بالتحرك في فضاءات عامة شديدة الانضباط مثل القطارات.
يتجلى «اقتصاد الظل» في هذا السياق بوصفه نظامًا موازياً للنظام الاقتصادي الرسمي، لا ينافسه بالضرورة، بل يسدّ ثغراته. فبينما تعجز الدولة عن توفير فرص عمل كافية أو خدمات بأسعار مناسبة، يقدم البائع الجائل سلعة زهيدة الثمن وسريعة التناول. وهذا ما يفسر القبول الاجتماعي الواسع لهم، على الرغم من مخالفتهم للقوانين. فالركاب يجدون فيهم نوعًا من الراحة والخدمة المباشرة، ويكوّنون معهم علاقة غير رسمية قائمة على التكرار والتعارف. وهكذا، يصبح القطار سوقًا متنقلة تتفاعل فيها قوى العرض والطلب في إطار غير منظم، لكنه مستقر بفعل الممارسة والعرف الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى، يكشف القطار كفضاء اجتماعي متحرك عن طبيعة «الفضاء العام» في المجتمعات النامية. ففي نظر عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل دي سيرتو، تشكل الممارسات اليومية مثل البيع الجائل نوعًا من المقاومة الصامتة لهيمنة النظام الرسمي، إذ يعيد الأفراد تعريف المكان من خلال الاستخدام العملي له. فالبائع الجائل حين يدخل القطار، لا ينتهك المكان بقدر ما يعيد تشكيله: يحوّل الممرات إلى سوق، والوقت إلى فرصة اقتصادية، والمكان الرسمي إلى مساحة مرنة للتفاعل الإنساني. إنه، بتعبير دي سيرتو، «صانع تكتيكي» يفاوض السلطة من خلال الممارسة اليومية لا من خلال المواجهة المباشرة.
ورغم الأبعاد الإيجابية لهذه الظاهرة في تمكين الفئات المهمشة، فإنها تثير أيضًا قضايا قانونية وتنظيمية معقدة. فالقوانين في معظم الدول تعتبر البيع داخل القطارات مخالفة للنظام العام، وقد تتعامل معه باعتباره خطرًا أمنيًا أو صحيًا. لكن التطبيق الصارم للقانون يظلّ محدودًا، لأن السلطات نفسها تدرك أن القضاء على هذه الظاهرة دون توفير بدائل اقتصادية واقعية سيؤدي إلى نتائج اجتماعية أكثر خطورة. ومن هنا تنشأ منطقة رمادية بين الممنوع والمسموح، تُدار فيها الظاهرة عبر تسويات غير رسمية بين البائعين والمفتشين والركاب.
هذه الازدواجية بين الرفض القانوني والقبول الاجتماعي تجعل من ظاهرة البائعين الجائلين فئة رمزية تعكس التناقضات البنيوية في المجتمع: فهم ضحايا النظام الاقتصادي، وفي الوقت ذاته فاعلون فيه؛ وهم مخالفون للقانون، لكن وجودهم أصبح ضرورة اجتماعية. إنهم يمثلون، كما يمكن القول، «اقتصاد الحاجة»، حيث تُختزل مفاهيم العمل والربح في حدّها الأدنى من أجل البقاء. وهنا تظهر أهمية المقاربة السوسيولوجية التي لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تسعى إلى فهم بنيتها ووظائفها ومعانيها في إطار السياق الاجتماعي الأوسع.
ومن منظور ثقافي، يمكن النظر إلى البائع الجائل في القطار كـ«راوٍ شعبي» يحمل معه لغة الشارع ونكاته، ويعيد إنتاج الخطاب العام بطريقة تمزج بين الجد والهزل. فنداؤه المتكرر، وطريقته في عرض البضاعة، وحواراته العابرة مع الركاب، كلها تشكل جزءًا من ثقافة السفر الجماعي ومن الذاكرة السمعية للمجتمع. وهكذا، لا يقتصر دوره على الجانب الاقتصادي، بل يشارك أيضًا في تشكيل الهوية الثقافية للفضاء العام، ليصبح القطار نفسه مرآة للحياة الشعبية بكل ما فيها من صخب وتنوع وتناقض.
إن مقاربة ظاهرة البائعين الجائلين في القطارات في ضوء النظريات الاجتماعية تبرز علاقتها بمفاهيم أوسع مثل «التهميش» و«اللامساواة» و«الاقتصاد الشعبي». فهذه الممارسات ليست عشوائية، بل هي ردّ فعل منطقي على اختلالات سوق العمل، ونتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية لا تستوعب الجميع. فحين يُقصى الأفراد من النظام الرسمي، فإنهم لا يختفون، بل يعيدون إنتاج أشكال جديدة من العمل في الهامش، مما يفرض على الدولة والمجتمع إعادة التفكير في مفهوم «العمل المشروع» ذاته.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن ظاهرة البائعين الجائلين في القطارات تمثل نموذجًا مصغرًا للتفاعل بين الدولة والمجتمع، بين النظام والمرونة، بين القانون والحاجة. إنهم ليسوا مشكلة بقدر ما هم مؤشر اجتماعي على طبيعة البنية الاقتصادية السائدة. لذا فإن الحل لا يكمن في الملاحقة أو المنع، بل في الفهم والتنظيم والدمج. فربما آن الأوان لأن يُنظر إلى الاقتصاد غير الرسمي بوصفه مكملًا لا خصمًا للاقتصاد الرسمي، وأن تُدرج هذه الأنشطة ضمن سياسات اجتماعية واقتصادية تراعي الواقع بدل أن تفرض عليه نموذجًا مثاليًا بعيدًا عن الممارسة اليومية.
في النهاية، تُظهر دراسة ظاهرة البائعين الجائلين في القطارات أن المجتمع لا يعيش فقط من خلال ما تنظمه الدولة، بل أيضًا من خلال ما يبتكره الأفراد في مواجهة تحديات الحياة. فاقتصاد الظل ليس مجرد منطقة مظلمة خارج القانون، بل هو فضاء حيوي للإبداع الشعبي والتكيف الاجتماعي. ومن هنا فإن النظر إلى هذه الظاهرة سوسيولوجيًا يمنحنا فهمًا أعمق للمجتمع في حركته وتنوعه، ويدعونا إلى إعادة التفكير في مفاهيم العمل، والشرعية، والعدالة، من منظور أكثر إنسانية وواقعية.
أ.د. هاني جرجس عياد
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






