الإنشاء والمنيرة: حيث مقر صحيفة المصري اليوم
قصة تحول حي الإنشاء والمنيرة من متنزه فاطمي إلى قلب القاهرة الخديوية

عزيزي القارئ وأنت تقرأ صحيفة المصري اليوم أو تتصفح موقعها ، هل فكرت أين يقع مقرها إنه في قلب القاهرة الفاتنة، حيث تتشابك خيوط الزمن وتتوالى فصول التاريخ، يقع حي الإنشاء والمنيرة، شاهداً صامتاً على تحولات مدينة لم تنمْ يوماً. إنه ليس مجرد حيز جغرافي، بل هو سجل حيٌّ لمراحل فاصلة في تاريخ المحروسة، وفي كتاب صدر مؤخرا للدكتورة شيماء عبد الفتاح عن دار الأفاق العربية عنوانه ( التطور الحضاري والعمراني لحي الإنشاء و المنيرة بالقاهرة )، نقرأ بالتفصيل تاريخ المنيرة بصورة غير مسبوقة معززة بالوثائق والصور النادرة ، تبدأ قصة المنيرة من أواخر العصر الفاطمي حين كان متنفساً وحديقة غناء لأهل القاهرة، يرتادونها طلباً للجمال والهدوء. ظل كذلك، متنزهاً مفضلاً حتى العصر المملوكي، قبل أن تدهم القاهرة موجات من الفتن والثورات، وتضربها الأوبئة والأمراض، ليتحول هذا الركن البديع، مع قدوم الحملة الفرنسية، إلى منطقة تسكنها البرك والمستنقعات، وتلفها رائحة الإهمال.
لكن الأقدار خبأت لهذا الحي نهضة كبرى، أتت على يد محمد علي باشا، وتحديداً في عصر حفيده الخديوي إسماعيل. ففي زمنه، شهد الحي تحولاً عظيماً، عندما أُدمج ضمن مشروعه الطموح “باريس الشرق”. كان إسماعيل يحلم بتحويل القاهرة من مدينة تعج بالروائح الكريهة والمستنقعات إلى عاصمة للجمال والموضة، مدينة تضاهي أبهى عواصم أوروبا. فشق الطرقات الواسعة، ومد شبكات الصرف الصحي والمياه، وشيّد القصور الفارهة، وأنشأ شبكات المواصلات الحديثة. وهكذا، تحولت الإنشاء والمنيرة إلى مركز سكن للطبقة الحاكمة والأرستقراطية، لتزداد أهميتها مع بناء الخديوي إسماعيل لثلاثة قصور بديعة لبناته: فايقة هانم (والتي أصبحت فيما بعد وزارة التربية والتعليم)، وجميلة هانم (وزارة الإسكان)، و توحيدة هانم (وزارة الإنتاج الحربي). يضاف إلى ذلك قصر الأميرة منيرة، ابنة السلطان عبد المجيد وزوجة إلهامي باشا (والذي يحتضن اليوم المعهد الفرنسي للآثار الشرقية)، هذا الموقع التاريخي الهام الذي شهد الواقعة الأشهر زمن الفرنسيين، ألا وهي إعدام سليمان الحلبي، قاتل القائد كليبر. وفي هذا الحي أيضاً، أقام الخديوي إسماعيل الاحتفال التاريخي الأسطوري المعروف بـ “أفراح الأنجال”، الذي لا تزال أصداؤه تتردد في جنبات المكان.
تتحدد معالم هذه المنطقة التاريخية بوضوح: يحدها شمالاً شارع مجلس الشعب (مجلس الأمة ودار النيابة سابقاً)، وجنوباً شارع الدكتور علي إبراهيم باشا (مدرسة الطب سابقاً). أما من الشرق، فيحدها شارع الخليج المصري (بور سعيد حالياً)، الذي يقطعه شارع المبتديان عند مبنى دار الهلال، ثم يستكمل الحد الشرقي شارع نوبار (الدواوين سابقاً).
لقد كان للنيل أثر عميق في نشأة عمارة وعمران هذه المنطقة، فقد تشكلت نتيجة ثلاث “طروحات” للنيل. الطرح الثاني، الذي حدث في العصر الإخشيدي، و الطرح الثالث، الذي ظهر في زمن الفاطميين، فقد نتج عنه أرض منشأة الفاضل التي عُمّرت ببستان أنشئ به مسجد، والطرح الخامس، الذي حدث في العصر المملوكي.
تضم هذه المنطقة أيضاً عدداً من المباني التاريخية الهامة، بخلاف قصور بنات الخديوي إسماعيل، حيث يوجد قصر إسماعيل باشا المفتش، وقصر حيدر باشا (مبنى وزارة الصحة)، وقصر شيوه كار هانم (مبنى مجلس الوزراء)، ومسجد نبيهة هانم يكن، ومسجد بستان الفاضل. كما يوجد بها بيت الأمة (منزل صفية زغلول) و ضريح سعد زغلول ذا الطراز الفرعوني، تلك البنيات التي تعد شاهداً حياً على حقبة تاريخية فارقة في مصر. فمن هذا المكان انطلقت ثورة 1919م، وفي هذا الحي أُنشئت أول مدرسة لدراسة اللغة العربية وهي مدرسة دار العلوم التي أسسها علي باشا مبارك ومحلها الآن حديقة دار العلوم، وذلك قبل أن تصبح كلية دار العلوم وتُنقل إلى جامعة القاهرة. وبه أيضاً أُنشئت مدرسة الطب بقصر العيني باشا على النيل والتي أصبحت فيما بعد مستشفى قصر العيني. وبه وجدت مستشفى المنيرة والتي كانت تسمى مستشفى الملك، وكان يوجد بها أيضاً مستشفى أبو الريش التي كانت تسمى مستشفى فؤاد الأول، وهي أحد أهم روائع أبنية المعماري أنطونيو لاشياك والتي اندثرت الآن وحل محلها المبنى الحالي لمستشفى أبو الريش.
ليس هذا فحسب، بل احتضنت الإنشاء والمنيرة دور النشر العريقة مثل دار الهلال وروز اليوسف، كما سيسجل التاريخ أنه كان مقرا لصحيفة المصري اليوم، وفيها أُنشئ مبنى مجلس الأمة (الشعب)، رمز الحياة النيابية في مصر. كما احتوت المنطقة عدداً من المباني للطبقة المتوسطة، سواء كانت فيلات أو عمارات، تمثل الطراز الباروكي والروكوكو الأوروبي، لتشكل نسيجاً معمارياً فريداً يحكي قصصاً عن الفن والذوق الرفيع. وتحتوي تلك المنطقة على مجموعة شوارع رئيسية تبدأ من الشمال بشارع مجلس الشعب يليه شارع إسماعيل أباظة (شارع الطرقة الشرقي سابقا)، ثم شارع صفية زغلول (شارع الإنشاء سابقا)، ثم شارع المبتديان.
تضم المنيرة أيضا عددا من الشوارع الهامة التى تتضمنها المنطقة شارع أفراح الأنجال، شارع أمين سامى (المدرسة سابقا)، شارع إسماعيل باشا سرى (عمر بن عبد العزيز سابقا)، شارع عبد الرحيم البيساني، شارع بستان الفاضل، شارع منظرة السكرة، شارع المواردي وغيرهم الكثير من الشوارع والحارات التي تعج بالقصص والحكايات التاريخية والشعبية والموروثات المصرية الأصيلة.
دكتور خالد عزب
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






