التنويريسلايدرفكر وفلسفة

التوازن الإسلامي في نقد الفلسفة الغربية

قراءة نقدية في مشروع مهنا الحبيل لتفكيك فلسفة "روسو" وتأسيس "علم الاستغراب" برؤية إسلامية

يُعد كتاب «الدين والإنسان والقانون الاجتماعي: دراسة استغراب نقدية لفلسفة روسو» للباحث الإسلامي مهنا الحبيل، عملاً فكرياً مركباً يندرج ضمن مشروع نقدي أوسع يسعى إلى إعادة قراءة الفلسفة الغربية الحديثة، ولا سيما فلسفة جان جاك روسو، من منظور معرفي وأخلاقي يستند إلى المرجعية الإسلامية.

 ولا يقف هذا المشروع عند حدود العرض أو التلخيص، بل يتجاوزهما إلى التفكيك والتحليل والنقد، في إطار ما يسميه المؤلف بـ”علم الاستغراب”، الذي يُقصد به دراسة الغرب ومنتجه الفكري دراسة نقدية ندية، تتجاوز منطق التبعية والانبهار، كما تتجاوز في الوقت ذاته منطق الرفض الأيديولوجي المغلق.

ينطلق الكتاب من إشكالية فلسفية كبرى تتمثل في العلاقة بين الدين والإنسان والقانون الاجتماعي، وهي إشكالية تضرب بجذورها في تاريخ الفكر الإنساني منذ بداياته الأولى، حيث ظل الإنسان يتساءل عن طبيعة وجوده، وعن مصدر القيم التي ينبغي أن تحكم حياته، وعن الكيفية التي يمكن بها بناء مجتمع عادل يحقق له الطمأنينة والسعادة. وفي هذا السياق، يرى المؤلف أن هذا السؤال لا يمكن فصله عن البعد الديني، لأن الإنسان ليس مجرد كائن مادي تحكمه المصالح والرغبات، بل هو كائن مركب يجمع بين الروح والجسد، وأن أي محاولة لبناء قانون اجتماعي بمعزل عن هذا البعد الروحي ستؤدي بالضرورة إلى اختلال في التوازن الأخلاقي والاجتماعي.

وفي سبيل معالجة هذه الإشكالية، يتخذ المؤلف من فلسفة روسو نموذجاً مركزياً للتحليل، باعتبارها واحدة من أهم المرجعيات التي أسهمت في تشكيل الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، خاصة من خلال نظريته في العقد الاجتماعي، ورؤيته لطبيعة الإنسان، وموقفه من الدين والتربية. 

غير أن المؤلف لا يكتفي بعرض أفكار روسو، بل يسعى إلى تفكيكها من خلال ربطها بسياقها التاريخي والنفسي، وهو ما يفسر اهتمامه الكبير بحياة روسو الشخصية، حيث يرى أن هذه الحياة تمثل مدخلاً أساسياً لفهم فلسفته.

فقد عاش روسو حياة مضطربة اتسمت بالحرمان والتشرد، إذ فقد والدته في سن مبكرة، وعانى من إهمال والده، وتنقل بين بيئات اجتماعية قاسية، وتعرض لخبرات نفسية معقدة، تركت آثاراً عميقة في تكوينه النفسي والفكري. ويرى المؤلف أن هذه المعاناة أسهمت في تشكيل حسه النقدي تجاه المجتمع، ودفعته إلى تبني موقف ثوري ضد الطبقية والظلم الاجتماعي، وهو ما انعكس بوضوح في كتاباته، خاصة في حديثه عن المساواة والعدالة. غير أن هذه الخلفية النفسية، في نظر المؤلف، لا تفسر فقط قوة نقده، بل تفسر أيضاً بعض التناقضات في فكره وسلوكه.

ومن أبرز هذه التناقضات ما يتعلق بحياته الأخلاقية، حيث يشير المؤلف إلى أن روسو، رغم دعوته إلى الفضيلة والتربية الأخلاقية، عاش حياة شخصية اتسمت بقدر كبير من الاضطراب، خاصة في علاقاته النسائية، وفي تخليه عن أطفاله الذين أنجبهم خارج إطار الزواج. ويطرح المؤلف هنا إشكالية العلاقة بين الفكر والسلوك، متسائلاً عن مدى تأثير السيرة الذاتية للفيلسوف في بناء نظرياته، وعن حدود الفصل بين الإنتاج الفكري والممارسة الشخصية.

وفي سياق تحليل فلسفة روسو، يولي المؤلف اهتماماً خاصاً برسالته «أصل التفاوت بين الناس»، التي تعد من النصوص التأسيسية في الفكر الاجتماعي الحديث. ففي هذه الرسالة، يقدم روسو تصوراً للإنسان في حالته الطبيعية، حيث يرى أنه كان كائناً بسيطاً خيّراً، تحكمه مشاعر الرأفة، ولم يكن يعرف التفاوت أو الظلم. غير أن ظهور الملكية الخاصة، وتطور الحياة الاجتماعية، أدى – في نظره – إلى نشوء التفاوت، وظهور أنماط من الهيمنة والاستغلال.

غير أن المؤلف ينتقد هذا التصور، معتبراً أنه يقوم على فرضية تاريخية غير قابلة للتحقق، وأنه يختزل طبيعة الإنسان في بعدها الطبيعي، متجاهلاً البعد الديني الذي يشكل – في نظره – أساس الفهم الصحيح للإنسان. ويرى أن الحديث عن “الإنسان الطبيعي” بمعزل عن مفهوم الخلق الإلهي، يؤدي إلى تصور ناقص، لأن الإنسان في الرؤية الإسلامية ليس مجرد كائن طبيعي، بل هو مخلوق مكرم، له وظيفة في الوجود، ويخضع لمنظومة قيمية مستمدة من الوحي.

ويمتد هذا النقد إلى تصور روسو للتربية كما عرضه في كتاب «إميل»، حيث يدعو إلى تربية تقوم على الحرية، وعلى العودة إلى الطبيعة، وعلى تجنب الإكراه والتلقين. ورغم اعتراف المؤلف بأهمية بعض هذه الأفكار، إلا أنه يرى أن هذه الرؤية تظل ناقصة، لأنها لا تستند إلى مرجعية أخلاقية ثابتة، بل تعتمد على تصور ذاتي للطبيعة، وهو ما قد يؤدي إلى نسبية قيمية تفتح الباب أمام الانحراف. ويؤكد أن التربية الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا على توازن بين الحرية والانضباط، وبين العقل والوحي.

أما فيما يتعلق بموقف روسو من الدين، فيبرز المؤلف واحدة من أهم نقاط الإشكال في فلسفته، حيث يبين أن روسو، رغم إيمانه بوجود الله، واعترافه بأهمية الشعور الديني، يرفض الوحي كمصدر للتشريع، ويدعو إلى ما يسميه “الدين الطبيعي” أو “الدين المدني”، الذي يهدف إلى تعزيز تماسك المجتمع وخدمة الدولة. ويرى المؤلف أن هذا التصور ينطوي على اختزال للدين، وتحويله إلى مجرد أداة وظيفية، مما يفقده جوهره الحقيقي بوصفه مرجعاً أخلاقياً وتشريعياً.

ويؤكد المؤلف أن إقصاء الوحي من مجال التشريع يمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة في الفكر الغربي الحديث، لأنه يؤدي إلى فقدان معيار ثابت للخير والشر، ويجعل القيم خاضعة للأهواء والتغيرات الاجتماعية. وفي المقابل، يرى أن الرؤية الإسلامية تقدم نموذجاً مختلفاً، يقوم على التكامل بين العقل والوحي، حيث يؤدي العقل دور الفهم والاجتهاد، بينما يوفر الوحي الأساس القيمي والتشريعي.

وفي سياق متصل، يتناول المؤلف تصور روسو للمرأة، ويبين أنه يقوم على تأكيد دورها الأسري، وربطها بوظائف محددة في إطار الأنوثة التقليدية. ورغم أن هذا التصور قد يبدو – في نظر بعض الاتجاهات الحديثة – تقييداً لدور المرأة، إلا أن المؤلف يرى أن النقد لا ينبغي أن ينحصر في رفض هذا التصور، بل يجب أن يتجه أيضاً إلى نقد الاتجاهات النسوية المتطرفة التي سعت إلى إلغاء الفروق الطبيعية بين الجنسين، وإلى تفكيك الأسرة بوصفها مؤسسة اجتماعية أساسية. ويؤكد أن الحل يكمن في بناء رؤية متوازنة تراعي الفطرة، وتحفظ كرامة المرأة، وتضمن لها حقوقها دون أن تؤدي إلى تفكك البنية الاجتماعية.

وفي تحليله لنظرية العقد الاجتماعي، يعترف المؤلف بالأهمية التاريخية لفكر روسو، خاصة فيما يتعلق بتأسيس مفاهيم السيادة الشعبية، والإرادة العامة، والحقوق المدنية. غير أنه يرى أن هذه النظرية تعاني من خلل بنيوي، يتمثل في اعتمادها على الإرادة البشرية كمصدر نهائي للشرعية، دون وجود مرجعية أخلاقية عليا تضبط هذه الإرادة. ويشير إلى أن مفهوم “الإرادة العامة” قد يتحول إلى أداة للاستبداد، إذا لم يُضبط بمعايير أخلاقية ثابتة.

ويربط المؤلف بين هذه الإشكالات ومسار الحداثة الغربية بشكل عام، حيث يرى أن هذا المسار، رغم ما حققه من تقدم في مجالات العلم والسياسة، أدى في الوقت ذاته إلى أزمات عميقة، مثل تفكك الأسرة، وانتشار الفردانية المفرطة، وتراجع القيم الأخلاقية. ويرى أن السبب الرئيس في ذلك يعود إلى إقصاء الدين عن المجال العام، واعتماد رؤية مادية للإنسان والمجتمع.

وفي مقابل هذا الواقع، يقدم المؤلف تصوراً بديلاً يستند إلى المرجعية الإسلامية، يقوم على عدة أسس، من أبرزها: التكامل بين العقل والوحي، والاعتراف بكرامة الإنسان بوصفه مخلوقاً إلهياً، وبناء نظام قانوني يستند إلى الشريعة ويحقق العدالة، وإقامة دولة تقوم على التوازن بين السلطة والحرية، دون أن تنزلق إلى الاستبداد الديني أو إلى الفوضى العلمانية.

وفي ختام الكتاب، يخلص المؤلف إلى أن فلسفة روسو تمثل مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الإنساني، لكنها تظل محدودة بسبب افتقارها إلى الأساس الأخلاقي المطلق، وأن الفلسفة الغربية الحديثة، رغم إنجازاتها، تعاني من أزمة بنيوية تتطلب إعادة نظر جذرية. ويؤكد أن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم إلا من خلال إعادة الاعتبار للوحي، بوصفه مصدراً أساسياً للمعرفة والتشريع، وأن علم الاستغراب يمثل أداة ضرورية لتحقيق هذا الهدف، من خلال بناء حوار نقدي متكافئ بين الحضارات.

وهكذا، يقدم الكتاب مساهمة فكرية تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الدين والإنسان والقانون، في إطار رؤية حضارية شاملة، تتجاوز الثنائيات التقليدية بين الشرق والغرب، وبين الدين والعقل، نحو أفق إنساني أكثر توازناً وعدلاً.

وإذا كان المؤلف قد ركّز على نقد البنية الفلسفية عند روسو، فإنه في مستوى أعمق يسعى إلى الكشف عن الأصول المعرفية التي قامت عليها الفلسفة الغربية الحديثة، وخاصة في لحظة التحول من اللاهوت الكنسي إلى العقلانية التنويرية. ففي نظره، لم يكن هذا التحول مجرد انتقال من سلطة دينية إلى سلطة عقلية، بل كان في جوهره إعادة تشكيل لمفهوم الحقيقة ذاته، حيث أُقصي الوحي بوصفه مصدراً للمعرفة، وأُحِلّ محله العقل الإنساني بوصفه المرجع النهائي في تحديد القيم والمعايير.

غير أن هذا التحول – كما يرى المؤلف – لم يؤدِّ إلى تحرير الإنسان بالمعنى الكامل، بل أوقعه في شكل جديد من الاغتراب، إذ أصبح الإنسان مركزاً للكون من جهة، لكنه فاقد للأساس الذي يمنحه المعنى من جهة أخرى. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في الحداثة الغربية: فهي منحت الإنسان حرية واسعة، لكنها في الوقت ذاته نزعت عنه الإطار القيمي الذي يوجه هذه الحرية، مما أدى إلى أزمات أخلاقية ومعنوية عميقة.

وفي هذا السياق، يعيد المؤلف قراءة مشروع روسو بوصفه محاولة للخروج من هذا المأزق، حيث سعى إلى استعادة نوع من التوازن من خلال العودة إلى “الطبيعة” بوصفها مرجعاً أخلاقياً بديلاً. غير أن هذه العودة، في نظر المؤلف، ظلت محدودة، لأنها لم تتجاوز الإطار الإنساني إلى الإطار الإلهي، أي أنها بقيت حبيسة تصور بشري للطبيعة، لا يستند إلى وحي يُعطي لهذه الطبيعة معناها النهائي.

ومن هنا، ينتقد المؤلف ما يسميه “الانقطاع المعرفي” في الفلسفة الغربية، أي الانفصال بين مصدر الوجود (الخالق) ومصدر التشريع (الإنسان)، ويرى أن هذا الانقطاع هو أصل كثير من الأزمات التي تعيشها المجتمعات الحديثة. ففي غياب مرجعية مطلقة، تصبح القيم نسبية، ويصبح القانون انعكاساً لموازين القوى، لا تعبيراً عن عدالة موضوعية.

ويتجلى هذا الإشكال بوضوح في مفهوم “الإرادة العامة” عند روسو، الذي يعد من أهم مفاهيمه السياسية. فهذه الإرادة، رغم أنها تُقدَّم بوصفها تعبيراً عن المصلحة المشتركة، إلا أنها – في نظر المؤلف – تظل عرضة للانحراف، لأنها لا تستند إلى معيار فوق بشري يضبطها. وبالتالي، يمكن أن تتحول إلى أداة لقمع الأفراد باسم الجماعة، وهو ما حدث في تجارب تاريخية لاحقة استلهمت أفكار روسو.

وفي هذا الإطار، يربط المؤلف بين فلسفة روسو وبعض التحولات الكبرى في التاريخ الأوروبي، وعلى رأسها الثورة الفرنسية، حيث يرى أن هذه الثورة، رغم شعاراتها التحررية، كشفت عن ازدواجية عميقة في الفكر الغربي، إذ رفعت شعارات الحرية والمساواة، لكنها مارست في الوقت ذاته أشكالاً من العنف والإقصاء، سواء داخل أوروبا أو في مستعمراتها. ويشير إلى أن هذا التناقض يعكس خللاً في الأساس الأخلاقي للفكر الذي قامت عليه هذه التحولات.

ولا يقف المؤلف عند حدود النقد التاريخي، بل يمتد إلى تحليل مآلات الحداثة في العالم المعاصر، حيث يرى أن كثيراً من الظواهر الحالية، مثل تفكك الأسرة، وتصاعد النزعات الفردانية، والتحولات في مفاهيم الهوية والجندر، يمكن فهمها بوصفها امتداداً لذلك الانفصال بين الإنسان والمرجعية الإلهية. فحين يصبح الإنسان هو مصدر القيم، دون ضابط خارجي، فإن كل شيء يصبح قابلاً لإعادة التعريف، بما في ذلك مفاهيم أساسية مثل الأسرة والهوية.

وفي مقابل هذا المسار، يطرح المؤلف الرؤية الإسلامية بوصفها بديلاً معرفياً وأخلاقياً، لا من حيث كونها منظومة دينية فحسب، بل من حيث كونها إطاراً تفسيرياً شاملاً للوجود الإنساني. فالإسلام – في تصوره – لا يفصل بين الدين والحياة، ولا بين الروح والجسد، بل يقدم تصوراً متكاملاً يجعل من الوحي مصدراً للمعرفة، ومن العقل أداة لفهم هذا الوحي وتطبيقه في الواقع.

ومن أهم ما يميز هذه الرؤية، في نظر المؤلف، هو أنها تقوم على مبدأ تكريم الإنسان بوصفه مخلوقاً إلهياً، وهو ما يمنحه قيمة ثابتة لا تتغير بتغير الظروف. كما أنها تؤسس لمفهوم العدالة على أساس موضوعي، لا يعتمد على الأهواء أو المصالح، بل على معايير أخلاقية مستقرة. وفي هذا الإطار، يصبح القانون ليس مجرد تعبير عن إرادة بشرية، بل تجسيداً لقيم عليا تهدف إلى تحقيق الخير العام.

ويؤكد المؤلف أن هذه الرؤية لا تعني العودة إلى نماذج تاريخية جامدة، ولا إقامة دولة دينية بالمعنى الكنسي، بل تعني استعادة البعد الأخلاقي في التشريع، وربط القانون بمصدر يتجاوز الإنسان، دون أن يلغي دوره في الاجتهاد والتطوير.

 ومن هنا، فإن المشروع الذي يدعو إليه مهنا الحبيل هو مشروع تجديدي، يسعى إلى بناء فلسفة اجتماعية جديدة، تستفيد من إنجازات الفكر الغربي، لكنها تتجاوز حدوده من خلال استحضار المرجعية الإسلامية.

وفي هذا السياق، يشدد المؤلف على أهمية تطوير “علم الاستغراب” بوصفه أداة منهجية لفهم الغرب، لا من موقع التبعية، بل من موقع الشراكة النقدية. فالغرب، في نظره، ليس كتلة واحدة، بل هو فضاء متنوع يحتوي على إنجازات وأخطاء، ولا يمكن التعامل معه إلا من خلال قراءة دقيقة تميز بين ما هو إنساني عام، وما هو خاص بسياقاته التاريخية.

كما يدعو إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين “الأصالة” و”المعاصرة”، من خلال بناء نموذج معرفي قادر على التفاعل مع الواقع العالمي، دون أن يفقد جذوره. ويرى أن هذا النموذج لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إعادة بناء العلاقة بين الفلسفة والدين، بحيث لا يكون أحدهما بديلاً عن الآخر، بل مكملاً له.

ومن جهة أخرى، يثير الكتاب مسألة مهمة تتعلق بـأخلاقية الفيلسوف ودورها في إنتاج المعرفة، حيث يطرح تساؤلاً ضمنياً حول مدى تأثير الحياة الشخصية للمفكر في مصداقية أفكاره. فهل يمكن قبول نظرية أخلاقية من فيلسوف لا يلتزم بها في حياته؟ 

أم أن الفكر يمكن أن يُفصل عن صاحبه؟ لا يقدم المؤلف جواباً حاسماً، لكنه يميل إلى التأكيد على أن البعد الأخلاقي جزء لا يتجزأ من المعرفة، وأن غيابه ينعكس – بشكل أو بآخر – على طبيعة النظرية.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الكتاب لا يهدف فقط إلى نقد روسو، بل إلى إعادة طرح سؤال أوسع يتعلق بـأسس المعرفة الحديثة وحدودها، وإلى الدعوة نحو أفق معرفي جديد يتجاوز الانقسام بين العقل والوحي، ويعيد الاعتبار للقيم بوصفها عنصراً مركزياً في بناء الإنسان والمجتمع.

وفي المحصلة، يقدم هذا العمل قراءة نقدية عميقة لفلسفة روسو، تكشف عن إسهاماته الكبرى، لكنها في الوقت ذاته تبرز حدودها، خاصة فيما يتعلق بالأساس الأخلاقي للتشريع. كما يفتح أفقاً لحوار حضاري أوسع، يسعى إلى بناء نموذج إنساني أكثر توازناً، يجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين العقل والإيمان، وبين الفرد والمجتمع.

وهكذا، لا يقف الكتاب عند حدود النقد، بل يتجاوزه إلى اقتراح مشروع حضاري بديل، يقوم على إعادة وصل ما انقطع بين الدين والإنسان والقانون، ويهدف إلى تجاوز أزمات الحداثة من خلال استعادة البعد الأخلاقي في الفكر الإنساني، في إطار رؤية شاملة تستلهم التراث الإسلامي، وتنفتح في الوقت ذاته على التجربة الإنسانية العالمية.

إبراهيم الحيمر


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى