التنويريدراسات دينيةسلايدر

الاستعلاء على المجتمع: وهم النقاء والعزلة المذمومة

الآفة السابعة | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

حين يغيب الفهم الشامل والصحيح لروح هذا الدين، ينكفئ المرء على ذاته، ويعتزل صاحب الإيمان معترك الحياة، وينسحب من ميادينها الفاعلة. فلا يختلط أو يخالط أحداً ممن هم خارج “دائرته الإيمانية” الضيقة، ظناً منه – بجهل مركب – أن هذا الانعزال هو من مقتضيات النقاء، ومن متطلبات الإيمان الصادق! وبذلك يضع في يديه الأغلال والقيود، ويفرض على نفسه بنفسه حصاراً خانقاً، فلا يرى لنفسه أيّ دور أو نشاط خارج هذه الدائرة المغلقة، سوى توجيه سهام التهم، وإطلاق النقد اللاذع للمجتمع من حوله، بل وتخوين من يحاول من إخوانه أن يجتهد بالتواصل والتعايش مع المجتمع بجميع شرائحه من أفراد، أو مؤسسات، أو عشائر، أو أحزاب.

أي استعلاء مغرور هذا الاستعلاء؟! وأي أفق ضيق هذا الذي يحصر رحمة الله الواسعة في قلة قليلة، وينظر إلى بقية الخلق من برج عاجي؟! إن هذا المسلك المريض لن يكون له إلا نتيجة حتمية واحدة؛ هي “الموت البطيء” للدعوة والفكرة. فحين نلتفت حولنا فلا نرى إلا أنفسنا، وقد انفض الناس من حولنا، وانفض الأنصار، نصبح لقمة سائغة من السهل التقامها، وكياناً هشاً تعصف به أدنى ريح.

لقد حذر القرآن الكريم من فظاظة القلب والتعالي على الخلق، وجعل من أسباب نجاح الدعوة المحمدية لين الجانب ورحمة الناس، قال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]. بل أمر الله سبحانه بالكلمة الطيبة للناس كافة، دون تمييز، فقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].

إن الإيمان بمفهومه الصحيح الشامل يقتضي الاختلاط والمخالطة، والتعايش والتواصل، وحسن الصبر على سوء المعاملة. وقد حسم النبي ﷺ هذه المسألة بوضوح لا لبس فيه، حين قعد قاعدة اجتماعية ودعوية عظيمة، فقال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (رواه ابن ماجه وأحمد).

مقالات ذات صلة

ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة؛ فقد كان من أخلاقه النبيلة أنه يخالط الناس، يغشى أسواقهم، ويزورهم في نواديهم ومنتدياتهم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، يزور مسلمهم وكافرهم، يواسي مصابهم، ويتجاوز عن مسيئهم. وتتجلى قمة هذا الرقي في تعامله ﷺ مع المخالفين؛ فقد زار ﷺ غلاماً يهودياً مرض، وكان هذا الغلام يخدمه، وقيل إن أباه عُرف بإيذائه للحبيب المصطفى ﷺ، فجلس النبي ﷺ عند رأسه وقال له برحمة المربي المخلص: «أَسْلِمْ»، فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده، فلم يجد الأب أمام هذا الخلق النبوي الرفيع والرحمة المهداة، إلا أن يقول لابنه: “أطِع أبا القاسم”، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فخرج النبي ﷺ وهو يقول فرحاً بنجاة إنسان من النار: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري).

يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله – مبيناً خطر رؤية النفس والاستعلاء بالطاعة: “فإن عجز عنه الشيطان في إيقاعه في المعصية، أوقعه في العُجب بعمله، ورؤية نفسه، واستصغار غيره، واحتقاره، واستعظامه لنفسه.. وهذا من أعظم المهلكات”. ويقول الفضيل بن عياض – رحمه الله – في تعريف التواضع الذي هو نقيض الاستعلاء: “أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته”.

هذه هي أخلاق الدعاة النبلاء الفضلاء، الذين أدركوا أن رسالتهم هي “هداية الخلق” لا “إدانتهم”. هؤلاء هم الذين فتحوا القلوب واستقروا في سويدائها، قبل أن يفتحوا البلاد، فأحبهم عدوهم، وأنصفهم شانئهم، وتمسك بهم من حاربهم، وفتحت الشعوب بلادها لهم طواعية، بعد أن رأت نبل أخلاقهم، وصدق فعالهم، وتواضعهم الجم، وحسن خصالهم.

الدكتور عبدالله فرج الله


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عبدالله فرج الله

الدكتور عبدالله فرج الله هو أكاديمي وكاتب وسياسي أردني بارز. وُلد في 21 فبراير 1965، وتخرج بدرجة البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية من جامعة اليرموك في الأردن، ثم حصل على الدكتوراه في فقه اللغة من جامعة موسكو الحكومية في روسيا عام 1999.عمل الدكتور فرج الله في مجال التعليم الجامعي، حيث شغل مناصب تدريسية متعددة في جامعة الزرقاء الأهلية، بالإضافة إلى الجامعة الأردنية. كما عمل في مجالات إدارية مختلفة، بما في ذلك مستشار مركز دراسات الأمة وإدارة مركز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ورئاسة جمعية اللغة العربية للتعليم والثقافة.يتميز الدكتور فرج الله بحضور إعلامي قوي، فهو كاتب مقالات في عدة صحف أردنية ومقدم برامج إذاعية. شارك أيضًا في حلقات تلفزيونية وندوات ثقافية محلية ودولية.لديه إسهامات علمية معروفة من خلال بحوثه ومؤلفاته التي تركز على اللغة العربية، الفقه، القرآن، ومفاهيم تربوية. كتب أيضًا مواد منهجية مُستهدفة للطلبة الذين لا يتحدثون اللغة العربية.يُعتبر الدكتور عبدالله فرج الله شخصية مؤثرة في الحياة الثقافية والعلمية في الأردن، ويتمتع بسمعة عالية كأكاديمي ملتزم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى