التنويريفكر وفلسفة

مُـساءلة الغرب: الصراع مُـحركـا والـعـطـاء أفـقـا

من تراجيديا بروميثيوس إلى الممكن الهابيلي: قراءة نقدية في البنية المعرفية للحضارة الغربية وتأسيس لثقافة العطاء

يبدو أن ما بلغه الغرب اليوم هو ثمرة مخطط معرفي مسبق، بمنطق الأمريكي آرون بيكـ؛ فـالتحريف المعرفي لمعطى معين يؤدي إلى نتائج بعينها. وتطبيق ذلك أن التحريف الذي وقع فيه الغرب (في عمومه) هو تأويل الوجود بوصفه صراعا، ما يجعل التفكير والفعل والسلوك والنتائج صدامية وعدائية. إضافة إلى منطق بيكـ سنحاول أيضا نقل القابلية للتكذيب، لـكـارل بوبر، من مختبر العلم إلى مشرحة الحضارة؛ فالحضارة الغربية انطلقت من فرضية الصراع وحاولت تكذيب المرجعية/الأصل الإلهي عبر استبداله بمطلقات أخرى. وحين نحلل نماذج تاريخية غربية سنرى كيف أن الصراع محركـ موجه يتم النظر به كرؤية وكـ”نموذج إرشادي”. ونحن ننطلق ـ صراحة ـ من أن الممكن الإنساني أوسع من التاريخ، فالصراع ليس هو مصير البشرية، فما نراه اليوم مجرد ممكن قابيلي، ويمكن أن يكون الممكن الهابيلي إصلاحا عميقا وبردا وسلاما يُنقذنا من النار البرومثيوسية التي أوشكت أن تشتعل في كل مكان.

النموذج اليوناني: نار بروميثيوس وتراجيديا الوجود

لقد تأسس الوعي الغربي على ميثولوجيا الصراع، وآية ذلك أن نار بروميثيوس تمثل البنية التحتية للمعرفة كفعل انتزاع من الآلهة وليس كاستقبال منها. وهذا المخطط المعرفي تكرس ـ في أوج الفلسفة اليونانية ـ مع أفلاطون وأرسطو. فمع أفلاطون كان الجدل صراعا لانتزاع الحقيقة، والفيلسوف يصارع غيره بالعقل والجدل ليخرج من الكهف؛ العالم المزيف. وأما أرسطو فقد وضع تصورا لإله منعزل هو المحرك الذي لا يتحرك من أجل البشرية/المخلوقات، مما ترك الإنسان وحيدا في مواجهة الوجود. لذلك فالوجود ليس هبة بل هو مأساة أو خصم يجب ترويضه بالعقل والمنطق الصوري، وربما هذا ما جعل الندية مع المطلق هي المحرك الخفي ـ الواعي واللاواعي ـ للفكر اليوناني/الغربي. الوجود مأساة والإنسان متروكـ لنفسه ليصارع وينتزع “كل شيء”. وكما أن طفولة الإنسان تؤثر على شخصيته المستقبلية، كذلك سيؤثر الصراع والمغالبة والندية على شخصية الحضارة الغربية؛ حضارة طفولتها اليونان وحياتها الأخرى هو ما سيكتبه الآن صاحب هذه السطور.

النموذج الوسيط: مشكلة الذنب/الخطيئة وإرهاصات الفصل

الملاحظ في العصر الوسيط أن الصراع سيأخذ شكل الاغتراب؛ إذ أثقلت المسيحية/الكنيسة كاهل الإنسان بـ ماهية مسبقة؛ إذ جعلت من ماهيته “ماهية مذنبة“. ومن ثم فالحياة هنا ليست استمتاعا بالعطاء الإلهي، بل هي رحلة صراع؛ رحلة تطهير شاقة. هذا التأويل المأزوم للروحانية سيؤدي ـ من بين ما سيؤدي إليه ـ لظهور العلمانية كآلية دفاع نفسية؛ فكان ـ من أسباب ـ فصل الدين عن العلم والسياسة… محاولة للتخلص من الذنب وتأمين مساحة للتنفس بعيدا عن “سطوة المطلق”. وهكذا لم يكن العلم الحديث وليد رغبة في المعرفة فحسب، بل كان أيضا رغبة في الاستقلال عن إله صار يُنظر إليه كقاض يـحـدّ من حرية الإنسان. وعليه، يبدو أن التأثر بمنطق وثقافة اليونان قد أدخل ـ بوعي أو بدونه ـ الصراع والندية إلى عمق الثقافة المسيحية وبـنـى لديها رؤية كونية مضطربة وتراجيدية. فكان العصر الحديث زمن التحول العنيف؛ من تبخيس الحياة إلى تمجيدها.

النموذج الحديث: الذات بين الهيمنة على الأغيار وإعـلان الانتحـار

إن العصر الحديث هو زمن الفصل بامتياز، فالدين أصبح شأنا فرديا ومكانه خاص، لقد حان وقت التوضيح والتمييز. ثمة فارق بين منطق الدين ومنطق الدنيا، لذلك ستُستثمر الصنائع البشرية ـ من علوم وفنون وفلسفات… ـ لـإثبات الذات، وجعلها مرجعا أساسيا. وسيكون دور الإله ثانويا لا رئيسا. والدين الطبيعي ـ كدين عقلي ـ هو نتيجة يتوصل إليها العقل، ولا يُفرض (الدين) من الخارج كما في اللحظة الوسيطة. ومع ذلك، ولما كان الصراع والانتزاع والمغالبة بنية خفية للرؤية الغربية، سيُؤَول المستجد العلمي والتقني كـجُرح نرجسي؛ فـالكوبيرنكية ـ في فهمهم ـ تهميش للإنسان وتهشيمه وتأكيد على الإله الأرسطي. والداروينية هي إنزال للإنسان من علياء الفردوس إلى الطين والمخلب والدم، الإنسان حيوان يصارع من أجل البقاء؛ وصنائعه وبدائعه أدوات للبقاء. أما الفرويدية فقد جعلت الوعي عربة يجرّها فرس هو اللاوعي والغريزة؛ شخصية الإنسان قائمة على الصراع (السادة الأشداء) والمنطلق (الطفولة) يُشكل المستقبل(الشخصية). حتى الذكاء الصناعي سيُفهم أنه ضربة للعقل والوعي البشري؛ سيتم تكذيب فرادة الإنسان عبر تحويل وعيه إلى خوارزميات. أين الإنسان إذن؟

إن إعلان نيتشه عن موت الإله نتيجة طبيعية لنسق بدأ بالصراع وانتهى بإثبات الذات لتصبح هي الأخرى ميتة (خطاب موت الإنسان)؛ إن غياب المرجعية المطلقة يجعل الوجود سائلا ومأساة كاملة (حروب، استعمار، إمبريالية…)؛ فإبدال الإله بمطلقات أخرى نسبية حنين إلى علاقة صحية مع المطلق، بل شغف إلى صلة مختلفة عن الصراع تماما. وقمين بالذكـر أن النسق الغربي (الصراع) قد وجد من انتقده من الداخل، من أصحابه والمنتمين إليه، من حيث الدعوة إلى علاقة مغايرة مع الوجود والموجودات (هايدغر، فروم…)، وهذا ما يؤكد ـ القاعدة ـ أن الصراع كان بنية مهيمنة. وماذا بعد؟

إن الأمر يقتضي بناء نسق أو براديغم مغاير قوامه العطاء، والعطاء مُمْكِنٌ مَفْهُومِـيّ في غاية العمق، ويمكن أن نبني من خلاله فلسفة كونية؛ ذات أبعاد أنطولوجية وواقعية وأخلاقية ودينية وجمالية… فما طبيعة مبادئها؟ وما تطبيقاتها؟ قد نُفرد لذلك مقالات مطولة، وحسبنا الآن أن نختم بالممكن الهابيلي فنقول: إن ما انتهى إليه الغرب اليوم، والذي أصاب به غيره من الثقافات، هو توكيد لـأن الغرب (المادي) يحاول منذ قرون تكذيب فرضية الله عبر تجريب بدائل (القوة، العلم المادي، السلطة، الفصل، التقنية…)، وفشل هذه البدائل في منح السكينة هو التكذيب التجريبي لادعاءاته.

نـحـو بديل ممكن: العطاء أُفُـقـا

إن العقل البشري/الغربي بالرغم مما هو عليه اليوم، يمتلكـ إمكانات العطاء. ولسنا ممن يقول بـنـهاية السرديات، فالممكن أوسع من أن يُضيّق في لحظة تاريخية معينة. ويَعِنّ لنا أن الفراغات التي تركها المطلق في الشعور واللاشعور الغربيين، يمكن أن يُملأ بفلسفة ورؤية جديدة أوسع؛ فيُكتب التاريخ على نحو جديد ومغاير، ونُشهد الكون والطبيعة والعالم أنه كنا فيه فاعلين؛ فعل المستخلف الذي يقدّر العطاء ويعمل به ويمرره للمستقبل. لقد قطع قابيل عطاء هابيل حين قتله، ويتعين علينا اليوم أن نُحيي هابيل في أنفسنا؛ هابيل الذي يعرف العطاء ويقدره ويدافع عنه ضد كل الظَّلمة؛ هابيل الذي يجمع بين القوة والأخلاق. إن الفراغ الذي تركه هابيل درس تاريخي بعيد الغور: إن اللطف وحده لا يحمي العطاء، وأن العطاء مع العنف كعصا موسى بيد فرعون. فهل نتركـ ساح الوجود لأبناء قابيل ونموت مع هابيل؟ إن الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فَأَبَيْنَ أن يحملنها وحملها الإنسان، إنه كان ظلُوما جهُولا. الأمانة هي أمانة العطاء والنضال من أجل أن يكون للجميع وليس لأحد. والجهل هو حين نرى الوجود مجرد صراع لا عطاء، والظلم أن نحتكره (العطاء بمختلف صوره) وكأننا شعبه المختار، بينما عطاء الله عطاء للعالمين. 

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى