دبلوماسية المعرفة في الوطن العربي: الواقع والطموح
نحو بناء شبكات تعاون أكاديمي لمواجهة تحديات البحث العلمي وتعزيز القوة الناعمة العربية دولياً

تتباين مستويات الاهتمام بدبلوماسية المعرفة بين الدول العربية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت مؤشرات متزايدة على تنامي الوعي بأهمية المعرفة بوصفها أحد أدوات الحضور الدولي والتأثير الثقافي والعلمي. وقد برزت في هذا السياق أدوار مهمة لعدد من الدول والمؤسسات الأكاديمية والبحثية التي بدأت توسع من شبكات التعاون العلمي والبحثي مع المؤسسات الدولية، وتشارك بفاعلية في المؤتمرات والمنتديات الفكرية العالمية.
وتُعد جمهورية مصر العربية من الدول العربية الرائدة تاريخيًا في مجال إنتاج المعرفة ونشرها في العالم العربي. فمنذ بدايات النهضة العربية الحديثة، لعبت مصر دورًا محوريًا في تطوير التعليم العالي والبحث العلمي والنشر الثقافي، وأسهمت جامعاتها ومؤسساتها البحثية في تخريج أجيال واسعة من العلماء والمفكرين العرب. كما يشكل معرض القاهرة الدولي للكتاب أحد أكبر التظاهرات الثقافية والمعرفية في المنطقة العربية، حيث يجمع سنويًا آلاف الباحثين والناشرين والمفكرين من مختلف دول العالم.
وفي موازاة الدور المصري التاريخي، برزت خلال العقود الأخيرة تجارب لافتة في بعض دول الخليج العربي التي استثمرت بشكل كبير في بناء منظومات معرفية حديثة تشمل الجامعات البحثية المتقدمة، ومراكز الابتكار، ومراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية. وقد أسهم هذا الاستثمار في تعزيز الحضور العلمي والبحثي لتلك الدول على المستوى الدولي، وفي توسيع شبكات التعاون الأكاديمي والبحثي مع الجامعات والمؤسسات العالمية. كما أن بعض الدول العربية الأخرى مثل الأردن ولبنان تمتلك تقاليد أكاديمية عريقة وجامعات ذات حضور إقليمي ودولي مؤثر، في حين شهدت دول في منطقة المغرب العربي – مثل المغرب وتونس والجزائر – تطورًا ملحوظًا في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والتعاون الأكاديمي الدولي.
ومع ذلك، فإن مستوى الاهتمام بالمعرفة والبحث العلمي لا يزال متفاوتًا بين الدول العربية، حيث قد تتقدم بعض الدول في مراحل معينة نتيجة للاستثمار في التعليم والبحث والابتكار، بينما قد تواجه دول أخرى تحديات اقتصادية أو مؤسسية تؤثر في قدرتها على تطوير منظوماتها المعرفية. ويعكس هذا التفاوت طبيعة التحولات التي يشهدها العالم العربي، حيث تتشكل خريطة المعرفة العربية بصورة ديناميكية تتغير من حين إلى آخر تبعًا للسياسات التعليمية والبحثية والاستثمار في رأس المال البشري.
التحديات التي تواجه دبلوماسية المعرفة العربية
على الرغم من المؤشرات الإيجابية، لا تزال دبلوماسية المعرفة في العالم العربي تواجه مجموعة من التحديات البنيوية والمؤسسية. ويأتي في مقدمة هذه التحديات محدودية الاستثمار في البحث العلمي في بعض الدول العربية، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الجامعات ومراكز البحث ومؤسسات صنع القرار. فالحلقة التي تربط صناع المعرفة بصناع القرار ما تزال في كثير من الأحيان ضعيفة أو غير مؤسسية، وهو ما يقلل من قدرة المعرفة على التأثير في السياسات العامة والاستراتيجيات الوطنية.
كما أن التعاون العلمي بين المؤسسات العربية نفسها ما يزال دون المستوى المأمول، حيث تميل كثير من الجامعات ومراكز البحث إلى بناء شراكات دولية خارج الإقليم أكثر من تعاونها مع المؤسسات العربية الأخرى. ويؤدي ذلك إلى إضعاف فرص بناء شبكة معرفية عربية مشتركة قادرة على إنتاج معرفة جماعية حول القضايا العربية والإقليمية.
إضافة إلى ذلك، تواجه المؤسسات العلمية العربية تحديات تتعلق بالهجرة العلمية واستقطاب الكفاءات، حيث ينتقل العديد من الباحثين العرب إلى جامعات ومراكز بحثية عالمية توفر بيئات علمية أكثر تطورًا. ورغم أن هذه الظاهرة يمكن أن تمثل فرصة لتعزيز الشبكات العلمية العربية العابرة للحدود، إلا أنها تتطلب سياسات نشطة للاستفادة من الخبرات العلمية العربية في الخارج ضمن إطار دبلوماسية المعرفة.
مبادرات فكرية عربية لتعزيز دبلوماسية المعرفة
في ظل هذه التحديات، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات فكرية وأكاديمية تسعى إلى تعزيز مفهوم دبلوماسية المعرفة في العالم العربي، وإلى بناء منصات جديدة للتعاون العلمي والبحثي بين المؤسسات المعرفية العربية. وقد أطلق عدد من الباحثين والمفكرين العرب أفكارًا ومبادرات تهدف إلى ربط المعرفة بالسياسات العامة، وإلى تعزيز الحوار العلمي والثقافي بين المؤسسات البحثية العربية ونظيراتها في العالم.
ومن بين هذه الجهود تبرز مبادرة الأكاديمي والباحث اليمني الدكتور خليل الخطيب، صاحب الموسوعة العالمية لمراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية، والذي نشر عددًا من المؤلفات والأبحاث في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والقيادة الأكاديمية. ففي أواخر عام 2025 أعلن عن مبادرة عربية طموحة تحمل اسم “الاتحاد العربي لدبلوماسية المعرفة”، في خطوة تهدف إلى بناء إطار عربي يجمع الجامعات ومراكز الفكر والمؤسسات البحثية لتعزيز التعاون العلمي والفكري بين الدول العربية. وقد طُرحت هذه المبادرة عبر منصة Facebook، كما جرى عرضها ومناقشتها خلال المؤتمر الحادي والعشرين لمنتدى التطوير الوظيفي الخليجي في دولة الكويت خلال الفترة من 10 إلى 12 نوفمبر 2025.


وفي سياق تطوير هذه المبادرة وتحويلها إلى مشروع مؤسسي عربي، قام مؤسس المبادرة بزيارة علمية إلى جمهورية مصر العربية التقى خلالها بعدد من القيادات الأكاديمية والبحثية في مؤسسات علمية مرموقة، من بينها جامعة القاهرة وجامعة عين شمس وجامعة حلوان إضافة إلى لقاءات علمية في المركز القومي للبحوث. وقد هدفت هذه اللقاءات إلى التعريف بالمبادرة واستطلاع آراء الأكاديميين والباحثين حول سبل تطويرها وتحويلها إلى منصة عربية لتعزيز التعاون المعرفي والبحثي بين الجامعات ومراكز الدراسات في العالم العربي.
كما حضر مؤسس المبادرة خلال هذه الزيارة عددًا من الفعاليات العلمية والثقافية، وشارك في مؤتمرين علميين، إضافة إلى حضوره فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يمثل أحد أهم الفضاءات الثقافية والمعرفية في المنطقة العربية. وفي السياق نفسه قام بزيارة إلى مقر جامعة الدول العربية في القاهرة بهدف استكشاف المتطلبات التنظيمية والإجرائية اللازمة لتسجيل الاتحاد المقترح ضمن الاتحادات العربية المعتمدة لدى الجامعة، وذلك في خطوة تهدف إلى منح هذه المبادرة إطارًا مؤسسيًا رسميًا يمكن أن يسهم في تعزيز دبلوماسية المعرفة على المستوى العربي.
نحو مستقبل عربي لدبلوماسية المعرفة
إن بناء منظومة عربية فاعلة لدبلوماسية المعرفة يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والابتكار، وتعزيز دور الجامعات ومراكز الفكر بوصفها منصات للحوار المعرفي وصناعة الأفكار. كما يتطلب الأمر تطوير شبكات التعاون البحثي بين المؤسسات العلمية العربية، وتشجيع النشر العلمي المشترك، وتنظيم المؤتمرات والمنتديات الفكرية التي تناقش القضايا العربية والإقليمية من منظور علمي ومعرفي.
ومن المهم كذلك تعزيز دور المؤسسات البحثية ومراكز الفكر في ربط المعرفة بصناعة القرار، بحيث تتحول هذه المؤسسات إلى جسور فاعلة بين المجتمع الأكاديمي ومؤسسات الحكم والسياسات العامة. فدبلوماسية المعرفة يمكن أن تسهم في تعزيز الحوار بين الدول العربية، وفي بناء شراكات علمية وثقافية مع العالم، وفي تقديم رؤية عربية أكثر حضورًا وتأثيرًا في النقاشات الدولية حول قضايا التنمية والاقتصاد والابتكار.
خاتمة
إن دبلوماسية المعرفة تمثل فرصة استراتيجية مهمة أمام العالم العربي لتعزيز حضوره في النظام الدولي المعاصر، وبناء جسور جديدة للتعاون العلمي والثقافي بين الدول والشعوب. فالمعرفة اليوم أصبحت أحد أهم مصادر القوة الناعمة، وأداة فاعلة في صياغة السياسات وبناء الشراكات الدولية.
وفي ظل ما يمتلكه الوطن العربي من إرث حضاري عريق وطاقات علمية وبحثية واعدة، فإن الاستثمار في دبلوماسية المعرفة يمكن أن يسهم في تحويل المنطقة إلى فاعل معرفي مؤثر في العالم. غير أن تحقيق هذا الطموح يتطلب رؤية عربية مشتركة، ومؤسسات معرفية قوية، وشبكات تعاون علمي قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة ناعمة تدعم التنمية والتقدم، وتعيد للمعرفة العربية دورها التاريخي في بناء الحضارة الإنسانية.
د. خليل الخطيب
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


