الآفة الخامسة: الغُلُوّ والتشدد (الاحتراق في أتون الإفراط)
الآفة الخامسة | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

في ظل الفهم الجزئي والسطحي للإسلام، يشتط فريق من الناس نحو أقصى اليمين، مبالغين في التشدد، ومجاوزين للحدود التي أنزلها الله، فيقعون في فخ “الغلو”. والمغالي يحمل نفسه والناس ما لا يطيقون، ويضيق واسعاً، ولا يرى في الأحكام والمستجدات إلا لونين: الأبيض أو الأسود، الحلال المطلق أو الحرام المطلق، فيغيب عنه فقه التيسير، وسعة الشريعة، ومرونة الإسلام في التعامل مع النوازل، مما يوقع البلبلة والفوضى في النفوس والصفوف.
ولقد حذرنا الله تبارك وتعالى من هذه الآفة الخطيرة حين خاطب الأمم السابقة محذراً إياهم من الانحراف الذي أهلكهم، فقال جل شأنه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77].
وفي السنة المطهرة، نجد تحذيرات نبوية صارمة تقطع دابر التشدد، إذ حذر النبي ﷺ من الغلو مبيناً أنه سبب هلاك الأمم، فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (رواه النسائي وابن ماجه). والتشدد المذموم سرعان ما ينقطع بصاحبه، فالمغالي المتشدد “كالمنبتِّ؛ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى”، ولذلك خطب الرسول ﷺ الناس يوماً مرسياً قواعد منهج الاعتدال قائلاً: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ» (أخرجه مسلم).
إن الداعية والمربي ذا الفهم السليم يدرك أنه ليس من العدل ولا من الحكمة أن نتشدد في خطاب الناس، ونغلو في أمرهم ونهيهم، ونبالغ في تكليفاتهم بما ينفرهم من الدين، بل نأخذهم بالتدرج والرفق، عملاً بقوله ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» (رواه البخاري).
الدكتور عبدالله فرج الله
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


