رؤية علي حليتيم للظاهرة الشحرورية لخصت الصراع الفكري في العصر الحديث
قراءة نقدية في كتاب "الباطنية الجديدة": جدلية تفكيك النص الديني والصراع المستمر بين الحداثة والأصولية

(دعوة إلى تنظيم مناظرة فكرية بين حداثي وأصولي)
إن سبب تأثر الجماهير بالفكر الشحروري ربما يعود إلى الطريقة التي كان يستخدمها محمد شحرور في التأثير في الآخر، فهو يستخدم تقنية النمذجة ليصنع من الإنسان المفكر النموذج، و هذه التقنية كما يقول المختصون مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي، تستند على افتراض مفاده أن الإنسان قادر على التعلم ، فالذين لم يقرأوا محمد شحرور كمفكر حداثي و لم يستمعوا له قد ينجرفون وراء ما يصدره البعض ضده من أحكام مسبقة، فمحمد شحرور يؤكد أنه يريد أن يحدث حراكا فكريا، وقد أكد في رده على سؤال وجه إليه بأنه ليس شيوعيا و لا يميل لمذهب ديني أو حزب سياسي، ولا هو ملحد لمجرد أنه فكك النص القرآني، نحن إذن أمام “صراع المفكرين”، نلمس ذلك في تحليل الدكتور علي حليتيم للظاهرة الشحرورية ، لأن محمد شحرور يُحسَبُ على اليسار الإسلامي مثله مثل مفكرين آخرين كحسن حنفي ، لا ندري إن كان موقف حليتيم هو دعوة لمحو آثار الفكر الشحروري، لكن يظل الصراع بين التجديد و التقليد جدلية فكرية مستمرة، وعلي حليتيم بصفته مؤسس و مدير مركز الشهاب للبحوث و الدراسات مطالب بأن ينظم مناظرة يجمع فيها حداثي بأصولي لإجراء مسح فكري لقضية تفكيك النصّ الدّيني و الصراع القائم بين الحداثيين و الأصوليين
عُرِفَ المفكر محمد شحرور بكتابه ” الكتاب و القرآن” الذي أصدره سنة 1990، و يعتبر محمد شحرور تلميذا لجعفر دك الباب و هو الرجل الذي ذكره الدكتور علي حليتيم في كتابه الباطنية الجديدة ، يصف علي حليتيم أسلوب محمد شحرور في الكاتبة بالبسيط، بعيد عن التعقيد، كتابات محمد شحرور من السهل الممتنع، حيث يتميز أسلوبه بالوضوح، إلا أنه يضيف له صفة أخرى هي الدوران حول ذات الأفكار، أي الاجترار ، لم يكن محمد شحرور مهتما بالتراث و منهجيته أو نقده أو حتى التعريف به، بل كان يمارس معه القطيعة كما يقول علي حليتيم، بحجة عدم صلاحيته مع العصر الحالي، فالتراث في الفكر الشحروري مُسَيَّسٌ و مخالف للقرآن، و المسلمون في نظره مازالوا يعيشون في مرحلة الدين العباسي الذي تميز بتنوع الفرق الكلامية كالمعتزلة و ظهور التصوف ، و كأن هناك تعددية دينية إسلامية الدين العباسي و الدين الأموي الذي حوّل أصحابه الخلافة إلى وراثة شرعية و استخدموا المصحف و وظفوه لأغراض سياسية، فمحمد شحرور انتهج المسلك الإستشراقي و من سبقه من الحداثيين العلمانيين، و من خلال هذه الصفات التي ذكرها علي حليتيم يمكن أن نقول ان هذا المفكر لا ينتمي إلى جماعة أو أخرى، و يمكن أن يُصَنَّفَ بالمفكر الحُرّ أو التنويري المستقل.
يستخدم محمد شحرور المنهج العقلاني في الحكم على الأشياء و علي حليتيم في هذه المسالة يركز على بعض الأحكام التي وردت في كتبه مثلما جاء في قصة نوح ليؤكد أن محمد شحرور لا علاقة له بالتراث و لذلك يصعب تصديقه حين قال أنه قرأ التراث في خمس سنوات ثم تبين له أنه لا جدوى من قراءته ( ص 174)، نحن طبعا كقراء لا يمكن أن نأتي في كفة أحد منهما، لأن الجدل القائم على الفكر الشحروري انطلق من بعد وفاته، و أصبح مؤيدوه يعيدون قراءة أطروحاته التي كان يقدمها عبر وسائل الإعلام السمعية المرئية (اليوتيوب أو الفيديوهات)، أو الحوارات الصحفية التي أجرتها معه بعض الصحف العربية و القنوات الفضائية، كون كتبه الورقية غير متوفرة في بعض المكتبات العربية كالجزائر، ماعدا في التظاهرات الخاصة بصالون الكتاب الدولي و نجدها مرتفعة الأسعار و لا تكون في متناول الجميع، وهذه القنوات الفضائية هي التي نقلته إلى العالمية و اصبح له قراء و جمهور عربي و غربي واسع يناقشون أفكاره و أطروحاته لاسيما قناة روتانا و قناة أبو ظبي.
فهذه الفضاءات الرقمية يقول علي حليتيم ماهي إلا زوائد لا تخدم الفكرة (ص 175) ، نقرأ في هذه الصفحة عبارات يمكن القارئ الاستغناء عنها مثل الكثلكة ( نسبة للكاثوليكية) و هذه الكلمة تقابلها كلمة الأسلمة، و هذه مفاهيم دخيلة على قواميس اللغة الغربية كالأدلجة و النمذجة، فعلي حليتيم ينطلق من مبدأ “الترادف” الذي تكلم عنه محمد شحرور في كتابه السالف الذكر، فنقرأ في الصفحة 176 أن كتابات محمد شحرور لا تستحق القراءة و لا عناء الرد، وهذا إجحاف في حق الرجل، فحياة التشرذم التي يعيشها المسلمون اليوم جعلتهم منقسمون فهذا على دين العباسيين و ذلك على دين الأمويين و بعضهم على دين الوهابية، و منهم من يقول بالفكر التيمي ( نسبة إلى ابن تيمية)، و آخرون متأثرين بالألباني و نسمع منهم من يردد الألباني قال و الألباني صحّح و هكذا…، فمن الغرور طبعا أن يقول قائل: لا يمكنني ان أنزل إلى مستوى فلان فأضعف مثل ضعفه أو أتعاطى الترهات مثل تعاطيه مثلما جاء في الصفحة (175) ، في هذه الصفحة بالذات يتكلم علي حليتيم عن فكر المُتْعَة .
و فكر المتعة له مرادف آخر هو في الحقيقة هو بعيد عن المجال الفلسفي ، إلا أن علي حليتيم وظفه بشكل مغاير خارج إطاره الفقهي ، ففكر المتعة منظور فلسفيٌّ أخلاقيٌّ : hédonisme يراد به الخير الأسمى و هو مذهب يدعو إلى تجنب الألم و المعاناة و الشرّ و يهدف إلى الإشباع الحسي أو الفكري أو الأخلاقي لتحقيق السعادة للبشرية، في هذا المنجز اللغوي يعود علي حليتيم للحديث عن الترادف و اختلاف اللغويين في تحديده من خلال قصة (الديكُ يبيض)، ويمكن القفز عما جاء عن هذه القصة لأن ما يهم القارئ أكثر هو المنجز العقدي و الفقهي، فمحمد شحرور كما جاء في كتاب علي حليتيم ينفي الترادف رغم أنه ضرورة لغوية، فهو يرفع النقاب عن المفاهيم الصعبة فهمها أو التي تتسم بالغموض و الإبهام (ص191) ، و يعود اهتمام علي حليتيم بالترادف لانقسام اللغويين بين من أقر بوجوده و من نفاه و ذلك من باب إيصال الفكرة إلى القارئ.
ماذا عن الاختلاف بين الكتاب و القرآن؟
لا شك أن هذه المسألة لها ارتباط وثيق بقضية الناسخ و المنسوخ، حيث اختلف المفكرون في تحديدها ، و إن كانت قراءتنا لهذه المسألة سطحية ، فإن الكتاب هو مجموعة أوراق مرتبة و ملصقة و مرقمة و ما تحتويه هذه الأوراق من مضامين فهو كلامٌ مكتوب، قد يكون نصا دينيا ( قرآن) و القرآن هو الكلام الذي تم توثيقه في هذه الأوراق و أطلق عليه اسم “مصحف” و بالتالي لا يمكن التفريق بين مفهوم الكتاب و القرآن ، و بالتالي نقول ان هناك من يمارس التمييع بحجة الترادف، لا يقف مفكرون مع محمد شحرور في قضية إنكاره الترادف، لأنه لا يشكل خطرا بالشكل الذي يتحول إلى تهديد، ولو عدنا إلى قوله سبحانه و تعالى : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) يدرك أن الكتاب المُشار إليه هو القرآن نفسه، و هذا يدل على وجود الترادف عكس ما ذهب إليه محمد شحرور، فالكتاب أو القرآن أو الفرقان مرادف واحد و هو جامع لكل شيء و مفصل كل شيء في الزمان و المكان، لقد دعّم الدكتور علي حليتيم في قراءته لكتاب “الكتاب و القرآن” بآيات من الذكر الحكيم منها قوله تعالى: ” وأنزلنا عليك الكتاب و الحكمة” ( النساء 113)، ما ينبغي ان نفهمه هو أننا بحاجة إلى منظومة لغوية معرفية نكيفها مع الواقع أمام ظهور الذكاء الاصطناعي حتى تكون لنا أرضية معرفية تسمح بقراءة جديدة دون المساس بالمقدسات أو تدنيسها ، كما هو الشأن في كلمة التمام و الكمال، يلاحظ أن بعض المفردات لها مفاهيم ميتافيزيقية ، نقرأ مثلا عبارة “الكمال لله وحده” أي أن الله مطلق و في مرتبة عليا لا يصلها بشر، و في الصفحة رقم 200 يوضح علي حليتيم الفرق بين الترادف الجزئي و الترادف السياقي و ما جاء في كتب مشاهير اللغويين الغربيين و قد ذكر اسماءهم في الصفحة 201 ، فالنظرية التي جاء بها محمد شحرور في نفي الترادف يقول علي حليتيم فريدة من نوعها، إذ قسم القرآن إلى أجزاء ( كتاب، قرآن، فرقان و ذِكْرْ) دون أن يذكر التراث الإسلامي، فكيف لشخص يذكر شيئا هو لا يعترف به، فالملحدون لا يذكرون الله على لسانهم، لأنهم لا يؤمنون بوجوده، لكن شحرور رغم أنه ينفي الترادف فهو يذكر الله و كلما يذكر النبي يصلي عليه، يمكن أن نقدم هنا ملاحظة صغيرة تتعلق بالتراث الإسلامي، ماذا يعني بالتراث الإسلامي؟ هل التراث الإسلامي يتوقف عند النص الديني ( القرآن) فقط، أم السُنّة النبوية أي الأحاديث و هذه فيها اختلاف كبير بين الحديث الضعيف و الصحيح، أو الرواية المباشرة أم التي تتم بواسطة العنعنة إن صَحَّ القول و موقف الأئمة منها ، خاصة بعد ظهور الشيخ الألباني وتصحيحه الأحاديث، بما فيها الأحاديث الصحيحة التي رواها الأئمة الأربعة الموثوق فيهم ( البخاري، ومسلم و الترمذي و أبو هريرة) ربما هذا عائد للغلوّ في الدين، ونتج عن ذلك التنفير، لدرجة أن الذين يسمّون أنفسهم بـ: القرآنيين أنكروا السنّة، كذلك بالنسبة للأناشيد الإسلامية إن كانت ضمن التراث الإسلامي.
من اللا مفكّر فيه إلا ما لا يُقال De L’irréfléchi au le non -dit
و يكتبها البعض بالصيغة التالية: من غير المدروس إلى غير المعلن عنه، و قبل كل شيء نطرح السؤال التالي: هل السُنّة وحيٌ؟ فالغالبية الساحقة يرى أنها ليست وحي، و إنما هي اجتهاد من الرسول ( صلعم) ليعمل بها المسلمون في حياتهم اليومية إلى جانب تطبيق القرآن، و القرآنيون لاهم حداثيون و لا هم مستشرقون، لكنهم لا يعترفون بالسنّة، ثم أن عبارة الأصوليين، هي اسم لا يطلق على المسلمين أو الإسلاميين وحدهم ، وإنما على اليهود و النصارى، و الترادف نجده حتى في كلمة النصارى و المسيحيين و الحواريين و كذلك عند اليهود و منهم الحريديم haredim و هم المجموعات اليهودية المتشددة التي لا تعترف بالحداثة ، نحن إذن أمام عقدة لغوية اسمها الترادف ، و هذا الترادف تم توظيفه في مكانه الغير المناسب، فمثلا في الصفحة 202 ، يصف الدكتور علي حليتيم، المستشرقين ( تيودور تولدكه) و هو يعدّ شيخ المستشرقين الألمان ، و (ج. أغناطيوس) و هو قديس ملقب بالنوراني، يصفهم علي حليتيم بالشيخين، و اسم الشيخ اسم إسلامي، تشريفي في الثقافة العربية و الإسلامية يطلق عادة على عالم الدين، أو رئيس القبيلة أو الجماعة الدينية، و خاصة الجماعات الإسلامية ابلتي اعدت لزعيمها اسم آخر و هو “الأمير” كما أن الشيخين في الإسلام غالبا هما: الإمام مسلم و البخاري، و الاثنان عرفا بكتابهما (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، و لا يراد به كما نقرأه عند الغربيين بـ: le vieux، فالشيخ عند المسلمين يعبر عنه بالمكانة التي يحظى بها رجل الدين في الإسلام فهل نساوي بين علمائنا و بين رجال الدين الغربيين، ليس من باب التكبر طبعا و إنما للتفريق بين دين الإسلام و دين الكفر، و نشير أن مفهوم الترادف أعطي له مفهوم آخر و هو ” التماثل “.
ملاحظة نقدمها فقط أن محمد شحرور أراد أن يُسَوِّقَ خطابا إسلاميا تجديديا ديمقراطيا لإحداث التوفيق بين الإسلام الأوروبي و الإسلام الليبرالي و الإسلام الديمقراطي، و قد أشار إلى هذه الرؤية كثير من الباحثين و منهم الدكتور بوزيد بومدين في كتابه ” الحركات الإسلامية ” من الفهم المغلق إلى أفق التجديد، إسلامٌ و خطابٌ يميل بقوة إلى العقلانية، فهناك من يصف التيار التقليدي بالكائن المتوحش الذي يرفض الحداثة أو يخاف منها و بالتالي لا يستطيع الدخول فيها، لا ندري إن كان محمد شحرور يدعو إلى إسلام أوروبي يحارب العنف الفكري و يعطي للعقل الحرية في التفكير و التحليل و التفكيك دون تمييع و يضع حدا لخطاب السيف الذي حوّل الإسلام إلى خطر أو كما يسمى الإسلاموفوبيا islamophobie ، و أعطيت للإسلام صورة الشبح القادم و ذلك منذ صورة الخميني، و لذلك كانت هناك مخاوف من تمزق المجتمع الأوروبي كما يقول بومدين بوزيد ، كما يرى اليمين المتطرف الأوروبي أن عمليات الدمج تكون خطيرة إن كان الانتماء في إطار جماعة في شكل “طائفة” و ليس الانتماء للإسلام كفرد، لم نلحظ في كتاب الدكتور علي حليتيم (الباطنية الجديدة) أنه تحدث عن مسالة الدمج و تخوف أوروبا منه و إن كان محمد شحرور تطرق إلى هذه المسألة ، في كتبه كلها أم لا.
الحقيقة أن كل ما جاء به الدكتور علي حليتيم في كتابه الباطنية الجديدة والذي أثراه من جوانب عديدة ، و من زوايا مختلفة، يظل فكر محمد شحرور بحاجة إلى إعادة قراءة ، لتنوير القارئ، فكتب محمد شحرور غير متوفرة في سوق الكتاب الجزائري، و الحصول عليها يكون إما أن ينتقل الباحث عنها خارج البلاد أو بطرق أخرى، و ليس كلامنا هذا تشكيكا في كلام الدكتور علي حليتيم ، لكن الأمانة العلمية تقتضي ذلك ، للتدليل و التثبيت و البيان، أمام ذكره صفحات من كتاب “مذاهب التفسير الإسلامي” لمؤلفه المستشرق إغناطسيون جولدتسيهر، ترجمه الدكتور علي حسن عبد القادر لتأريخ الثقافات الإسلامية، والسؤال الذي يمكن أن يُطْرَحُ هنا هو كالتالي: هل يمكن أن نصنف محمد شحرور بالمفكر العبثي؟ فمن العبث أن يعمل مُفَكِّرٌ على تفكيك نص ديني (مقدسٌ) من باب العبث أو التشويش أو التحريض ، سواء أكان قرآنا أو إنجيلا أو توراة، ما نقرأ ما قاله محمد شحرور فضيعٌ طبعا، و كأننا نقرأ لسلمان رشدي و روايته “آيات شيطانية ” التي أثارت موجة غضب واسعة بين المسلمين ، فقد سخر هو الآخر من نبي المسلمين محمد (صلعم) و من الدين الإسلامي و ذلك بهدف معاداة الإسلام و القرآن و السنة ، إلى أن محمد شحرور يختلف عن سلكان رشدي، فمحمد شحرور أراد تجديد الدين و قراءة النص القرآني قراءة معاصرة يراعى فيها الزمن الحاضر و الواقع المعاش..
من المنجز اللغوي إلى المنجز العقدي
لننتقل إلى المنجز العقدي فمحمد شحرور كما يقول علي حليتيم يفسر القرآن بشكل خاطئ، عندما جعل الإله في مرتبة البشر، ويُفْهَمُ من ذلك أن محمد شحرور يكاد أن يُنْفِي الذّات الإلهية، لدرجة أنه يدعو الإنسان إلى الشك في وجود الله، فهو لا يميز بين الألوهية و الربوبية (217) كما ينكر النبوة و يرى الرسالة النبوية عائقا كبيرا للنهضة، يريد بذلك كما يقول علي حليتيم أن يجرّدها من معناها ، كما لا يعترف شحرور بالمعجزات التي جاء بها الأنبياء، فهو يعرفها على أنها ظواهر طبيعية، حسبما جاء في الصفحة 121 أن محمد شحرور فهم آيات القرآن بشكل خاطئ كما هو في سورة الكهف (الآية 110) ليرفع صورة الألوهية على البشر، يقر علي حليتيم في الفقرة الأخيرة من الصفحة 223 أن محمد شحرور ملحدًا بل تجاوز حدود الإلحاد فيقول: ( و لقد زاد إلحاد شحرور في مقامات النبوة رسوخا حين زعم أننا الآن في عصر ما بعد الرسالات ..الخ)، فالملحد هو المنكر للدين و لوجود الإله، لكن محمد شحرور في كل مرة يذكر الله يقول سبحانه و تعالى و يصليّ على النبي كلما ذكره، و حتى لو قلنا أن شحرور ملحدا، فلماذا لم تتم محاكمته إذن قبل أن يتوفاه الأجل؟، و هنا نجد علي حليتيم يسير على نهج كثير من المحللين عندما قالوا أن شحرور اعتمد المنهج اللغوي في تحديد معاني الألفاظ، وأنه لا يعترف بالترادف في اللغة، كما أنه فسّر القرآن تفسيرا خاطئا، وهم بذلك يرفضون منهجه، لأن كثيراً من الألفاظ التي تدل لغة على معنى معين أضاف الشرع إليها معاني أخرى.
يمكن أن نقف مليا فيما قاله محمد شحرور ( نحن الآن في عصر ما بعد الرسالات) فما نفهمه من هذا الكلامأن محمد شحرور يؤكد أن رسالة النبي محمد كانت آخر رسالة نبوية لأنه هو أخر الأنبياء، و بالتالي لا توجد في الوقت الحاضر رسالة نزلت من السماء عن طريق الوحي، اللهم إن كانت هناك رسالة أخرى تأتي في زمن غير محدد في المستقبل عن طريق المهدي المنتظر، و إلى حين ظهور المهدي المنتظر تظل الرسالات التي جاء بها الأنبياء و الرسل، منهجا لا يعمل به سوى المتدينون أو كما يسميهم البعض المُطَبِّقٌون أو المُمَارِسِين les pratiquants ( هو في الأصل مفهوم إنجيلي) و المُمَارِس من منظور ديني هو الشخص الذي يلتزم فعليا بشعائر الدين و تعاليمه و عباداته ، و الإنسان حرٌّ في العمل بها أو التخلي عنها، ربما هي في نظر الحداثيين لم تعد صالحة في الزمن الحاضر، بدليل أن جيل زاد بدأ في التخلي عن كل ما هو تراثي، فلكل جيل أفكاره و لكل جيل له خصوصيته و له خطابه، لا يؤمن بخطاب السيف و العصا؟
محمد شحرور و استخدامه تقنية النمذجة
لم يذكر الدكتور علي حليتيم التقنيات التي كان المفكر محمد شحرور يستخدمها للتأثير في الآخر و التي ربما هي التي مكنته من أن يصنع له جمهورا ، و متابعين و معجبين و يمكن أن نقول محبّين، حتى بعد أن أصبح في ذمّة الله، يقول الدكتور علي حليتيم في الصفحة 224 ما يلي: بعد هذا العرض لن نستغرب سوء أدب محمد شحرور مع الأنبياء عليهم السلام كقوله عن آدم عليه السلام إنه ” نسّاء”، ضعيف ،عصى أمر ربّه لمّا أكل من الشجرة ، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن نكرانها، و قد ذكر الله هذه الحادثة في سورة طه ( و عصى آدم ربه فغوى .. ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى ..الخ) و الشخص النسّاء هو الدّاعي بالمساواة بين الرجل و المرأة و المدافع عن حقوق المرأة و حريتها، و هو بذلك يناهض السلطة الأبوية الذكورية ، و بالتالي هو يسعى لتعزيز دور المرأة في المجتمع، أما عن فكرة إنسان ما بعد الرسالات في زمن العولمة و الرقمنة يراد بها توفر وسائل الحياة العصرية بعيدا عن حياة الدروشة التي يمارسها بعض المتصوفة المنحرفون الذين يمارسون طقوسا لا صلة لها بالدين كما نراه عند بعض الشيعة الغلاة الذي يعذبون أنفسهم كلما حلت ذكرى مقتل الحسين حفيد رسول الله، ، بما يسمى اليوم بـ: التطبير و هذا النوع من تعذيب الذات موجود حتى عند الرهبان المبتدئين الذين يعيشون داخل الدير ( الكنيسة) ليشعروا بألم المسيح حين تم صلبه.
إن مشكلتنا إذن هي اننا نفتقر إلى منظومة فكرية قائمة على التحليل العقلاني، ثم أن الأشخاص نوعان ، منهم من يؤثر و منهم من يتأثر، و محمد شحرور من الصنف الأول أي يؤثر، و عملية التأثر و التأثير كما يقول باركر barker و ويزمان wisman تتم من خلال “مُنبّهات” داخلية و أخرى خارجية، الأولى تتعلق بالجانب السيكولوجي للإنسان ، أما الخارجية فهي تتعلق بالمحيط الخارجي، و الجانب النفسي أهم و أخطر، و الدكتور علي حليتيم بحكم اختصاصه كطبيب مختص في الأمراض العقلية فهو أدرى بحالة المريض إن كان يعاني من مرض نفسي أو عضوي، و يراعي البيئة الفكرية التي نشأ فيها مريضه، فكان على علي حليتيم أن يكون الطبيب الذي يشخص الحالة المرضية لا ناقدا، و هو يدرك أكثر من أي شخص أن هذه المنبهات يستقبلها الفرد في شكل نبضات عصبية تنتقل إلى فيرتبها، ثم يقوم الفرد بفك رموزها، و هي تقنيات لا يفهمها إلا أهل الاختصاص و علي حليتيم واحدا منهم، في كل الأحوال يظل القارئ بحاجة إلى برهان يقدمه الكاتب أو الناقد ، أما إن كان أحد الطرفان غادر الحياة فالبرهان يظل ناقصا و تظل الفكرة معلقة، خاصة و أن هناك من يرفض الخوض في النقاش و لا تكون له القابلية لقَبول فكرة هو غير مقتنع بها، و هناك من يستعمل عملية غسيل الأدمغة يراد بها تجريد العقل من كل ما هو مفكر فيه و الدعوة إلى اللا مفكر فيه، و إقناع الفرد إما التمسك بالمعتقدات القديمة أو إقناعه لمعتقدات جديدة و التشكيك فيما كان يعتقده أي إفراغ الفرد من أفكاره يسمّيها خالد حبيب الراوي أستاذ الإعلام بجامعة بغداد بـ: الإقناع الخفيّ.
خاتمــــــــــة
و قبل أن نختم قراءة كتاب الباطنية الجديدة نسأل الدكتور علي حليتيم ما صلة جيم جونز بالظاهرة الشحرورية؟ هل الأمر مرتبط بالزعامة فقط؟ لأن محمد شحرور استطاع بأطروحاته أن يجمع حوله ملايين المتابعين حتى لو كانت خاطئة أو فيها تجاوزات على المقدسات، لأن الفلسفة قائمة على الإثارة ، نقول إن كان الأمر مرتبط بالزعامة و إن كانت هناك زعامة دينية أو زعامة سياسية فلا زعامة في الفكر، فالإنسان مفكر بالفطرة، فهو يرى الأشياء المحيطة به و التي تتحرك دون أن يكون له القدرة على إيقافها كالرياح، فيدركُ عجزه، و يترك عنها انطباعا ، يحلل أسبابها من خلال ما يقع بين يديه من نصوص و آثار سبقه غيره إليها، و الدليل أن جل مفكرينا العرب يستدلون بأفكار الغرب، فمنهم من يتأثر بأفكارهم فيقتبسونها ، و يضيفون عليها قليلا من أفكارهم ثم يحللونها حسب قناعاتهم دون الأخذ بآراء من يخالفونهم الرأي ، و قد يتهمونهم بالإلحاد أو الزندقة و لأن له عقدة النرجسية يرى نفسه زعيما.
شئنا أم أبينا ، إن سبب تأثر الجماهير بالفكر الشحروري ربما يعود إلى الطريقة التي كان يستخدمها محمد شحرور في التأثير في الآخر ، فمحمد شحرور يستخدم تقنية النمذجة ليصنع من الإنسان المفكر النموذج، و هذه التقنية كما يقول المختصون مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي، و تقنية النموذج تستند على افتراض مفاده أن الإنسان قادر على التعلم عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين، ثم إن جبريل لما ظهر لنبينا محمد ( صلعم) قال له : “اقرأ” و هو فعل أمر ( اقرأ باسم ربك الذي خلق.. الذي خلق الإنسان من علق، اقرأ و ربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) – صدق الله العظيم- والقلم له قدسية عند الله و قد أقسم به (فيما معناه) كما أقسم بالشمس، و القمر و الفجر و الليل و النهار و الضحى و العصر و التين و الزيتون و أقسم بذاته ( وربُّكَ) ، و هو قَسَمٌ يدل على عزته و جلاله ، فمحمد أركون بشر و محمد شحرور بشر و علي حليتيم بشر و الأنبياء بشر و كلنا بشر أعزّنا الله بنعمة العقل ، و نحن مطالبون بأن نقرأ، نقرأ كل ما يقع بين أيدينا من نصوص ، و ما خطته أنامل الإنسان أكان مسلما أو غير مسلم.
و هنا يأتي دور الإثارة لشد الانتباه و لفت نظر المشاهد و السامع و القارئ، و نحن هنا بُخَيَّلُ إلينا أن محمد شحرور يقول لعلي حليتيم ما قاله الشيوعيون في كوريا لأحد الأسرى الأمريكيين: ” ألا تكون بجانب السلام؟، أنتَ طبعا تريد ذلكَ، إذن ستحارب من أجل السلام “، و كما يقول برهان غليون: لا يمكن فهم استمرار منظومة القيم القديمة و تدهورها في إطار إشكالية عقلانية فلسفية تقوم على التمييز بين الخطأ و الصواب و المنطقي و اللامنطقي، بل يجب فهم ذلك في إطار العلاقات الاجتماعية ( تحدث عنها مالك بن نبي) التي تفسر وحدها استمرار هذا الفكر أو ذاك لأنه شديد الارتباط بالواقع، ما يمكن أن نستنتجه هو أن كتاب الباطنية الجديدة اصدر احكاما قاسية على مفكر ناقش إشكالية بذهن منفتح مبني على العقلانية، كان على الدكتور علي حليتيم أن يقوم بدور الطبيب في تشريح الفكر الشحروري و هو المختص في الأمراض العقلية ، و كأنه في عيادة يجري له فحوصات طبية ليعرف ماذا يدور في خلده ثم يضعه على طاولة التشريح، فعلي حليتيم هنا أغلق باب الحوار ، كان عليه أن يقرأ محمد شحرور المفكر و يدرس بيئته الفكرية ، فنحن أمام ظاهرة فكرية أخذت الكثير من الجدل و النخب الفكرية مطالبة بإعادة النظر في المفاهيم و المصطلحات و تحديد أبعادها الإيديولوجية.
علجية عيش
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






